رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

144

سعدية مفرح

احترام رأي أم تواضع مزيف؟

26 يناير 2026 , 06:46ص

نردّد بعض العبارات الشهيرة بحسن نيّة، ونرفعها إلى مقام الفضيلة، ونظنّ أننا كلما تشبّثنا بها ازددنا رقيًّا واتساعًا، غير أننا لا ننتبه إلى اللحظة الدقيقة التي تنقلب فيها هذه الفضيلة إلى عبء ثقيل، وإلى قيد ناعم يلتف حول المعنى والذات معًا. 

من أكثر هذه العبارات شيوعًا وأشدّها التباسًا مقولة احترام الرأي الآخر، تلك العبارة التي تبدو بريئة في ظاهرها، نبيلة في مقاصدها، لكنها في بعض السياقات تتحوّل إلى ذريعة للتراجع، وإلى مبرر صامت للتقليل من شأن أنفسنا وأفكارنا ومواقفنا، وكأن الاحترام لا يكتمل إلا على حساب ما نؤمن به.

يتعلّم المرء الحوار عادة بالتجربة وبالاحتكاك وبالخطأ، ويتعلّم معه أن الإصغاء لا يعني الذوبان، والقبول لا يستلزم التنازل، والانفتاح لا يفرض تعليق العقل عند أول اختلاف. غير أن الخطاب العام، بشقّيه الثقافي والاجتماعي، نجح في ترسيخ معادلة ملتبسة مفادها أن من يتمسّك برأيه يُتّهم بالتعصّب، وأن من يدافع عن قناعته يُدرج فورًا في خانة الإقصاء، وكأن الرأي الآخر كائن هشّ يحتاج إلى حماية دائمة من أي نقاش جاد، أو من أي سؤال قلق.

نقع في هذا الفخ حين نساوي بين الرأي بوصفه تعبيرًا حرًّا، وبين كل ما يُقال مهما كان سطحيًا أو مضللًا أو عديم المسؤولية. نقع فيه حين نخشى أن نبدو حادّين فنخفّف لغتنا، ونخشى أن نبدو واثقين فنعتذر عن يقيننا، ونخشى أن نبدو مختلفين فنقدّم تنازلات لا يطلبها أحد سوى خوفنا الداخلي من سوء الفهم أو من العزلة. وهنا يبدأ الاحترام في فقدان معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى سلوك دفاعي، وإلى نوع من المجاملة الفكرية التي لا تحمي الحقيقة ولا تصون الكرامة.

الاحترام الحقيقي لا يُختبر في لحظات التوافق، بل في مناطق التوتر الهادئ، حين يقول المرء: أنا أسمعك، وأفهم منطلقك، وأختلف معك، من دون أن يشعر بالحاجة إلى تبرير اختلافه أو تليينه أو الاعتذار عنه. احترام الرأي الآخر لا يعني تعليق ميزان النقد، ولا يعني تجميد القيم، ولا يعني مساواة الجهد المعرفي بالانطباع العابر. هو اعتراف بحق الآخر في الكلام، لا بمنحه حصانة من المساءلة، وهو إقرار بوجوده، لا إلغاء لوجودي.

في كثير من النقاشات، نلاحظ كيف يُطلب من أصحاب المواقف الواضحة أن يكونوا أكثر ليونة، بينما لا يُطلب من أصحاب الآراء الهشّة أن يكونوا أكثر عمقًا. يُطلب من المثقف أن يبسّط موقفه حدّ التفريغ، ومن الكاتب أن يخفّف حدّته حدّ التمييع، ومن صاحب التجربة أن يضع خبرته على الهامش كي لا يُشعر غيره بالنقص. وهكذا، باسم الاحترام، يُعاد توزيع الأدوار على نحو غير عادل، ويُكافأ التردّد، ويُشكّك في الثبات، وتُستبدل الجرأة بالحذر.

ليس المطلوب أن نرفع أصواتنا، ولا أن نتحوّل إلى قضاة، ولا أن نمارس وصاية على أحد، بل المطلوب أن نستعيد ثقتنا بأن الرأي الذي يتكئ على معرفة، ويتغذّى من تجربة، ويُقال بوضوح، لا يحتاج إلى اعتذار. المطلوب أن نفصل بين الاحترام بوصفه قيمة إنسانية، وبين الخضوع بوصفه سلوكًا مكتسبًا. أن نُدرك أن التواضع لا يعني تصغير الذات، وأن اللياقة لا تعني إخفاء القناعة، وأن الحوار لا يعيش إلا حين يكون الطرفان حاضرين بكامل أصواتهم.

حين نكفّ عن التقليل من شأن أنفسنا تحت لافتات براقة، وحين نعيد تعريف احترام الرأي الآخر بوصفه مساحة مشتركة لا ساحة إلغاء، نكون قد أنقذنا المعنى من التآكل، وأنقذنا أنفسنا من صمت لا يشبهنا، ومن تواضع مزيّف لا يليق بتجربة مرّت بما يكفي لتعرف أن الكلمة الواضحة، حتى حين تكون حادّة، أصدق من صمت مهذّب يخفي خوفًا لا فكرة.

مساحة إعلانية