رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حَسناً فَعلَ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حين اتفق منذ أيام، في العاصمة الفرنسية، مع هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي على "مسودة خارطة طريق للحل السياسي تشمل وثيقة المبادئ الأساسية للتسوية السياسية في سوريا، انطلاقا من الوثائق السياسية الموجودة لدى الطرفين".
حسب البيان الرسمي الصادر عن الائتلاف، "تنص مسودة الوثيقة على أن مرجعية العملية السياسية هي: بيان مجموعة العمل من أجل سوريا في 30 يونيو 2012 المعروفة ببيان جنيف بكافة بنودها، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ولاسيَّما قرارات مجلس الأمن (2042 - 2043 - 2059) الصادرة في 2012، والقرار 2118 الصادر في 2013. وتنص الوثيقة أيضاً على أن الهدف الأساسي للمفاوضات مع النظام هو قيام نظام مدني ديمقراطي أساسه التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية وضمان حقوق وواجبات جميع السوريين على أساس المواطنة المتساوية، وأن التوافق الإقليمي والدولي ضرورة أساسية لنجاح العملية التفاوضية".
ويبدو واضحاً أن العملية تُعبر عن نقلةٍ في الفكر السياسي للائتلاف، نجحت معها القيادة الحالية في (سَحب) مختلف الأطراف والمكونات إلى هذا الموقع الجديد، وإلى تجاوز عقلية الاستقطاب و(المُقَاطعة) التي كانت سائدةً إلى العام الماضي في مثل هذه الأيام تحديداً، والتي عبَّرت عن نفسها في أحداث وقرارات نأمل أن تكون قد صارت من التاريخ.
هل ضاع عامٌ أو أكثر على الائتلاف؟ وبالتالي على الثورة السورية؟ بسبب الطريقة السابقة في فهم الوضع السياسي والميداني السوري والإقليمي والدولي، وما ترتب على ذلك الفهم من ممارسات؟ ثمة تحليلٌ يقول إن التوافق المبكر داخل الائتلاف من ناحية، والاتفاق مع هيئة التنسيق من ناحية أخرى، كان يمكن أن يُعطي الثورة زخماً كبيراً، سياسياً وعسكرياً، لو أن مثل هذا التوافق والاتفاق حصلا خلال العام الذي تلا تشكيل الائتلاف. وذلك بناءً على الزخم الدولي الذي كان متوفراً في ذلك الوقت. هذا فضلاً عن غياب (داعش) عن الساحة في تلك الفترة، وبالتالي قلة إمكانات التشويش على الثورة بمفهوم (الإرهاب) وملابساته التي ساعدت النظام السوري فعلاً على إحداث التشويش المذكور بعد ذلك.
لا يوجد دليلٌ واضحٌ على صحة هذا التحليل من واقع استقراء حقيقة المواقف الدولية من الثورة السورية. من المؤكد أن الانقسامات الحادة داخل الائتلاف استُخدمت، بمهارةٍ شديدة، للوصول إلى نتيجةٍ، يندرُ الحديث الصريحُ فيها، وتتمثل في القول بعدم وجود بديلٍ حقيقي لنظام الأسد، الأمر الذي أدى إلى الزهد اللاحق في الائتلاف ودوره. لكن نظرةً أكثر شمولاً لما آل إليه الوضع الإقليمي بعد انفجار الثورات العربية يُظهر أن النظام الدولي كان مشغولاً باستيعاب (الصدمة) التي سببها ذلك الانفجار، أكثر بكثير من انشغاله بإنصاف الشعب السوري أو نُصرة ثورته. ورغم (الحرج) الذي كان يمكن أن يُصيب منظومة أصدقاء سوريا مثلاً لو أن الائتلاف استوعب انقساماته واتفق مع هيئة التنسيق بسرعة، إلا أن السياسات الدولية لا تعمل أبداً وفق مشاعر الحرج والحياء. ففي ظل فكرٍ سياسي دولي سائدٍ لا يبالي، عندما يريد، بأي اعتبارات أخلاقية أو مبدئية، كان بالإمكان دوماً إيجاد أسباب وأعذار للمراوغة في دعم الثورة السورية.
