رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبدالعزيز الدوري

مؤرخ ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

507

د. قيس عبدالعزيز الدوري

إسهامات إسلامية غيرت وجه الحضارة

01 مارس 2026 , 05:30ص

لم تكن الحضارة العربية الإسلامية مجرد حلقة وصلٍ بين علوم الأمم القديمة والنهضة الأوروبية، كما يُصوَّر أحيانًا، بل كانت حضارةً مُنتِجة للعلم، ومؤسِّسة للمنهج، وصانعة للاختراع. فقد شهدت العواصم العلمية في مصر القاهرة وبغداد ودمشق وقرطبة نهضة معرفية كبرى، أسهم فيها علماء ومخترعون عرب ومسلمون بوضع أسس علوم ما زال العالم الحديث قائمًا عليها.

الطب: العلم في خدمة الإنسان

في ميدان الطب، قدّم العلماء المسلمون نموذجًا متقدمًا للبحث العلمي القائم على الملاحظة والتجربة. ويبرز هنا اسم ابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى، مخالفًا آراء جالينوس السائدة، قبل أن يُعاد اكتشافها في أوروبا بقرون.

كما اشتهر الرازي بتفريقه الدقيق بين الجدري والحصبة، واستخدامه الكحول في التعقيم الطبي، فضلًا عن تأليفه موسوعة الحاوي في الطب. أما ابن سينا فقد ظل كتابه القانون في الطب المرجع الأساسي لتدريس الطب في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر.

الرياضيات: تأسيس الجبر وبدايات الخوارزميات

في الرياضيات، شكّل الخوارزمي منعطفًا حاسمًا في تاريخ العلم؛ إذ أسس علم الجبر بوصفه علمًا مستقلًا، وأدخل الأرقام العربية إلى العالم، ومن اسمه اشتُق مصطلح Algorithm، الذي تقوم عليه علوم الحاسوب الحديثة. وقد ارتبطت أعماله بالحياة العملية، من تجارة ومساحة وفلك، لا بالتجريد النظري فقط.

الفيزياء والبصريات: ترسيخ المنهج التجريبي

أحدث ابن الهيثم ثورة علمية حين أسّس علم البصريات الحديث، وأثبت أن الرؤية تتم بدخول الضوء إلى العين، ووضع أسس المنهج التجريبي القائم على الفرضية والاختبار والتحقق، وهو المنهج الذي يُعد اليوم حجر الأساس في البحث العلمي المعاصر.

الكيمياء: من الخيمياء إلى العلم

يُعد جابر بن حيان المؤسس الحقيقي للكيمياء التجريبية؛ إذ اخترع الإنبيق، وطوّر عمليات التقطير والتبلور والترشيح، وحضّر الأحماض المعدنية، واضعًا اللبنات الأولى للمختبر الكيميائي الحديث.

الهندسة والميكانيك: سبقٌ تقني مبكر

في مجال الهندسة، يبرز الجزري الذي صمّم الساعات المائية والميكانيكية، وابتكر أنظمة دقيقة لضخ المياه، واستعمل عمود المرفق المستخدم اليوم في محركات السيارات، فضلًا عن آلات ذاتية الحركة تُعد بدايات مبكرة لعلم الروبوتات.

الفلك والجغرافيا: فهم الأرض والكون

في الفلك، توصّل البيروني إلى قياس محيط الأرض بدقة لافتة، ودرس حركة الكواكب بأسلوب علمي رصين. 

أما الإدريسي فقد قدّم أدق خريطة للعالم في العصور الوسطى، وأسهم في تطور علم الجغرافيا والخرائط.

وفي الختام أقول:

 إن إسهامات المخترعين العرب والمسلمين لم تكن هامشية في تاريخ العلم، بل شكّلت أساسًا بنيويًا للحضارة الحديثة. فقد قدّموا للعالم المنهج العلمي، وربطوا المعرفة بالأخلاق، وجعلوا العلم رسالةً لخدمة الإنسان. وإن استعادة هذا الوعي اليوم ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية لإعادة الثقة بالعقل العربي والإسلامي، وبناء مستقبل يقوم على الإبداع والمعرفة لا على التبعية والاستهلاك. وياحبذا لو ان تاريخ العلوم تدرس بالجامعات حتى لو كانت كمادة اختيارية.

 

مساحة إعلانية