رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل السفر عبر الزمن مجرد أطروحة خيالية ألهمت أدباء الخيال العلمي، أم أنه حقيقة علمية مدعومة بالقوانين الفيزيائية؟ للتفريق بين الخيال والحقيقة، ينبغي تفكيك مفهوم السفر عبر الزمن إلى اتجاهين رئيسيين: السفر إلى المستقبل والسفر إلى الماضي؛ حيث يقدم العلم لكل منهما إجابة مختلفة تماماً. أولاً: السفر إلى المستقبل.. حقيقة علمية مثبتة على عكس ما يعتقده الكثيرون، فإن السفر إلى المستقبل ليس خيالاً محضاً، بل هو حقيقة فيزيائية مثبتة بفضل نظرية النسبية لألبرت أينشتاين. وتتلخص الأدلة العلمية على ذلك في نقطتين: 1. دليل تمدد الزمن عبر السرعة (Speed Time Dilation) تنص النسبية الخاصة على أن الزمن ليس بعداً ثابتاً، بل هو جزء من نسيج رباعي الأبعاد يُعرف بـ الزمكان. كلما زادت سرعة الجسم واقتربت من سرعة الضوء، يبدأ الزمن بالتباطؤ بالنسبة لهذا الجسم مقارنة بالمراقب الساكن. الدليل التطبيقي: أثبتت التجارب على الجسيمات الأولية (مثل الإلكترونات والبروتونات) أنها عند تسريعها لسرعات عالية تزداد كتلتها وتبطؤ أزمنتها بما يتطابق تماماً مع معادلات أينشتاين. كما أن رواد الفضاء يعيشون هذه الظاهرة بالفعل لعدة أجزاء من الثانية نتيجة سرعتهم وحركتهم الفضائية. 2. دليل تمدد الزمن عبر الجاذبية (Gravitational Time Dilation) تؤكد النسبية العامة أن الكتل الضخمة (كالنجوم والكواكب) تؤدي إلى "انحناء" الزمكان. هذا الانحناء ينعكس على انحراف مسار الضوء وتباطؤ سريان الزمن داخل مجالات الجاذبية القوية. الدليل التطبيقي: تم إثبات هذه الظاهرة تجريبياً منذ عام 1919 عند مراقبة انحناء ضوء النجوم أثناء كسوف الشمس. كما تستخدم الساعات الذرية فائقة الدقة لتعديل الفوارق الزمنية الصغيرة الناتجة عن الجاذبية للأقمار الصناعية ورواد الفضاء بشكل روتيني. ثانياً: السفر إلى الماضي.. فرضية محاطة بالتحديات والمفارقات إذا كان السفر للمستقبل ممكناً من الناحية الفيزيائية النظرية، فهل يمكن العودة بالزمن إلى الوراء؟ هنا ينقسم العلماء بين من يراها فرضية نظرية مطروحة، وبين من يراها مستحيلة. 1. الأدلة النظرية المؤيدة للإمكانية (معادلات النسبية) جسور أينشتاين-روزين (الثقوب الدودية): تطرح حلول معادلات النسبية وجود ممرات نظرية قد تربط بين نقطتين زمانيتين أو مكانيتين مختلفتين. الثقوب السوداء الدوارة: اقترح العالم "روي كير" عام 1963 حلولاً رياضية تبين أن الدخول إلى ثقب أسود دوار قد يسمح بتجنب نقطة الانسحاق المركزي (التفردية) والخروج في منطقة زمكانية أخرى في الماضي أو في كون آخر. 2. الأدلة والأطروحات المانعة (المفارقات والحدس الفيزيائي) مفارقة الجد (Grandfather Paradox): يرى الفريق المعارض أن السفر للماضي يخلق تناقضات منطقية غير قابلة للحل؛ فلو عاد مسافر للماضي وغير حدثاً تسبب في عدم ولادته، فكيف تسنى له السفر أساساً؟ حدسية حماية التتابع الزمني: يرى العالم ستيفن هوكينغ أن قوانين الفيزياء تمنع السفر عبر الزمن للماضي على المستوى الماكروسكوبي (الأجسام الكبيرة) لحماية التتابع الزمني للأحداث واستقرار الكون. تأويل المسارات المتوازية: يقترح بعض الفيزيائيين أن العودة للماضي - إن حدثت - لن تغير الماضي الأصلي، بل ستنشئ مساراً زمنياً موازياً ومستقلاً لتفادي التناقضات المنطقية. وأخيراً السفر للمستقبل: حقيقة علمية مثبتة ومقاسة فيزياءً عبر تمدد الزمن، ولكن تطبيقها على الإنسان لسنوات طويلة يتطلب تكنولوجيا سرعات لم نصل إليها بعد. السفر للماضي: خيال علمي حتى الآن، ويبقى فرضية نظرية محاطة بشرط الوصول إلى "نظرية موحدة للكم والجاذبية" لفهم ما يجري فعلياً داخل نسيج الزمكان الثقيل.
