رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فاجأ إعصار تنظيم«الدولة الإسلامية في العراق والشام»-«داعش» الذي ضرب العراق في العاشر من يونيو 2014، كل العالم، حين سقطت مدينة الموصل ثاني كبريات المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، ومركز محافظة نينوى (شمال العراق) في قبضة تنظيم «داعش». فعناصر تنظيم «الدولة الإسلامية » انطلقوا من قمقمهم واستطاعوا برمشة عين بسط سيطرتهم على أغلب مدن المحافظة ومساحات واسعة من محافظتي كركوك وصلاح الدين، فيما تبخر عشرات الآلاف من عناصر الجيش العراقي والقوات الأمنية في قصة مازال الغموض يكتنف فصولها وأسرارها.
لقد استفاق الشرق الأوسط من جديد بدوله الحديثة على ظاهرة«داعش» الموصوفة بـ«العصابات المسلحة» الإرهابية والتكفيرية، وهي تعلن قيام دولة الخلافة في المناطق التي تسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، وهو ما يعني تدمير اتفاقيات سايكس بيكو لسنة 1916 التي قامت على أنقاضها الدول الحديثة التي استولدها الاستعمار الغربي. فاستفاقت إيران وتركيا، ومن بعدهما الإدارة الأمريكية والقيادة الروسية، على خطر جديد يهدد خريطة المنطقة بإعادة تقسيمها على أسس دينية ومذهبية وعرقية، بعد أن وصل انحدار ما كان يعرف في الأدب السياسي الحديث النظام الإقليمي العربي إلى مستوى الحضيض.
الخريطة الحالية للشرق الأوسط تتمزق، لأن الحدود التي تُحَدِّدُ أراضي كل من العراق، وسوريا، ولبنان، وتركيا، واليمن، قابلة للاختراق والتغيير من الآن فصاعداً، وهي لا تعكس أبداً الواقع القائم على الأرض. ففي ظل «دولة الخلافة الإسلامية»-«داعش» التي لا تعترف بالحدود بين الدول العربية الموروثة من التقسيم الاستعماري الفرنسي والبريطاني، رأينا كيف أن الدول الحديثة الشرق أوسطية، لاسيَّما في العراق، وسوريا، واليمن، تقوضت أسسها رأساً على عقب، وبنيتها غير التوافقية، تحت تأثير ظاهرة الحرب الإرهابية التي تخوضها الحركات الجهادية ضد النظم الحاكمة.
وهكذا، فإن الحدود العراقية – السورية لم تعد موجودة منذ سنة 2012 على الأقل، بعد أن أعلن التنظيم الجهادي «داعش» في نهاية يونيو 2014إقامة «الخلافة الإسلامية» على المناطق التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، والتي تشمل مناطق في شرق سوريا وشمالها، وغرب العراق وشماله. والأمر عينه ينطبق على الحدود السورية- اللبنانية، حيث كانت الحركات الجهادية التكفيرية تحظى بحرية الحركة، إضافة إلى تحول لبنان إلى قاعدة لوجستية لمدّها بالأسلحة والرجال، حتى قيام الجيش السوري باستعادة جبال القلمون في شهر مايو 2014.
ومن جهة أخرى دخل حزب الله بقوة في الحرب الأهلية السورية إلى جانب النظام السوري في مواجهة القوى المسلحة المعارضة منذ سنة 2013، وكانت أولى مشاركته في هذه الحرب هي معركة مدينة القصير في محافظة حمص. هنا أيضا نلمس بوضوح أن خرائط الحدود لا تعرقل تنقل المقاتلين، ولكن في الواقع، الحدود السورية – اللبنانية سقطت منذ تدخل قوات الردع العربية (وهي في غالبيتها المطلقة قوات من الجيش السوري) في لبنان سنة 1976، عقب التداعيات الخطيرة التي أفرزتها الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في 13 أبريل 1975.
بصورة عامة، الحدود بين الدول الشرق أوسطية الموروثة من اتقافيات سايكس بيكو أُزِيلَتْ الآن كنتيجة منطقية لتفكك دول المنطقة، ولظهور تطلعات جديدة، كانت محبوسة أو غير معبّر عنها برزت، منفذة في تجسيد مشروعات سياسية متعلقة بأقليات مخصوصة. ومن الواضح أن عدداً من هذه الطوائف «الأمم» بالمعنى العثماني للعبارة، المتكّسية فيما مضى في الإمبراطوريات المسلمة، صارت غداة الحرب العالمية الكبرى الأولى، تتطلع إلى أن تصبح أمماً بالمعنى العربي للعبارة، مسلّماً بها بأن تتوكد كل منها في دولة تكون خاصة بها.
