رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلعب وسائل الإعلام دورا محوريا في حياة الفرد اليومية حيث أنها تستحوذ على جزء كبير من وقته، فبين مشاهدة التلفزيون وقراءة الصحف اليومية والمجلات واستهلاك الإعلانات المختلفة والاستماع للراديو والإبحار في مئات الآلاف من المواقع على الإنترنيت يجد الفرد نفسه في نهاية اليوم أنه قضى أكثر من ست ساعات مستقبلا ومستهلكا ما تقدمة وسائل الإعلام المختلفة من مواد إخبارية وترفيهية. والإشكال المطروح هنا هو أن الفرد في المجتمع يعتمد على هذه الوسائل المختلفة لتشكيل وعيه وثقافته وحسه وإدراكه ومن ثم الصور العديدة التي تحدد سلوكه وتصرفاته في المجتمع. فوسائل الإعلام في عصر المعلومات والمجتمع الرقمي تلعب دورا استراتيجيا في تحديد الوعي الاجتماعي والذاكرة الجماعية كما أنها تشكل الواقع كما تراه وليس كما هو، والذي يحدد في نهاية المطاف، إلى جانب متغيرات أخرى السلوك الاجتماعي في أي مجتمع. ما يلاحظ على الرسائل الإعلامية المختلفة هو محتواها الذي أصبحت تحدده قوانين العرض والطلب وقوانين البيع والشراء. وفي هذا السياق أكدت نسبة كبيرة من الدراسات أن الإثارة والجريمة والعنف والجنس والأحداث والوقائع السلبية من حروب وانقلابات عسكرية وفيضانات وزلازل تشكل محتوى وسائل الإعلام المختلفة.
كثر الحديث والنقاش في السنوات الأخيرة في الأوساط الأكاديمية والعلمية عن تأثير وسائل الإعلام على الجريمة وخاصة فيما يتعلق بالجانب النظري وهل هناك علاقة ارتباطية بين التعرض للجريمة في وسائل الإعلام والسلوك العدواني عند الفرد.. فالدراسات والأبحاث العلمية في معظمها أكدت أن هناك تأثيرا سلبيا وعدد منها أكد أن هناك علاقة ارتباطية إيجابية بين التعرض للعنف التلفزيوني والسلوك العدواني.. فسلوك الفرد معقد ومركب وتحدده عوامل عدة من بينها الصورة الذهنية التي يشكلها الفرد بناء على ما تعرض له واستهلكه في مختلف وسائل الإعلام الجماهيري.
فالإشكالية هنا تتمثل في تغطية أخبار الجريمة من قبل وسائل الإعلام المختلفة وآثارها السلبية على أفراد المجتمع. فالجريمة كظاهرة اجتماعية تنتشر اليوم في مختلف المجتمعات، كما تنتشر في المراكز الحضرية الكبيرة وفي المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة والمناطق الشعبية. ما هو الهدف من تغطية الجريمة والعنف من قبل وسائل الإعلام؟ لماذا وكيف؟ ما هي أخلاقيات التغطية؟ وما هي آليات هذه التغطية؟ وإلى أي مدى يتأثر الجمهور بما يقدم له؟ وما هي علاقة استهلاك المادة الإعلامية التي تستعرض الجريمة والعنف بالسلوك غير السوّي عند الفرد في المجتمع؟ هل تغطية الجريمة تؤدي إلى الوقاية منها وتخفيض وقوعها في المجتمع أم أنها تؤدي إلى انتشارها وإقبال نسبة من أفراد المجتمع على تقمص شخصية المجرمين ومنفذي العنف وتقليدهم في الواقع. هل هناك استراتيجية من قبل وسائل الإعلام في التعامل مع الجرائم وأحداث العنف؟ أم أن الأمر يتوقف على البحث عن الإثارة والغرابة والخروج عن المعتاد لزيادة المبيعات والحصول على أكبر عدد من المشاهدين؟ هل تغطية الجريمة مجرد فعل إعلامي أم أنها وسيلة لتحقيق غاية؟ هل أنها تستعمل لعلاج المشكلة أم أنها تستغل لتحقيق مكاسب السبق الصحفي ومكاسب مادية ليس إلا. تؤثر وسائل الإعلام المختلفة سلبا على الجمهور بتغطية الجريمة وأحداث العنف والعدوان والانحراف. بالمقابل تستطيع وسائل الاتصال الجماهيري إذا اُستعملت بطريقة علمية، منظمة ومدروسة أن تسهم في الوقاية من الجريمة. فوسائل الإعلام بالتنسيق مع الجهات التي تعنى بقضايا الانحراف و الجريمة و العنف كالشرطة و أجهزة الأمن المختلفة و جهاز القضاء، والمدارس و جمعيات أولياء الأمور، و الجمعيات المختلفة التي تعنى بالطفل و الأسرة، و المؤسسات الدينية و المجتمع المدني ككل، إذا كان هناك تنسيق بين الجميع و إذا كانت هناك استراتيجية للتعامل مع أسباب و جذور و انعكاسات ظاهرة الجريمة و العنف و العدوان و الانحراف، حينذاك بإمكان المؤسسة الإعلامية أن تشارك في بناء شخصية الفرد في المجتمع للتعامل الإيجابي مع الرسائل المختلفة التي يتعرض لها في مختلف وسائل الإعلام. فالمشكلة معقدة وتتحمل مسؤوليتها جهات عديدة وليست المؤسسة الإعلامية فقط.