468
| 01 سبتمبر 2026
لماذا شبَّه الله الدنيا بالماء؟ من أروع الأمثال التي ضربها القرآن للدنيا قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾. تأملت هذه الآية، فوجدت أن تشبيه الدنيا بالماء ليس تشبيهًا عابرًا، بل وراءه معانٍ تهز القلب وتدعو الإنسان إلى مراجعة نفسه. ومن باب الأمانة العلمية والأخلاقية، أود الإشارة إلى أن الفكرة الأساسية والتفسير المختصر لهذه الآية الكريمة قد وصلاني عبر تطبيق الواتساب من موقع صديق عزيز، فقمتُ بالإضافة إليها وتعميق تأملاتها، وأعدتُ صياغتها وبناءها في هذا المقال التوعوي لعموم الفائدة. هل تساءلت يوماً لماذا اختار الله سبحانه وتعالى «الماء» تحديداً ليضرب به مثل الحياة الدنيا؟ قد يظن القارئ للوهلة الأولى أنه تشبيه يصف فقط المنعطف السريع بين نمو النبات وجفافه، لكن عند الإبحار في بلاغة التشبيه الإلهي، نكتشف أسراراً ودقائق تدعو كل ذي لب لمراجعة حسابه مع هذه الحياة. أول ما يلفت النظر أن الماء لا تستطيع أن تمسكه بين يديك طويلًا، فمهما أطبقت عليه أصابعك تسلل منها. وكذلك الدنيا، قد تجمع منها ما تشاء، لكنك في النهاية ستترك كل شيء خلفك، ولن تأخذ معك إلا عملك الصالح. ثم انظر إلى الماء.. لا يبقى على حال؛ مرة سائلًا، ومرة بخارًا، ومرة جليدًا. وكذلك الدنيا، يومٌ تفرح فيه، ويومٌ تحزن، يومٌ صحة يعقبها مرض، وغنى قد يتبعه فقر. فلا تغتر بحال تعيشه، فإن دوام الحال من المحال. ومن أجمل المعاني أن الماء سبب للحياة إذا استُعمل باعتدال، لكنه قد يكون سببًا للهلاك إذا غرق الإنسان فيه. وكذلك الدنيا؛ من جعلها وسيلةً تعينه على طاعة الله سعد بها، ومن جعلها أكبر همه، أغرقته في الهموم والشهوات. ولهذا قال بعض السلف كلامًا بليغًا: السفينة لا يضرها أن تكون في الماء، وإنما تغرق إذا دخل الماء إليها! وكذلك المؤمن، لا يضره أن يعيش في الدنيا، وإنما الخطر أن تسكن الدنيا قلبه وتصبح أكبر همه. وتأمل أيضًا صفحة الماء الصافية، ترى فيها صورتك منعكسة، لكنها ليست الحقيقة التي تستطيع الإمساك بها. وكذلك الدنيا، قد تزين للإنسان ما يشتهي، حتى يظن أن السعادة كلها فيها، ثم يكتشف بعد حين أن كل ذلك كان سريع الزوال. ثم ختم الله المثل بمشهد يهز القلوب؛ ماء ينزل، ونبات يزدهر، وأرض تكتسي بالخضرة، ثم لا يلبث كل ذلك أن يذبل ويصبح هشيمًا تذروه الرياح! هكذا هي الدنيا. تزهر قليلًا، ثم ترحل سريعًا. فلا تجعل قلبك متعلقًا بما سيرحل، واجعل تعلقك بمن لا يزول، واعمل لدارٍ لا موت فيها ولا فراق: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. اللهم نصرك الذي وعدت. اللهم صلِّ على سيدنا محمد عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك.
474
| 23 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء وهو يحاول أن يفك أسرار هذا الكون المدهش الذي يحيط به من كل جانب. كيف نشأت السماوات والأرض؟ ولماذا تتحرك الأجرام بهذا الانتظام؟ وكيف استطاعت المادة أن تنتظم في منظومات بالغة التعقيد؟ وهل وراء هذا الوجود لغة خفية تكتب بها الطبيعة قوانينها؟ أم أن الإنسان هو الذي ابتكر اللغة ثم استخدمها لوصف ما يراه؟ هذه الأسئلة تبدو قديمة، لكنها في عصر العلم الحديث أصبحت أكثر إثارة، لأن الإنسان اكتشف أن الكون ليس فوضى عشوائية، بل يقوم على أنظمة وعلاقات وقوانين يستطيع العقل اكتشاف جانب منها. ومن هنا يظهر السؤال الكبير: ما اللغة الحقيقية للكون؟ لقد أصبحت الرياضيات إحدى أهم الأدوات التي استخدمها الإنسان لفهم انتظام الطبيعة. فحركة الكواكب يمكن وصفها بالمعادلات، والضوء والطاقة والمادة يمكن التعبير عن كثير من علاقاتها بالأرقام، والقوانين الفيزيائية تكشف قدرًا مذهلًا من الانسجام في العالم من حولنا. وكأن الكون لا يتحدث العربية أو الإنجليزية أو غيرهما من لغات البشر، لكنه يسمح للعقل بأن يكتشف نظامًا يمكن ترجمته إلى أرقام وقوانين. ولهذا يمكن القول إن الرياضيات إحدى أهم لغات الإنسان في قراءة الكون، دون أن يعني ذلك أنها بالضرورة «لغة الكون» بالمعنى الحرفي. لكن السؤال يصبح أكثر عمقًا عندما ننتقل من العلم إلى الفلسفة ثم إلى القرآن الكريم. فإذا كانت الرياضيات تساعدنا على فهم كيفية عمل الكون، فهل يقدم القرآن لنا طريقة لفهم دلالته ومعناه؟ هنا يلفت النظر أن القرآن لا يعرض الكون باعتباره مادة صامتة بلا دلالة، وإنما يصفه بلغة «الآيات». يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾. والآية ليست مجرد شيء موجود، وإنما علامة تقود إلى معنى. ومن هنا يصبح الكون في الرؤية القرآنية مجالًا للنظر والتفكر وليس مجرد مادة للمشاهدة. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية في رأيي ليس: هل يحتوي القرآن على معادلات الفيزياء الحديثة؟ فهذا قد يقود إلى تأويلات متعجلة أو إلى تحميل النص ما لا يحتمل، وإنما السؤال الأعمق هو: هل يعلّمنا القرآن كيف ننظر إلى الكون؟ وهنا نجد دعوات متكررة إلى النظر والتفكر والتدبر في الآفاق والأنفس والخلق. يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وكأن الإنسان أمام كتابين مفتوحين للقراءة: كتاب الكون وكتاب النفس. ومن هنا يمكن أن نرى العلاقة بين القرآن والعلم من زاوية أكثر اتزانًا. فالقرآن ليس كتاب فيزياء أو فلك بالمعنى الاصطلاحي، والعلم ليس كتابًا في العقيدة أو الغاية النهائية للوجود. لكل مجال منهجه وأدواته وأسئلته، لكن القرآن يدفع العقل إلى النظر في الكون، والعلم يكشف لنا شيئًا من روعة النظام الذي يحكمه. وعندما يلتقي السؤال العلمي بالسؤال الفلسفي والسؤال الإيماني تتشكل مساحة معرفية أوسع من أن تختزل في تخصص واحد. إن الكون الذي ندرسه يقوم على مقادير وعلاقات وانتظامات، والإنسان لا يستطيع اكتشاف كثير من قوانينه إلا بالقياس والحساب والمقارنة. وهنا تصبح الرياضيات وسيلة لقراءة جانب من النظام الكوني، بينما يبقى سؤال المعنى والغاية أوسع من الرقم والمعادلة. ولذلك ربما لا تكون للكون لغة واحدة، بل مستويات متعددة من القراءة؛ فالرياضيات تصف العلاقات، والفيزياء تكشف القوانين، والمعلومات تكشف الأنماط، والعقل يربط بين النتائج، بينما يفتح الوحي أمام الإنسان أفقًا للتأمل في معنى وجوده ومسؤوليته في هذا الكون. لقد تعلم الإنسان أن يقرأ الحروف، ثم تعلم أن يقرأ الأرقام، ثم تعلم أن يقرأ النجوم والمادة والطاقة والمعلومات. وكل اكتشاف جديد لم يغلق باب الأسئلة، بل فتح أبوابًا أخرى. وربما كانت أعظم مفارقات المعرفة أن الإنسان كلما ازداد علمًا أدرك اتساع مساحة المجهول. ومن هنا أرى أن «اللغة التي سبقت الإنسان» قد لا تكون لغة كلمات أو رموز سرية، وإنما لغة النظام والقانون والعلاقة. والرياضيات إحدى أدوات اكتشافها، والعلم إحدى وسائل قراءتها، والقرآن دعوة إلى التأمل في آياتها ودلالاتها. فالكون لا يحتاج إلى أن يتحدث بصوت مسموع؛ انتظامه لغة، وقوانينه رسالة، وآياته دعوة إلى النظر، والإنسان هو القارئ الذي لم ينته بعد من قراءة الصفحة الأولى. وربما تكون مهمتنا الحقيقية ليست أن نبحث عن شفرة خفية للكون، بل أن نتعلم كيف نقرأ ما هو ظاهر أمامنا دون أن نفقد دهشة السؤال. فالعلم يعلمنا كيف نفهم، والفكر يعلمنا كيف نسأل، والوحي يفتح أمامنا أفق المعنى. وبين هذه المستويات الثلاثة يقف الإنسان باحثًا عن الحقيقة، محاولًا أن ينتقل من رؤية الكون إلى فهمه، ومن فهمه إلى الحكمة. وهنا تبدأ القصة الحقيقية للغة الكون: ليست لغة نتحدث بها إلى الكون، وإنما لغة نتعلم من خلالها كيف نصغي إليه.
288
| 20 أغسطس 2026
إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً لأنك كتبت ما عجز القلب عن قوله. هناك كلمات نقرأها ثم نمضي، وهناك كلمات تتوقف عندها الروح طويلاً، كأنها جاءت في موعدها تماماً، لتضع يدها على جرح قديم وتقول له: ما زلتَ مرئياً، وما زال هناك من يشعر بك. حين قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري «بغداد.. متى تعود بغداد؟» شعرت أن الكلمات لم تكن حروفاً مرصوفة على الورق، وإنما كانت بلسمًا نزل على جرحٍ حملته بغداد وأبناؤها طويلاً. فشكراً لك، أيها الأخ الكريم، من قلب عراقي يعرف معنى أن يُذكر العراق بالحب لا بالمزايدة، وبالوجدان لا بالشعارات، وبالأمل لا بالرثاء. لقد كتبت عن بغداد كما يكتب المحب عن محبوبته حين يراها تتألم، وكما يكتب المؤرخ حين يخشى على ذاكرة أمة، وكما يكتب الإنسان حين يشعر أن مدينة بحجم بغداد أكبر من أن تُختزل في خبر سياسي أو أزمة عابرة. أعجبتني شجاعتك حين قلت إنك كنت تخشى الاقتراب من ألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، ثم اخترت أن تدخل إلى بغداد من أبواب أخرى: التاريخ والأدب والشعر، وكان أوسعها باب الوجدان. تلك ليست طريقة كاتب فحسب، بل طريقة إنسان يعرف أن بعض المدن لا تُقرأ بالسياسة وحدها، وإنما تُقرأ بالروح. يا دكتور حمد، لقد ذكّرتنا بأن بغداد لم تكن عاصمة لدولة فحسب، بل كانت يوماً عاصمة للعلم والحضارة والعقل؛ مدينة بيت الحكمة والورّاقين والعلماء والشعراء، المدينة التي كان فيها الكتاب جسراً بين الحضارات. ولذلك كان وجعك عليها مفهوماً، وكان أملي فيها مشتركاً. لقد قلتَ في مقالك ما يختصر وجع العراق كله: إن بغداد لا يمكن أن تعود ما لم يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. وهذه ليست كلمات تخص العراقيين وحدهم، بل هي قاعدة من قواعد نهوض الأمم. لكنني، وأنا أقرأ مقالك، لم أكن أقرأ فقط عن بغداد. كنت أقرأ أيضاً عن قطر. عن بلدٍ صغير في الجغرافيا، كبير في الموقف، استطاع أن يجعل من الإنسان قيمة، ومن الكلمة جسراً، ومن الثقافة رسالة، ومن الدبلوماسية طريقاً للحوار، ومن احتضان الأشقاء موقفاً لا يُنسى. وهنا لا بد لي أن أقول كلمة حق في رجال قطر. شكراً لقطر، قيادةً وشعباً، ولكل رجل قطري أصيل يرى في العربي أخاً، وفي المثقف قيمة، وفي الإنسان كرامة، وفي الوقوف مع المظلوم شرفاً لا منّة فيه. إن رجالات قطر الذين عرفناهم لم يكونوا مجرد أصحاب مناصب؛ كثير منهم تركوا في نفوس الناس أثراً لا تصنعه المناصب. وفي مقدمتهم رجالٌ جعلوا من الرفق والحكمة والكرم والوفاء جزءاً من صورة قطر في وجدان العرب. وما أجمل أن تكون دولةٌ قادرة على أن تبني نهضتها، وفي الوقت نفسه تترك في قلوب الآخرين مكاناً للامتنان. لقد عرفت قطر كيف تبني الإنسان قبل الحجر، وكيف تجعل من الثقافة جسراً بين الشعوب، وكيف تحضر في القضايا العربية لا باعتبارها طرفاً يبحث عن مكسب، وإنما بوصفها دولة تؤمن بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بالحوار والتفاهم واحترام الإنسان. ولذلك