رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

168

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الهيمنة الدولية وتفكك النظام العالمي المعاصر

03 فبراير 2026 , 02:00ص

يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، تتجلى في تصاعد النزاعات الداخلية، وانتشار العنف المنظم، وتآكل مفهوم السيادة الوطنية، خاصة في الدول الضعيفة أو النامية. هذه التحولات لا يمكن فهمها بمعزل عن هيمنة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت تؤدي دورًا مركزيًا في توجيه مسار العلاقات الدولية، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال أدوات سياسية واقتصادية وقانونية وإعلامية أكثر تعقيدًا وعمقًا.

لم تعد الحروب في صورتها التقليدية هي الأداة الرئيسية لإخضاع الدول، بل استُبدلت بما يمكن تسميته “الهيمنة غير المباشرة”، حيث يتم تفكيك الدول من الداخل عبر إذكاء الانقسامات العرقية والطائفية، وفرض نماذج سياسية واقتصادية لا تنسجم مع البنية الاجتماعية والثقافية لتلك المجتمعات. في هذا السياق، تصبح الدولة ساحة صراع مفتوحة، لا طرفًا فاعلًا مستقلًا، ويُعاد تعريف الاستقرار بوصفه قدرة على السيطرة لا على تحقيق العدالة.

أحد أخطر مظاهر هذا الواقع يتمثل في سابقة اعتقال أو محاكمة رؤساء وحكام دول خارج حدودهم الوطنية. فهذه الممارسات لا تمس الأفراد بقدر ما تضرب مبدأ السيادة ذاته، وتحوّل القانون الدولي من إطار ضابط للعلاقات بين الدول إلى أداة انتقائية تُستخدم وفق ميزان القوة. وبهذا، تُرسل رسالة واضحة مفادها أن الشرعية لم تعد نابعة من إرادة الشعوب أو من القوانين الدولية، بل من رضا القوى المهيمنة.

تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إعادة صياغة المفاهيم السياسية والأخلاقية على المستوى العالمي. فهي التي تحدد من هو “الدولة المارقة”، ومن هو “الحليف الإستراتيجي”، ومتى يكون التدخل العسكري “إنسانيًا”، ومتى يُعد الدفاع عن السيادة “تهديدًا للأمن الدولي”. هذا التلاعب بالمفاهيم يُنتج نظامًا عالميًا أحادي القرار، متعدد الأزمات، حيث تُدار الصراعات بدل حلها، وتُؤجَّل العدالة بدل تحقيقها.

أما الأمم المتحدة، التي أُنشئت أساسًا لحفظ السلم والأمن الدوليين، فقد وجدت نفسها مقيدة ببنية مؤسسية تعكس توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا واقع العالم الراهن. إن هيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن، عبر حق النقض، أفقدت المنظمة قدرتها على أداء دورها كوسيط محايد، وحوّلتها في كثير من الأحيان إلى شاهد صامت أو مُشرع غير مباشر لسياسات الهيمنة. هذا القصور البنيوي أسهم في تراجع الثقة الشعبية والدولية بالمنظومة الأممية.

الأثر الأعمق لهذه الهيمنة لا يظهر فقط في الخراب المادي أو عدد الضحايا، بل في تشويه الوعي الجمعي للشعوب. فعندما يُطبَّق القانون الدولي بانتقائية، وتُجزَّأ العدالة وفق الانتماء السياسي، تنشأ أجيال فاقدة للثقة في النظام الدولي، بل وفي فكرة الدولة ذاتها. وهنا تتجلى أخطر أشكال الفوضى: فوضى القيم والمعايير، التي تمهّد الطريق للتطرف والعنف والانغلاق.

إذا استمر هذا المسار، فإن النظام الدولي مرشح لمستقبل بالغ التعقيد. فمن جهة، ستزداد هشاشة الدول الصغرى، وستُدفع نحو صراعات داخلية تُدار عن بُعد. ومن جهة أخرى، قد تظهر تحالفات دولية جديدة لا تقوم على القيم المشتركة، بل على الرفض الجماعي للنظام القائم، ما يفتح المجال أمام صراعات أوسع وأقل قابلية للضبط.

ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يبيّن أن الهيمنة المطلقة لا تدوم، وأن الأنظمة التي ترفض الإصلاح تُجبر عليه بفعل تناقضاتها الداخلية. إن استعادة التوازن الدولي تتطلب إعادة تعريف دور الأمم المتحدة، وتحرير مؤسسات العدالة الدولية من نفوذ القوى الكبرى، وبناء نظام عالمي يقوم على الشراكة لا الإخضاع، وعلى العدالة غير الانتقائية.

يمكن القول إن العالم يقف أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يُعاد بناء النظام الدولي على أسس أخلاقية وقانونية عادلة، تحترم سيادة الدول وكرامة الشعوب، أو يستمر الانزلاق نحو عالم تحكمه القوة المجردة، حيث تُدار الدول كما تُدار المصالح. وفي كلتا الحالتين، يبقى الثابت أن العدالة المؤجلة لا تموت، بل تعود يومًا ما بصورة أكثر حدة، وأن تجاهلها اليوم هو استدعاء لأزمات الغد.

مساحة إعلانية