من جهة أخرى وبدلا من البكاء على الأطلال والنقد ووضع اللوم على الآخرين يجب أن نطرح السؤال التالي على أنفسنا: ماذا أنتجنا نحن العرب لقرائنا ومشاهدينا وأطفالنا سواء في الصحف أو المجلات أو القنوات الفضائية أو الانترنيت؟ أين هو البديل؟ حتى لا نستهلك رسائل لم تصمم ولم تنتج لنا في الأساس ومنتجات إعلامية تحمل قيما وأفكارا وآراء الآخرين. وحتى ترقى وسائل الإعلام في مجتمعاتنا العربية إلى أن تلعب دورا مسؤولا وإيجابيا في التصدي للجريمة وللعنف وللعدوان يجب أن تكون في مستوى عال من المهنية والاحترافية ويجب أن تنتج وتصنع الرسالة التي تقدم للجمهور وفق الرؤية والأيديولوجية العربية الإسلامية. فالمؤسسة الإعلامية ليست صندوق بريد تشتري المادة المعلبة وتبثها للجمهور. وهنا تقع مسؤولية كبيرة جدا على المسؤولين في الوطن العربي للنظر للمؤسسة الإعلامية كمؤسسة تربوية تعليمية بالدرجة الأولى، وليس النظر إليها على أساس أنها آلة تحقق الملايين من الدولارات كأرباح على حساب القيم والعادات والتقاليد والمصلحة العامة. فما يبث هذه الأيام في الفضائيات العربية يبعث على الخجل حيث نلاحظ رسائل سطحية، تبسيطية، ضحلة، برامج تخدش الحياء وإعلانات بعيدة كل البعد عن الواقع العربي، برامج لا تعكس واقع الفرد العربي. هذه الرسائل تهدم أكثر مما تبني حيث أن هدفها الرئيسي هو الاستهلاك والبيع والجري وراء الكسب السريع وضمان أكبر عدد ممكن من القراء والمشاهدين للحصول على أكبر حصة من الإعلانات. فوسائل الإعلام تعتبر المنتج الحقيقي للثقافات والمعتقدات والتوجهات والمشّكل المحوري للرأي العام وهذا يعني أنه من واجبها تحمل المسؤولية وتأدية الرسالة على أحسن وجه ووفق القيم الأخلاقية والمعايير والمبادئ الإنسانية وعادات وتقاليد المجتمع. الصناعة الإعلامية اليوم نظرا لمعايير التسويق والتجارة والبيع والربح تستغل الإثارة والغرابة وأخبار الجنس والجريمة والانحراف والعنف لزيادة مبيعاتها وللاستجابة لمتطلبات السوق والمجتمع بغض النظر عن التأثيرات السلبية والضرر الذي تلحقه بالناشئة وبالجمهور بصفة عامة. فمظاهر العنف في وسائل الإعلام أصبحت تحتل حيزا كبيرا وأصبحت قيما خبرية تتسابق عليها المؤسسات الإعلامية.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
165
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
264
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
117
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8253
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4782
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026