حين يكتب رجل قطري بحجم الدكتور حمد الكواري عن بغداد بهذه اللغة، فإن العراقي لا يشعر أنه أمام كاتب يتحدث عن بلد بعيد؛ بل يشعر أن أخاً عربياً جلس إلى جواره، واستمع إلى وجعه، ثم قال له: لا تيأس. وهذه، في تقديري، أعظم قيمة في المقال. أن تجعل الإنسان يشعر بأنه ليس وحده. دكتور حمد… من بغداد الجريحة، ومن ذاكرة العراق التي ما زالت تحفظ لأهل الوفاء أسماءهم، أقول لك: شكراً. شكراً لأنك لم ترَ بغداد في أرقام الأخبار، بل رأيتها في دجلة، وفي الرشيد، وفي بيت الحكمة، وفي الشعر، وفي ذاكرة العرب. شكراً لأنك لم تكتب عن بغداد بلغة الشماتة، ولا بلغة اليأس، ولا بلغة المحاكمة، وإنما كتبت عنها بقلبٍ يريد لها أن تنهض. وشكراً لأنك تركت لنا في نهاية مقالك نافذةً مفتوحة على الصباح، حين قلت إن المدن العظيمة قد تمرض لكنها لا تموت. نعم… بغداد تمرض، لكنها لا تموت. والعراق يتعب، لكنه لا ينكسر. فهذا البلد الذي علّم العالم الكتابة، وبنى مدناً للعلم، وأخرج من رحمه العلماء والشعراء والقادة والمفكرين، لا يمكن أن تكون نهايته في دفتر المحن. سيأتي يوم تنظر فيه بغداد إلى دجلة، لا لتتذكر ما فقدته، بل لترى ما ستبنيه. وسيأتي يوم يصبح فيه العراقي عراقياً قبل كل تعريف آخر، ويصبح الوطن أوسع من الطائفة، والدولة أقوى من الفساد، والقرار عراقياً خالصاً. وحينها، ربما لن نحتاج إلى أن نسأل: متى تعود بغداد؟ لأن بغداد ستكون قد عادت بالفعل. وإذا كان لي أن أضيف كلمة أخيرة، فهي أن المقال لم يكن عن بغداد وحدها؛ كان عن الوفاء العربي. والوفاء لا يُقاس بطول الكلام، وإنما بأن تجد في زمنٍ كثرت فيه الخصومات قلباً لا يزال يتسع لأوجاع الآخرين. لذلك أقول للدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري: من عراقي يحب قطر، ويحمل لها في القلب محبةً صادقة، ومن بغداد التي لا تزال تنتظر صباحها… شكراً لك. لقد كتبتَ فأوجعتنا، ثم كتبتَ فأمّلتنا، ثم تركت في أرواحنا شيئاً يشبه اليقين. وسيظل أجمل ما يمكن أن نقوله في ختام هذا الوفاء: طاب قلمك، وطابت قطر برجالها، وطابت بغداد بأبنائها ومحبيها… وليكن الصباح القادم موعداً لعودة بغداد إلى بغداد.
678
| 16 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1134
| 06 أغسطس 2026
ثمة أشهر تمر في الذاكرة بوصفها مجرد محطات زمنية، وثمة أشهر تتحول إلى سجل حي لقضايا الإنسان الكبرى، ويأتي شهر يوليو (تموز) في طليعة هذه الأشهر. فالتقويم الدولي خلال هذا الشهر لا يقتصر على تعداد الأيام، بل يقدم خريطة متكاملة لأولويات العالم، ويكشف عن منظومة من القيم التي تسعى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى ترسيخها في ضمير البشرية. إن تخصيص أيام عالمية لقضايا بعينها لم يعد عملاً رمزياً أو احتفالياً، بل أصبح أداة من أدوات الدبلوماسية الإنسانية، ووسيلة لبناء الوعي الجمعي، وتحفيز الحكومات والمؤسسات والأفراد على مراجعة سياساتهم وسلوكهم تجاه القضايا التي تمس حاضر الإنسان ومستقبله. فلكل يوم عالمي رسالة، ولكل مناسبة قضية، ولكل قضية قصة تستحق أن تُروى وأن تتحول إلى سلوك وثقافة. ويستهل يوليو رسالته بالاحتفاء باليوم الدولي للتعاونيات، في تأكيد واضح على أن التنمية لا تُبنى بالمنافسة وحدها، وإنما بالتكافل والشراكة والمسؤولية المشتركة. لقد أثبتت التجارب أن التعاونيات ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل نموذج حضاري يعيد الاعتبار لقيمة الإنسان قبل رأس المال، ويمنح المجتمعات المحلية قدرة أكبر على مواجهة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة. ثم يأتي اليوم العالمي للغة السواحلية ليؤكد أن اللغات ليست وسائل للتخاطب فحسب، بل أوعية للذاكرة، ومستودعات للثقافة، وجسور للتفاهم بين الشعوب. فحين تمنح اليونسكو أول لغة أفريقية يوماً عالمياً، فإنها في الحقيقة تحتفي بالتنوع الثقافي، وتوجه رسالة مفادها أن الحضارات لا تُقاس بقوة السلاح، وإنما بثراء لغاتها وعمق تراثها. وفي الحادي عشر من يوليو يتوقف العالم عند اليوم العالمي للسكان، ليتأمل العلاقة الدقيقة بين النمو السكاني والتنمية والبيئة والعدالة الاجتماعية. فالإنسان ليس رقماً في الإحصاءات، وإنما هو محور التنمية وغايتها، وكل زيادة سكانية لا يصاحبها استثمار في التعليم والصحة والاقتصاد تتحول إلى تحدٍّ بدلاً من أن تكون فرصة. أما اليوم العالمي لمهارات الشباب، فيحمل رسالة أكثر إلحاحاً في عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالأمم التي لا تستثمر في عقول شبابها، ولا تزودهم بالمهارات الحديثة، إنما تؤجل مستقبلها وتفرط في أهم ثرواتها. ولم يعد التعليم التقليدي وحده كافياً، بل أصبح التعلم المستمر واكتساب المهارات التقنية والمهنية شرطاً أساسياً للمنافسة في عالم سريع التحول. وفي الثامن عشر من يوليو، يقف العالم احتراماً لإرث نيلسون مانديلا، الذي لم يكن رمزاً للتحرر السياسي فحسب، بل نموذجاً للقيم الإنسانية التي تنتصر على الكراهية والانتقام. ومن أروع ما يميز هذه المناسبة دعوة الأمم المتحدة كل إنسان إلى تخصيص سبع وستين دقيقة لخدمة مجتمعه، في رسالة تؤكد أن بناء الأوطان يبدأ من المبادرات الصغيرة، وأن العمل التطوعي هو الوجه العملي للمواطنة الصالحة. ويحمل العشرون من يوليو مفارقة جميلة