رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

258

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

فخ البقاء على قيد الحياة

01 فبراير 2026 , 01:01ص

أنت لست فاشلاً، أنت "مُدار": خوارزمية "تحسين الأجور" لطالما تربينا على معادلة اقتصادية بسيطة ومريحة للأعصاب: "اعمل بجد، ستحصل على راتب جيد، وستعيش حياة كريمة". كانت هذه الفرضية هي العمود الفقري لما يُسمى بالطبقة الوسطى المزدهرة؛ تلك الطبقة التي تمتلك فائضاً من الدخل يسمح لها بشراء المنازل، السيارات، ودعم عجلة الاقتصاد ككل. كان فوز العامل يعني فوز المؤسسة او الشركة. ولكن، يبدو أن تلك الأيام قد ولت، وحل محلها واقع "ديستوبي" جديد أي المدينة الفاسدة! وهو دقيق رياضياً، وقاسٍ إنسانيًا في عالم العولمة الذي نعيشه.

ما كشفه هذا العصر الذي انتشرت فيها هذه الظاهرة منذ بداية القرن المضي، يزيح الستار عن حقيقة مرعبة تدور في أروقة مجالس إدارات الشركات الكبرى التي تدير عجلة الاقتصاد في العالم. لم يعد الأمر يتعلق بالازدهار المشترك، بل تحول إلى ما يُطلق عليه مصطلح تقني بارد “تحسين الأجور". وهو مصطلح مهذب لاستراتيجية وحشية تهدف إلى تحديد الحد الأدنى الدقيق الذي يمكن دفعه للموظف ليبقى على قيد الحياة، دون أن يمتلك القدرة أبداً على الهروب والاستقلالية المالية منه! 

الأمر ليس عشوائياً، ولا هو سوء طالع يلاحقك في مسيرتك المهنية. إنها "دقة رياضية". لقد أجرت الشركات العابرة للقارات حساباتها وأدركت الحقيقة التالية: إذا دفعت لك القليل جداً، ستنهار وتستقيل. وإذا دفعت لك الكثير، ستشعر بالأمان، وتدخر، وربما تستثمر، مما يمنحك القوة لتقول "لا"، أو لتنافس، أو لتستقيل وتؤسس عملك الخاص. وهي قد عادت المؤسسات في منطقتنا كذلك! لذا، يكمن الحل في المنطقة الرمادية القاتلة: "منطقة التوتر".

الهدف هو إبقاؤك في حالة دائمة من الاعتمادية. راتب يكفي بالكاد لدفع الإيجار، لكنه لا يكفي لامتلاك منزل. يكفي لشراء الطعام، لكنه لا يسمح بالاستثمار. يكفي لضمان حضورك للعمل في اليوم التالي، لكنه لا يكفي لتشعر بالحرية في المغادرة. إنها هندسة مالية تهدف لجعلك تعيش "من راتب إلى راتب"، حيث تفصلك كارثة طارئة واحدة فقط عن الانهيار المالي التام.

في نظر الرأسمالية الحديثة – كما يتصورها منشؤها – أنت لست إنساناً لك أحلام وطموحات؛ أنت "مورد" كما تحفظت في مقال سابق على مصطلح الموارد البشرية. والهدف من أي مورد هو استخراج أقصى قيمة ممكنة منه بأقل تكلفة ممكنة. الراحة تولد الاستقلال، والاستقلال هو عدو الشركات التي تحتاج إلى تروس مطيعة في آلاتها العملاقة.

إن الشعور بالإرهاق المستمر، والقلق من الفواتير، والإحساس بأنك تركض في مكانك رغم كل جهودك، ليس دليلاً على فشلك الشخصي. هذه هي النقطة الأكثر أهمية التي يجب أن ندركها. النظام مصمم ليعمل بهذه الطريقة. أنت لا تفشل في إدارة حياتك؛ بل يتم "إدارتك" ببراعة لتبقى في هذا المربع بالتحديد أو بصيغة أخرى القفص الذهبي.

إن الخطوة الأولى للتحرر من هذا الفخ ليست بالضرورة العمل بجدية أكبر داخل نفس النظام الذي صمم لاستنزافك، بل في الوعي بأن اللعبة قد تغيرت قواعدها. عندما تدرك أن "تحسين الأجور" هو سقف زجاجي وضع عمداً فوق رأسك، تتغير نظرتك للأمور.

في الختام، قد تكون الحقيقة مؤلمة: إن المؤسسات والشركات الكبرى في هذا العالم لا تراك كشريك في النجاح، بل كبند تكلفة يجب ضبطه عند حافة الانهيار ولا يتجاوزها. لذا، حين تشعر بالضيق المالي رغم كدحك، تذكر: أنت لست فاشلاً، أنت فقط تخضع لعملية "إدارة" دقيقة. إن كسر خوارزمية "تحسين الأجور" والتحرر من التبعية الوظيفية ليس مجرد طوق نجاة فردي، بل هو ركيزة أساسية في بناء مستقبلنا الوطني. هنا في قطر، نحن نعيش في ظل اقتصاد متسارع النمو يسعى حثيثاً نحو التنويع بعيداً عن الاعتماد الكلي على الموارد التقليدية. إن رؤية قطر الوطنية 2030 لا تُبنى بسواعد الموظفين المكتفين بالحد الأدنى من البقاء فحسب، بل تُبنى بعقول المبتكرين وجرأة رواد الأعمال.

الدولة اليوم توفر بيئة خصبة وحاضنات أعمال غير مسبوقة لتشجيع القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة. الانتقال من عقلية "البحث عن وظيفة آمنة" إلى عقلية "خلق الفرص والتجارة" هو ما سيصنع الفارق الحقيقي. إن اقتصادنا المحلي بحاجة إلى منتجين، ومصنعين، ومبتكرين يضيفون قيمة حقيقية للناتج المحلي، لا مجرد أرقام في كشوف رواتب الشركات العالمية. لا تكتفِ بأن تكون "مورداً" يُدار؛ بل كن أنت صانع القرار، والمحرك لعجلة التنمية التي نطمح إليها جميعاً.

مساحة إعلانية