من هذا الواقع سوف تكون أول الاختيارات الإستراتيجية المتعلقة بالأقليات وأكثرها راديكالية، هي الانفصالية بمواجهة الدول المتعددة الطوائف(سوريا، العراق، لبنان، اليمن) الناشئة حديثاً على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.. وقد تجسد هذا الاختيار الانفصالي وحقيقة نشاطه الأشدّ وضوحاً في الوقت الراهن، في شمال العراق، حيث إن حكومة كردستان العراق أصبحت تضخ النفط من دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد، منذ مايو 2014، خصوصاً بعد أن ضمت قوات البشمركة مدينة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان.
وهكذا وجدت الدول العربية الشرق أوسطية نفسها ممزقة إذن من جديد منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، أمام مرمى لتنازع مزدوج يُمارس من جهة باسم الكيانات الطائفية الانفصالية، ومن جهة أخرى باسم مشروع «الدولة الإسلامية في العراق والشام » الذي لا يؤمن بالحدود، ولا بالدولة، وبالتالي ثمة مشروعان يفضحان «الطابع الاصطناعي» واللاشرعية في الدولة العربية، يمزقانها بين خطر التجزئة على أساس طائفي ومذهبي وعرقي -إثني، وخطر تحطيم الحدود التي رسمتها اتقاقيات سايكس بيكو، في ظل إعلان «داعش» إنشاء كيان أوسع، هو كيان «دولة الخلافة الإسلامية».
أسهمت العوامل التالية مجتمعة: الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي أسقط نظام صدام حسين، وحطّم أيضًا مؤسسات الدولة من جيش وأجهزة مخابرات، ناهيك عن سمعة الفشل التي تلتصق الآن بالسياسة الخارجية الأمريكية، متأثرة بالسقوط المدوّي للإستراتيجية الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان، ودخول النظام الإقليمي العربي بكل مكوّناته في طريق الأزمة المستحكمة ذات الاتجاه الواحد، ونقصد بمكونات النظام العربي، سياسات الدول الأعضاء وأوضاعها الداخلية، إمكاناته وقدراته الكلية والقطرية وتحالفات الأعضاء وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وكذلك نقصد حالة «عقيدته» السياسية والفكرية المحركة لشبابه وعقوله، في إعطاء دفعة قوية للحركات الجهادية التكفيرية،لاسيَّما «داعش» لكي تطرح مشروع تأسيس« دولة الخلافة الإسلامية» على أنقاض النظام الإقليمي العربي الذي انهارت مكوناته جميعها.
فالدول العربية التي تأسست على مشروعية التقسيم الاستعماري عبر اتفاقيات سايكس بيكو لسنة 1916، تواجه الآن خطر الحركات الجهادية التكفيرية، التي أعلنت ميلاد «دولة الخلافة الإسلامية» في صيف 2014، التي لا تعترف بالدولة القطرية ذات السيادة، وتقدم نفسها على أنها عابرة للحدود أو غير العابئة بالحدود، وتُجْهِرُ بأنها ضد الدولة في كل خياراتها وأشكالها، ومع الخلافة، أي ضد الأنساق الدولية والإقليمية المتعارف عليها، ومنها النظام الدولي والنظام الإقليمي العربي.
ومن المعروف أن تنظيم «داعش» الذي تعهد تنفيذ مشروع «دولة الخلافة الإسلامية»، تعرفه الشعوب العربية جيداً، التي باتت تعي منذ أن تحول ما يسمى بـ«ربيع الثورات العربية» إلى شتاء قاسٍ، أن المعارك الأهم التي تخوضها الجماعات الإرهابية التكفيرية:«القاعدة»،«داعش»، «جبهة النصرة»، «أنصار الشريعة»،لا تتضمن معركة مع «إسرائيل» أو قوى الهيمنة الغربية(أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية)، أو مع الصين وروسيا، المعركة الأهم، وقد بدأت، هي مع النظام الإقليمي العربي، من أجل تفكيك الدول العربية، وتحويلها إلى دويلات طائفية وقبلية وإثنية.
أمام الخطر الزاحف ل«دولة الخلافة الإسلامية»، تطابقت المواقف الإقليمية مع المواقف الدولية في رعبها حيال ما جرى في العراق من صعود لتنظيم «داعش» وتنامي واسع لأنصاره وقيامه بإزالة الحدود العراقية مع سوريا في خطوة أربكت الخريطة الجغرافية التي أسستها اتفاقيات سايكس ـ بيكو، وهو ما وضع الراعي الأمريكي في موقف حرج كون ما جرى في «العراق الجديد» بعد سقوط نظام صدام حسين في أبريل 2003، يقوض الجهود الأمريكية التي بذلت على مدى عقد من الزمان لبناء الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى. فتحولت الساحة العراقية فعليًا إلى نقطة جذب عالمي لمواجهة ممارسات التنظيم المتطرف الذي طرد المسيحيين من الموصل كما قام بتهجير وسبي الايزيديين من مدينة سنجار، وهي أفعال أثارت غضبًا على مختلف المستويات ومن قبل جميع دول العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1059
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
999
| 07 يناير 2026