تجمع بين اليوم العالمي للشطرنج واليوم الدولي للقمر؛ فالأول يحتفي بعقل الإنسان وقدرته على التخطيط والإبداع، والثاني يحتفي بقدرته على تجاوز حدود الأرض واستكشاف آفاق الكون. وبين رقعة الشطرنج وسطح القمر، تتجسد رحلة العقل البشري من التفكير إلى الإنجاز. وفي الخامس والعشرين من يوليو، يذكرنا اليوم العالمي للوقاية من الغرق بأن آلاف الأرواح يمكن إنقاذها عبر التوعية والتدريب ونشر ثقافة السلامة المائية. أما اليوم العالمي لالتهاب الكبد الوبائي في الثامن والعشرين من الشهر، فيعيد التأكيد على أن الوقاية والكشف المبكر والتطعيم ليست إجراءات صحية فحسب، بل استثمار في حياة الإنسان. ويختتم يوليو أيامه بمناسبتين تحملان بعداً أخلاقياً عميقاً؛ اليوم الدولي للصداقة الذي يؤكد أن السلام يبدأ بعلاقة إنسانية صادقة، واليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص الذي يذكر العالم بأن كرامة الإنسان ليست قابلة للبيع أو المساومة، وأن مكافحة هذه الجريمة مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود والقوميات. إن المتأمل في مناسبات يوليو يكتشف أن العالم لا يحتفل بالأيام لذاتها، بل يحتفي بالقيم التي تحملها. فكل مناسبة تمثل نافذة للتعليم، وفرصة للمراجعة، ومنصة لإطلاق المبادرات. وهنا يبرز الدور المحوري للجامعات، والمؤسسات البحثية، ووسائل الإعلام، والمراكز الثقافية، في تحويل هذه الأيام من أخبار موسمية إلى مشاريع توعوية مستدامة، تغرس في الأجيال ثقافة المسؤولية، وتعزز الانتماء الإنساني. ويوليو تاريخياً شهر الاحداث الجسام والثورات والانقلاب وهو شهر ولادتي فيه ولكن لقد أدركت الأمم المتقدمة أن صناعة المستقبل تبدأ بصناعة الوعي، وأن الوعي لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالتثقيف المستمر، وبربط الإنسان بالقضايا التي تمس حياته اليومية. ومن هنا، فإن شهر يوليو لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صفحة في التقويم، بل بوصفه وثيقة عالمية تذكّرنا بأن الإنسانية، رغم اختلاف لغاتها وأعراقها وثقافاتها، ما زالت قادرة على الاجتماع حول قيم واحدة: الكرامة، والعلم، والعدالة، والتعاون، والسلام. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا مع انقضاء هذا الشهر: هل تمر هذه الأيام علينا كتواريخ عابرة، أم نجعل منها منطلقاً لتغيير حقيقي في وعينا وسلوكنا ومؤسساتنا؟ فالحضارات لا تُقاس بعدد ما تحتفل به من مناسبات، بل بمدى قدرتها على تحويل تلك المناسبات إلى ثقافة راسخة، وسلوك يومي، ورسالة تبني الإنسان قبل العمران. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
513
| 30 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
1029
| 23 يوليو 2026
ليس كل رحيلٍ يُقاس بغياب الجسد، فهناك رجال إذا غابوا بقيت آثارهم تتحدث عنهم في كل شارع، وفي كل مؤسسة، وفي كل حلمٍ تحقق على أرض الوطن. هكذا كان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي لم يكن مجرد قائدٍ لدولة، بل كان مهندس مرحلة، وصانع نهضة، ورجلًا امتلك شجاعة القرار وبعد النظر. تلقيت نبأ رحيله وأنا أشعر أن جزءًا من ذاكرة النهضة العربية قد انطوى. وأعزي نفسي قبل أن أعزي الشعب القطري الكريم؛ لأن القدر لم يمنحني فرصة اللقاء به، رغم أنني حملت إليه سلامي أكثر من مرة عبر وسطاء كرام، وكان الوعد أن يجمعنا لقاء. كنت أحمل مشروعًا فكريًا لطالما تمنيت أن أهديه إليه، وهو كتاب يتناول تجربته القيادية من منظور علم العمران عند الإمام عبد الرحمن بن خلدون. لقد كنت أرى، وما زلت، أن تجربة الشيخ حمد بن خليفة تستحق أن تُدرس بوصفها واحدة من أهم التجارب السياسية العربية الحديثة. فمن خلال قراءتي لنظرية ابن خلدون في إعمار الدول، وجدت أن قطر في عهده لم تكتفِ بالاستمرار، بل استطاعت أن تجدد شباب الدولة، وأن تنتقل بها من مرحلة إلى مرحلة أكثر قوةً وحضورًا وتأثيرًا، حتى غدت نموذجًا عالميًا في التنمية، والتعليم، والاقتصاد، والدبلوماسية، والإعلام، والوساطة الدولية. لم يكن مشروعه قائمًا على بناء الحجر فحسب، بل على بناء الإنسان، وإطلاق طاقات المجتمع، وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، وصناعة مكانة دولية تجاوزت حدود الجغرافيا والإمكانات الطبيعية. واليوم، إذ يودع القطريون قائدًا أحبوه، فإن الأمة العربية تودع شخصية استثنائية تركت بصمة يصعب أن تمحى. فالرجال يُعرفون بما يتركونه من أثر، وأثر الشيخ حمد سيظل حاضرًا في كل منجزٍ تشهده قطر، وفي كل قصة نجاح ارتبطت باسمها خلال العقود الماضية. أما أنا، فأقف اليوم أمام هذا الرحيل وفي القلب غصة خاصة. ليس لأنني فقدت فرصة لقاء رجلٍ كنت أتطلع إلى محاورته فحسب، بل لأن حلمًا علميًا ظل يرافقني سنوات طويلة لم يكتمل كما تمنيت. كنت أرجو أن أضع بين يديه كتابًا يوثق تجربته، وأن أسمع منه ما يثري تلك الدراسة، لكن مشيئة الله سبقت كل أمنية. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وألهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الكريمة، والشعب القطري العزيز، جميل الصبر وحسن العزاء. ويبقى عزاؤنا أن الرجال العظام لا تنتهي رسالتهم بالموت، بل تبدأ مرحلة خلودهم في ذاكرة الأوطان، حيث تتحدث عنهم الإنجازات أكثر مما تتحدث الكلمات.