وحين قال الرئيس الجديد للائتلاف مؤخراً في لقاءٍ تلفزيوني، حين سُئل عن الخلافات المستمرة داخله، إن الخلاف الحقيقي كان بين الدول الداعمة، فإنه كان يعترف من واقع اطلاعه الوثيق على الأمور، بصراحةٍ وواقعية، بأمرين: الأول، أن الغالبية العظمى من الداعمين كانوا مختلفين جداً على كيفية تحقيق مصالحهم وترتيب أوراقهم من خلال الأحداث في سوريا، وأن هذا الاختلاف كان يشلّ أي محاولةٍ لتقديم دعمٍ حقيقي وفعال للثورة السورية. والثاني أن الأطراف الرئيسية في الائتلاف كانت فعلاً عاجزةً عن اتخاذ قرارات مستقلة، لا يمكن تحقيق توافقٍ في معزلٍ عن امتلاك القدرة عليها.
والواضح أن التعامل مع التطورات بمثل تلك الدرجة من الصراحة والواقعية هو الأمر الوحيد الذي، ربما، يسمح للائتلاف بامتلاك أوراق تجعله على الأقل أحد اللاعبين المُعتبَرين في العملية السياسية المتعلقة بحاضر سوريا ومستقبلها، خاصة أن الجميع بات يُدرك، فيما يبدو حتى الآن على الأقل، حقيقة (الأوهام) التي حاولت أطراف مختلفة بيعها لمكونات الائتلاف الرئيسية، خاصةً فيما يتعلق بالسيطرة على القوى العسكرية على الأرض. وهو ما أكَّدَ، يومها، عقلية الاستقطاب الحدي، وما نتج عنها من روح (الشعاراتية) وممارسات التحدي والمفاصلة الكاملة بين (نحن الوطنيين) و(الآخرين الخونة)، ومحاولات الكَسر والاستحواذ والإقصاء، وكل ما يمتﱡ إليها بِصِلة.
هنا تبدو النقلة واضحةً من قراءة تاريخ لا يمكن محو صفحاته التي سَجلت تصريحات ومواقف وقرارات كانت تندرج تحت تلك الطريقة في التفكير. ومقارنتُها بالتصريحات والمواقف والقرارات الصادرة مؤخراً، وأحياناً من نفس الشخصيات، تُظهر ملامح النقلة التي نتحدث عنها، والتي كان الاتفاق الأخير مع هيئة التنسيق من دلالاتها الكبيرة الأخيرة.
والذي يمتلك حداً أدنى من الشعور بالمسؤولية تجاه الموقع الذي اختار التصدي له لا يجد فيما جرى، بالضرورة، عيباً أو مثلبة. طالما كان التغيير في الموقف والخطاب نابعاً من وعيٍ مُتجدد ومتطور بحقيقة الوضع السوري المعقد وملابساته، وبالوسائل المناسبة للتعامل معه، وبعيداً عن كونه مجرد (تكتيكٍ) مرحلي آخر يمثل نوعاً من الانحناء المؤقت للعاصفة.
من هنا، يُصبح مُلحاً عدمُ الالتفات إلى الاتهامات التي يُوجهها للائتلاف، بعد الاتفاق مع هيئة التنسيق، مَن لا يزال يعيش مرحلة (الشعاراتية)، وعدم الوقوف عند عمليات التشكيك والتخوين التي صارت هوايةً لدى بعض السوريين. فالقيادة تعني القدرة على أخذ القرارات الحساسة التي تحقق مصالح الناس. لاسيما وأن الائتلاف أوضح موقفه من وجود الأسد ونظامه في بيان علني، فضلاً عن أن وثيقة المبادئ التي تم تبنيها تؤكد أن "غاية العملية السياسية هي تغيير النظام السياسي الحالي بشكل جذري وشامل، بما في ذلك رأس النظام ورموزه وأجهزته الأمنية، وقيام نظام مدني ديمقراطي أساسه التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية". وهذه كلها معطياتٌ ينبغي أن تؤكدها، وتأخذها الهيئة العامة للائتلاف بعين الاعتبار، عند اتخاذ القرار النهائي.
لا نعرف، ولا يعرف أحد، إن كان لا يزال للائتلاف دورٌ حقيقي يمكن أن يؤديه في مستقبل سوريا نظراً للتطورات الإقليمية والعالمية المتسارعة، ولطبيعة النظام الإقليمي الجديد الذي سيتشكل في المرحلة القادمة. لكن المؤكد أن أي دورٍ ممكن له لن يتحقق إلا عبر درجةٍ عالية من التوافق والواقعية السياسية، واتفاق باريس خطوةٌ هامةٌ في هذا المسار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2913
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026