رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، تتجلى في تصاعد النزاعات الداخلية، وانتشار العنف المنظم، وتآكل مفهوم السيادة الوطنية، خاصة في الدول الضعيفة أو النامية. هذه التحولات لا يمكن فهمها بمعزل عن هيمنة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت تؤدي دورًا مركزيًا في توجيه مسار العلاقات الدولية، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال أدوات سياسية واقتصادية وقانونية وإعلامية أكثر تعقيدًا وعمقًا.
لم تعد الحروب في صورتها التقليدية هي الأداة الرئيسية لإخضاع الدول، بل استُبدلت بما يمكن تسميته “الهيمنة غير المباشرة”، حيث يتم تفكيك الدول من الداخل عبر إذكاء الانقسامات العرقية والطائفية، وفرض نماذج سياسية واقتصادية لا تنسجم مع البنية الاجتماعية والثقافية لتلك المجتمعات. في هذا السياق، تصبح الدولة ساحة صراع مفتوحة، لا طرفًا فاعلًا مستقلًا، ويُعاد تعريف الاستقرار بوصفه قدرة على السيطرة لا على تحقيق العدالة.
أحد أخطر مظاهر هذا الواقع يتمثل في سابقة اعتقال أو محاكمة رؤساء وحكام دول خارج حدودهم الوطنية. فهذه الممارسات لا تمس الأفراد بقدر ما تضرب مبدأ السيادة ذاته، وتحوّل القانون الدولي من إطار ضابط للعلاقات بين الدول إلى أداة انتقائية تُستخدم وفق ميزان القوة. وبهذا، تُرسل رسالة واضحة مفادها أن الشرعية لم تعد نابعة من إرادة الشعوب أو من القوانين الدولية، بل من رضا القوى المهيمنة.
تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إعادة صياغة المفاهيم السياسية والأخلاقية على المستوى العالمي. فهي التي تحدد من هو “الدولة المارقة”، ومن هو “الحليف الإستراتيجي”، ومتى يكون التدخل العسكري “إنسانيًا”، ومتى يُعد الدفاع عن السيادة “تهديدًا للأمن الدولي”. هذا التلاعب بالمفاهيم يُنتج نظامًا عالميًا أحادي القرار، متعدد الأزمات، حيث تُدار الصراعات بدل حلها، وتُؤجَّل العدالة بدل تحقيقها.
أما الأمم المتحدة، التي أُنشئت أساسًا لحفظ السلم والأمن الدوليين، فقد وجدت نفسها مقيدة ببنية مؤسسية تعكس توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا واقع العالم الراهن. إن هيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن، عبر حق النقض، أفقدت المنظمة قدرتها على أداء دورها كوسيط محايد، وحوّلتها في كثير من الأحيان إلى شاهد صامت أو مُشرع غير مباشر لسياسات الهيمنة. هذا القصور البنيوي أسهم في تراجع الثقة الشعبية والدولية بالمنظومة الأممية.
الأثر الأعمق لهذه الهيمنة لا يظهر فقط في الخراب المادي أو عدد الضحايا، بل في تشويه الوعي الجمعي للشعوب. فعندما يُطبَّق القانون الدولي بانتقائية، وتُجزَّأ العدالة وفق الانتماء السياسي، تنشأ أجيال فاقدة للثقة في النظام الدولي، بل وفي فكرة الدولة ذاتها. وهنا تتجلى أخطر أشكال الفوضى: فوضى القيم والمعايير، التي تمهّد الطريق للتطرف والعنف والانغلاق.
إذا استمر هذا المسار، فإن النظام الدولي مرشح لمستقبل بالغ التعقيد. فمن جهة، ستزداد هشاشة الدول الصغرى، وستُدفع نحو صراعات داخلية تُدار عن بُعد. ومن جهة أخرى، قد تظهر تحالفات دولية جديدة لا تقوم على القيم المشتركة، بل على الرفض الجماعي للنظام القائم، ما يفتح المجال أمام صراعات أوسع وأقل قابلية للضبط.
ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يبيّن أن الهيمنة المطلقة لا تدوم، وأن الأنظمة التي ترفض الإصلاح تُجبر عليه بفعل تناقضاتها الداخلية. إن استعادة التوازن الدولي تتطلب إعادة تعريف دور الأمم المتحدة، وتحرير مؤسسات العدالة الدولية من نفوذ القوى الكبرى، وبناء نظام عالمي يقوم على الشراكة لا الإخضاع، وعلى العدالة غير الانتقائية.
يمكن القول إن العالم يقف أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يُعاد بناء النظام الدولي على أسس أخلاقية وقانونية عادلة، تحترم سيادة الدول وكرامة الشعوب، أو يستمر الانزلاق نحو عالم تحكمه القوة المجردة، حيث تُدار الدول كما تُدار المصالح. وفي كلتا الحالتين، يبقى الثابت أن العدالة المؤجلة لا تموت، بل تعود يومًا ما بصورة أكثر حدة، وأن تجاهلها اليوم هو استدعاء لأزمات الغد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
957
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
735
| 04 فبراير 2026