627
| 19 يوليو 2026
في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتنوع فيه مصادر المعرفة، يظل العقل البشري عرضة للتأثيرات الخارجية، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. وتأثر بعض الأشخاص بكلام الآخرين دون تدقيق أو تمحيص ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو سمة نفسية معقدة تتداخل فيها عوامل الإدراك، والبيئة، والنية. ويأتي تناولنا لهذا الملف في وقت تولي فيه المؤسسات التعليمية والثقافية في دولة قطر أهمية قصوى لتعزيز مهارات البحث والتقصي، إيماناً بأن تحصين المجتمعات يبدأ من تمكين الفرد من أدوات التفكير الحر والمنهج العلمي الرصين. العقل بين الاستقبال والانتقاء أظهرت دراسة نشرتها مجلة “نورون” الأمريكية أن الدماغ البشري يمتلك القدرة على استبعاد الأصوات غير المرغوب فيها والتركيز على ما يعتبره ذا أهمية. هذا يشير إلى أن الدماغ ليس مجرد جهاز استقبال سلبي، بل هو نشط في اختيار المعلومات التي يتعامل معها. ومع ذلك، قد يؤدي هذا الانتقاء إلى تصفية بعض المعلومات التي قد تكون مفيدة أو ضرورية، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة لتأثيرات الآخرين دون وعي. الانحياز التأكيدي: فخ العقل البشري يميل الأفراد إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاتهم السابقة، متجاهلين أو مقللين من أهمية المعلومات المتناقضة. هذا ما يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي"، وهو آلية نفسية تجعل الأفراد يصدقون ما يتوافق مع معتقداتهم، حتى وإن كانت تلك المعلومات غير دقيقة أو غير موثوقة. تأثير الكلمات والأفعال على الدماغ الكلمات والأفعال ليست مجرد تعبيرات سطحية؛ بل هي مؤثرات حقيقية على بنية الدماغ ووظائفه. فعندما يتعرض الفرد للكلمات السلبية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إفراز هرمونات التوتر، مما يؤثر سلبًا على صحته النفسية والجسدية. وعلى العكس، تعزز الكلمات الإيجابية والداعمة من صحة الدماغ وتزيد من قدرته على التكيف والنمو. التلاعب بالعقول: بين الوعي واللاوعي قد يمارس بعض الأفراد “التلاعب بالعقول” بهدف التأثير على آراء الآخرين، سواء عبر معلومات مغلوطة أو تلميحات خفية. والأفراد الذين يفتقرون إلى الوعي الذاتي أو القدرة على التفكير النقدي يكونون الصيد الأسهل لهذا النوع من التأثير، وهو ما نسميه "تأجير العقول" حيث يتخلى المرء عن سيادته الفكرية للغير. كيف نحمي عقولنا؟ لحماية عقولنا من التأثيرات غير المرغوب فيها، يجب علينا اتباع منهجية واضحة تتسق مع معايير الجودة الفكرية التي تطمح إليها المجتمعات الحديثة: 1. تعزيز الوعي الذاتي: فهم معتقداتنا وقيمنا يساعدنا على التمييز بين المؤثرات النافعة والضارة. 2. ممارسة التفكير النقدي: السؤال والتشكيك في المعلومات قبل قبولها يعزز من القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة. 3. الابتعاد عن المصادر السلبية: تقليل التعرض للمعلومات السلبية يحمي الصحة النفسية والقدرة على الإبداع. 4. البحث عن المصادر الموثوقة: بناء قاعدة معرفية سليمة عبر مصادر مشهود لها بالدقة. ختاماً، إن العقل البشري كائن نشط قادر على التمييز والاختيار، وإن ما نشهده اليوم في دولة قطر من نهضة تعليمية تشجع على إعمال العقل، يمثل النموذج الأمثل لتحصين الأجيال ضد التبعية الفكرية، وضمان بناء مجتمع معرفي قائم على التقصي والوعي لا على التلقي السلبي.
576
| 02 يوليو 2026
الوقوف على حدود الوعي البشري وسبر أغواره ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو رحلة استقصائية في جوهر الكينونة الإنسانية والروابط الخفية التي تربط هذا الكيان المحدود بالكون الفسيح. لطالما استوقفتني عبر دراساتي التاريخية والتحليلية تلك الأحداث والظواهر التي تتجاوز التفسيرات المادية الصرفة، وتضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة البدء العميقة: هل نحن مجرد قوالب عضوية محكومة بجغرافيا الجسد؟ أم أن في أعماقنا فضاءً أثيراً لا تحده جدران المادة؟ في مقاربةٍ تأملية لكتاب "ما وراء الوعي" للدكتور نايف الجهني، نجد محاولة جادة لإعادة صياغة المفهوم الغربي لـ "الباراسيكولوجي" أو علم النفس الموازي، ووضعه في إطاره الأسمى: التأمل الإيماني والكرامة الروحية. إن الظواهر الخارقة التي يجهد العلم الحديث لوضع مصطلحات معقدة لها مثل "التخاطر"، "الجلاء البصري"، أو "الإدراك الفائق للحواس"، تجد في عمق الرؤية الإسلامية فضاءً رحباً يتجاوز التفسير الميكانيكي إلى التجلي الإلهي والنوراني البحت. إن المحرك الأساسي لهذه القدرات الخارقة ليس طاقةً بيولوجية غامضة، بل هو تجلٍّ لصفاء الروح المؤمنة عندما تتحرر من أسر شهوات الجسد وتتصل بمصدر النور. وهنا يستحضرني دائمًا الحديث القدسي العظيم الذي يعد القاعدة الذهبية لفهم هذا العروج الروحي: «...وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها...». هذا الحديث ليس مجرد نصٍ تعبدي، بل هو توثيق للمرتبة التي يصبح فيها إدراك الإنسان فائقاً بنور ربه، فيرى ما لا يراه عامة الناس، وينظر بفراسةٍ صادقة تتجاوز حجب الزمان والمكان، كقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله». وعند تتبع الشواهد التاريخية والتراثية التي زخر بها الكتاب، نجدها تمثل أرشفةً معرفية لظواهر واقعية تجاوزت حدود الوعي اليومي المألوف: • تأثير الأرواح في المنام: تلك الروابط الأثيرية الخفية التي تتيح للأرواح أن تتلاقى وتؤثر في بعضها وفي الواقع اليقظ، كما نقل ابن القيم في كتاب الروح عن كرامات الرؤى الصادقة التي كانت تغير مسار الأحداث الوجلية. • التواصل عبر العوالم (رؤية الشهداء والحديث معهم): تلك الحوادث التاريخية الموثقة، كقصة عمير بن حبيب السلمي، التي تبرهن على أن الموت ليس فناءً، بل هو انتقال لكينونة الروح الحية التي يأذن الله لها بالتدخل أو البشارة بكرامة إلهية. • تسخير النواميس المادية: من قصة أبي مسلم الخولاني ونجاته من النار، إلى المشي على الماء وإضاءة الجوارح؛ وهي تجليات تظهر كيف تنقاد المادة للروح عندما تبلغ هذه الأخيرة ذروة الإخلاص واليقين والتجرد. إن الحواس الخمس التي نعتمد عليها في حياتنا اليومية ليست سوى نوافذ ضيقة؛ فالشم، واللمس، والبصر، ليست أدوات مادية فحسب، بل إن خلفها حواساً أعمق وقوى خافية عن وعينا السطحي، تتحرك وفق إيماننا وشفافية إحساسنا. ختاماً، أقول: إن دراسة "ما وراء الوعي" من منظورٍ إيماني وتاريخي تقودنا إلى حقيقة واحدة: وهي أن الإنسان لغزٌ كوني عظيم، وفي تشكيله وتكوينه أسرارٌ تفيض عن حاجة الجغرافيا العضوية. إنها دعوة للتحرر من قوالب المادية الجافة، والغوص في المحيط الحقيقي لتكويننا، لنرى بعين البصيرة لا البصر وحده، مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
807
| 17 يونيو 2026
في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض الدوحة للخير والجمال، واحدة من أبهى تظاهرات الثقافة والإبداع: معرض الدوحة الدولي للكتاب. لم يكن مجرد موسم لتوقيع الكتب أو عرض الإصدارات، بل كان تحولًا إلى لوحة فنية متكاملة، رسمتها روح قطرية أصيلة، وألوانها فرح المعرفة، ونبضها إبداع لا ينضب. في هذا المشهد الثقافي البهي، كان منتسبو وزارة الثقافة القطرية كخلية نحل لا تكل، يسعون بخفة واقتدار ليخرج الحدث بحلة تليق بمكانة قطر الثقافية. كانوا نموذجًا للفريق الوطني المخلص، حيث يتجلى الإتقان في أصغر التفاصيل، وتنعكس الروح القطرية في أبهى صور التنظيم. وعلى رأس هذا الجهد المبارك، وقف سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني، ليصنع نموذجًا يُفرح القلب قبل العين. كان حضوره داعمًا ومحفزًا، وقيادته للفريق جعلت من المعرض قبلة للرواد والمبدعين. إن ما يلمسه الزائر من سلاسة وتفرد في التنظيم إنما هو انعكاس لرؤية ثاقبة وإدارة واعية تضع الثقافة في مصاف الأولويات. وما أثار الانتباه حقًا، أن تلمس روح الإبداع لا من خارج المؤسسة، بل من داخلها؛ فقد لاحظت أن عددًا لا بأس به من منتسبي وزارة الثقافة كانوا حاضرين ليس فقط كمنظمين، بل كمبدعين أيضًا، حيث امتلك كل منهم كتبه المنشورة التي تزينت بها أروقة المعرض. إنها بحق لوحة فنية؛ القائمون على الحدث هم أنفسهم صنّاع المحتوى الثقافي. ولم يقتصر الزخم على الكتب فقط، بل امتد إلى الحضور الجماهيري الكبير الذي فاق التوقعات، حيث امتلأت أروقة أرض المعارض بعشاق الكلمة، من شباب وشيوخ وعائلات، ليؤكدوا أن القراءة في قطر ليست هواية عابرة، بل نهج حياة. ولم يكن الزحام عائقًا، بل كان دليلًا على التعطش للمعرفة والولع بالكتاب. أما الإعلام، فقد كان المشهد متألقًا، حيث غطّت الكاميرات والصحف والمحطات هذا العرس الثقافي، ليصل الخبر إلى العالم، وتُكتب الدوحة في سجل المدن التي تحترم العقل والجمال. ولتكتمل اللوحة، فُعّل المسرح داخل أرض المعارض، فتحول إلى منصة حيّة للحوار؛ فكانت مسرحية سطر وسطر شاهدًا مسرحيًا جميلاً، إلى جانب الشعر والنقاشات الفكرية، ليُثبت أن الكتاب ليس مجرد ورق، بل حالة تفاعل وحياة. وفي جنباته، عزفت فرقة الفنون الموسيقية على أوتار العود، فأطلقت ألحانًا تأخذ الروح إلى مدارات الجمال، لتضرب الثقافة جذورها في القلب، وليجتمع في المعرض سحر الكلمة وسحر النغم. ولعل من أروع ما زاد هذا المعرض بهاءً وأهمية، حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، إلى جانب عدد كبير من الوزراء والمسؤولين والشخصيات الثقافية، الذين زيّنوا المعرض بزياراتهم الكريمة. إن حضور قادة الدولة إلى معرض الكتاب ليس مجرد بروتوكول رسمي، بل رسالة حضارية عميقة تؤكد أن الثقافة في قطر ليست هامشًا، بل هي في صميم مشروع الدولة ونهضتها. فعندما يكون القائد قريبًا من الكتاب، تصبح الأمة أقرب إلى الوعي، وعندما ترعى القيادة الفكر والثقافة، فإنها تبني الإنسان قبل البنيان. لقد أعطى هذا الحضور الرفيع رسالة واضحة لكل مثقف ومبدع، بأن الكتاب يحظى بمكانة سامية في دولة قطر، وأن الثقافة تُعامل بوصفها قوة ناعمة تبني الأوطان وترتقي بالعقول. وما اهتمام القيادة الرشيدة بالمعارض الفكرية والثقافية إلا دليل على إيمانها بأن نهضة الأمم تبدأ من المعرفة، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان الواعي والمبدع. وسيذكر التاريخ مثل هذه التظاهرة الفريدة في “دوحة العز”، حيث اجتمع التنظيم المحكم، والإبداع المتنوع، والرعاية الكريمة، ليكون المعرض بحق ملتقى للضمير الإنساني، وحاضنة للإبداع المتجدد. إن هذا النجاح المبهر لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة قيادة رشيدة بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي جعل من قطر واحة للثقافة والحوار، ومنارة للإبداع في المنطقة والعالم. نسأل الله أن يديم على قطر نعمة الأمن والأمان، وأن يبقى هذا الوطن ملاذًا للثقافة والإبداع، وقلبًا نابضًا بالحياة والعلم. دامت قطر بخير وعز، ودام كتابها عنوانًا لنهضة لا تعرف المستحيل.
1122
| 21 مايو 2026
تواصل دولة قطر ترسيخ موقعها المتقدم في مجال التعليم العالي، من خلال استراتيجيات طموحة تنسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030، وتسعى إلى بناء منظومة معرفية متكاملة قادرة على المنافسة عالميًا. وقد حققت المؤسسات الأكاديمية في الدولة، وفي مقدمتها جامعة قطر، إنجازات نوعية تعكس حجم الاستثمار في الإنسان والمعرفة. وفي ظل هذا التقدم، تبرز أهمية الانتقال من مرحلة ترسيخ الجودة إلى مرحلة تعزيز المرونة المؤسسية الذكية، خصوصًا في التخصصات الطبية، ولا سيما في مجالات مثل الطب البشري وطب الأسنان، التي تتطلب موازنة دقيقة بين الصرامة الأكاديمية والانفتاح المنهجي. ومن بين القضايا الجديرة بالدراسة في هذا السياق، مسألة المعادلة الأكاديمية (المقاصة) للطلبة المحوّلين من خارج الدولة. تشير الممارسات الحالية إلى أن بعض الطلبة القادمين من جامعات معترف بها دوليًا قد يواجهون تحديات في احتساب مقررات دراسية سبق لهم إنجازها، مما يترتب عليه إعادة المسار الأكاديمي من بدايته، حتى في المراحل المتقدمة. ولا شك أن هذا التوجه يعكس حرصًا مشروعًا على ضمان جودة المخرجات التعليمية، خاصة في الحقول الطبية التي ترتبط مباشرة بصحة الإنسان وسلامته. غير أن التجارب المقارنة في عدد من الجامعات العالمية المرموقة، مثل جامعة هارفارد وجامعة كامبريدج وجامعة السوربون، تُظهر إمكانية تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين الحفاظ على المعايير الأكاديمية الصارمة، واعتماد قدر مدروس من المرونة في سياسات المعادلة، من خلال آليات مقارنة دقيقة مع وحدات المواد وعناوين المادة الدراسية تشمل تحليل مخرجات التعلم ومدى تطابقها مع مناهج جامعة قطر. إن تبنّي نموذج مرن ومدروس في المعادلة الأكاديمية لا يُعدّ تنازلًا عن الجودة، بل يمثل تطورًا في أدوات ضمانها، ويعكس نضجًا مؤسسيًا قادرًا على التكيف مع ديناميكيات التعليم العالمي. كما أن من شأنه أن يعزز من جاذبية المؤسسات التعليمية في قطر، ويستقطب طلبة ذوي كفاءة عالية، ما يسهم في إثراء البيئة الأكاديمية وتبادل الخبرات. وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح تطوير إطار وطني واضح للمعادلة الأكاديمية في التخصصات الطبية، يقوم على معايير دقيقة وشفافة، ويمنح المؤسسات التعليمية مساحة لاتخاذ قرارات مبنية على تقييم علمي موضوعي، دون الإخلال بثوابت الجودة أو متطلبات الاعتماد الأكاديمي. إن التعليم الطبي، بحكم طبيعته الحساسة، يحتاج إلى سياسات متوازنة تجمع بين الحذر والمرونة، وبين الضبط والانفتاح. ومن هنا، فإن دراسة هذا الملف ضمن رؤية تطويرية شاملة قد تمثل خطوة نوعية نحو تعزيز موقع قطر كمركز إقليمي وعالمي متميز في التعليم الطبي. وفي ضوء ما تمتلكه الدولة من إمكانات متقدمة ورؤية استراتيجية واضحة، فإن مثل هذه المبادرات التطويرية ستسهم بلا شك في دعم مسيرة التميز، وترسيخ مكانة قطر في خريطة التعليم العالي العالمي، بوصفها نموذجًا يجمع بين الجودة والابتكار والانفتاح المدروس.
726
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل...
33009
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى...
5364
| 03 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل...
4461
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة...
3468
| 29 أغسطس 2026
عندما يُثار الحديث عن المنازعات العمالية، يتبادر إلى...
1401
| 02 سبتمبر 2026
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتجدد تطلعات الميدان...
1047
| 30 أغسطس 2026
في مارس 1977 اصطدمت طائرتان فوق مدرج مطار...
996
| 02 سبتمبر 2026
كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...
891
| 28 أغسطس 2026
هناك كائن صغير نسميه في عاميتنا "العنيوش". دودة...
867
| 02 سبتمبر 2026
في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر...
762
| 02 سبتمبر 2026
يُعدّ الاحتباس الحراري من أخطر التحديات التي يواجهها...
621
| 30 أغسطس 2026
في صباح عادي بمدرسة «تريبهوفان تريشولي» في نيبال،...
540
| 02 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية