رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من المفترض أن تثير صور ظهور قوات أمريكية خاصة في شمال سوريا نهاية شهر مايو الجاري فرح المسؤولون الأتراك الذين دأبوا خلال السنوات الخمس الماضية من عمر الثورة السورية على مطالبة حلفائهم الأمريكيين والغرب باتخاذ خطوات عسكرية جادّة لدعم معارضي نظام الأسد كالتدخل العسكري المباشر أو تقديم الأسلحة بدلًا من اللجوء إلى بيانات تنديد لا تغني ولا تثمن من جوع.
فلماذا يغضب الأتراك من هذه الصور؟ ولماذا نُشرت بعد أيام فقط من زيارة سرية لقائد القوات المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل إلى شمال سوريا واجتماعه بقادة من الفصائل الكردية المسلحة في إطار التحضير لمعركة الرقة؟
هناك مثل شعبي معروف عندنا في المنطقة العربية "القصة ليست رمانة بل قلوب مليانة". هذا المثل قد ينطبق إلى حد كبير على حالة الغموض التي تمر بها العلاقات بين حليفين مفترضين تربطهما مصالح مشتركة حيوية ويجمعهما سقف مشترك هو حلف شمال الأطلسي الناتو، لكنّ الواقع اليوم لا يوحي بذلك، إذا ما تابعنا الانتقادات اللاذعة شبه اليومية والتي يوجهها المسؤولون الأتراك لسياسة أوباما الشرق أوسطية.
ولعلّ ما يدور في كواليس مكاتب صناعة القرار في أنقرة وواشنطن قد يعطي صورة أوضح عن مدى حجم الضرر الذي لحق العلاقات المشتركة.
ويمكن تلخيص أسباب الخلاف التركي الأمريكي بثلاثة محاور أساسية:
المسألة الكردية
في السابع من شهر فبراير الماضي، وخلال حديثه للصحفيين على متن طائرته الرئاسية التي كان عائدًا على متنها من زيارة خاطفة إلى السنغال، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر وضوحًا في هذه المسألة من ذي قبل، عندما خيّر وبنبرة جادةّ إدارة الرئيس باراك أوباما بين تركيا أو الفصائل الكردية السورية بقوله "إماّ نحن أو إرهابيو كوباني". هذا الخيار ما كان أردوغان ليعرضه على نظيره الأمريكي لولا خيبة الأمل التي تعتريه إزاء الدعم الأمريكي المتزايد لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية، الذَين تعتبرهما أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني الانفصالي داخل أراضيها، فأيهما اختارت واشنطن فعلا؟ وهل الخياران أحلاهما مر بالنسبة لها؟
الشعور العام السائد في أنقرة أن واشنطن فضّلت "إرهابيي كوباني" على حسابها، ما خلق حالة من فقدان الثقة، وربما انعدامها في المستقبل القريب إذا ما أصغى الأمريكيون جيدًا لهواجس تركيا وأخذوا في عين الاعتبار قلقها المتنامي من مدّ الفصائل الكردية على حدودها الجنوبية بالسلاح والمشورة.
ما يثير حفيظة الأتراك غض الأمريكيين النظر عن التحركات المريبة للفصائل الكردية في المناطق الحدودية مع تركيا واستفادتها من السلاح الأمريكي ليس فقط في محاربة داعش، بل وتحقيق مكاسب جغرافية لربط المناطق ذات الطابع الكردي ببعضها البعض، في إطار تهيئة الأرضية لإعلان الانفصال عن سوريا أو على الأقل تكوين إقليم فيدرالي، مع ما يشكل ذلك من انعكاس حتمي في المستقبل على أكراد تركيا الذين لن يكونوا حينها بمنأى عن النزعة الانفصالية، فضلًا عن علاقة هذه الفصائل بحزب العمال الكردستاني.
بالنسبة للأمريكيين قد يختلف الأمر بعض الشيء، فإدارة أوباما لا تبدو بوارد الاختيار في عرض أردوغان، سواء لجهة منح الأولوية للعلاقة مع الفصائل الكردية على حساب تركيا، أو الاستغناء عن هذه الفصائل التي تشكل رأس حربة أمريكية في الحرب على داعش في الوقت الراهن. كما أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك رفاهية الاستغناء عن تركيا، إذ تعي جيدًا أهمية دورها في حملة التحالف الدولي على داعش في سوريا والعراق، لاسيَّما قاعدة إنجرليك العسكرية التي يقر جنرالات أمريكا مساهمتها الكبيرة في رفع مستوى أداء طائرات التحالف مقارنة بـ فترة ما قبل فتح هذه القاعدة الحيوية أمام التحالف، ناهيك عن الحاجة الماسّة إلى دور أنقرة في أي تسوية سياسية سورية نظرًا لما تمتلكه من نفوذ مؤثر بين فصائل المعارضة السورية الكبرى.
الخلاف التركي الروسي
هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية عن المسألة الكردية، تكمن في غياب دعم أمريكي واضح كانت تنتظره أنقرة في الأزمة التي نشبت بينها وبين روسيا، والتي أخذت منحى أكثر خطورة بعد إسقاط الجيش التركي مقاتلة روسية خرقت الأجواء التركية على الحدود مع سوريا في الرابع والعشرين من نوفمبر من العام الماضي، ففي بدايات التوتر أعطت واشنطن الأولوية لحل الخلاف بين الطرفين بالطرق الدبلوماسية، وتحرك رئيس دبلوماسيتها الوزير جون كيري في سبيل منع وقوع المحظور والحيلولة دون اندلاع صراع عسكري مباشر بين البلدين، وقد انطلق هذا التحرك الأمريكي من ثلاث نقاط أساسية:
الأولى أن أي مواجهة مباشرة بين تركيا وروسيا قد تجر العالم بأسره إلى حرب تقليدية لا تُحمد عقباها بدل حروب الوكالة الحالية التي تبدو مقبولة لكل الأطراف على اعتبار أنها تحول دون الحرب المباشرة، والثانية أن حلف الأطلسي الذي يضمّ تركيا لن يكون بمقدوره تلبية أي طلب تركي للمساعدة في حال وقوع هذه المواجهة، نظرًا لما يعنيه ذلك من إعلان صريح للحرب بين دول الناتو وموسكو، والثالثة أن أي حرب مباشرة ستشكل ضربة قاضية للحرب أولًا على داعش، وثانيًا للمساعي الأمريكية والروسية في إيجاد حل للأزمة السورية.
ورغم أن تركيا لم تفضل بعد أزمة إسقاط المقاتلة الروسية الدخول في حرب مباشرة مع روسيا، وهذا ما بدا واضحًا من خلال مسارعة المسؤولين الأتراك إلى طلب عقد لقاءات مع نظرائهم الروس للحد من التوتر، إلاّ أنها شعرت بخيبة أمل جديدة إزاء موقفي واشنطن والناتو الباهتين من الأزمة، حتى بدا لأنقرة أنها تُركت لوحدها مجددًا في مواجهة الدب الروسي.
المنطقة الآمنة
منذ اليوم الأول لتحول الثورة السورية من حراك شعبي سلمي إلى صراع مسلح، دعت تركيا إلى إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا لهدفين أساسيين أولهما الحد من التدفق الكبير للاجئين السوريين باتجاه أراضيها، وتوفير حماية للمدنيين داخل الأراضي السورية، بحيث لا يكونوا مجبرين على الهرب إلى تركيا، والثاني دعم المعارضة السورية المسلحة على اعتبار أن فرض حظر جوي على المنطقة الآمنة سيعود حتمًا بالنفع على الثوار السوريين في المناطق المحررة ويوفر لهم الحماية من الضربات الجوية التي أنهكتهم خلال السنوات الخمس الماضية وحالت دون تمكّنهم من التركيز على تحرير مناطق أخرى.
لكن الأتراك أصيبوا مرة ثالثة بخيبة أمل من حليفهم الأمريكي، حيث إن واشنطن رفضت فكرة إنشاء المنطقة الآمنة لعدّة اعتبارات أبرزها غياب الرغبة الأمريكية في تقديم الدعم اللازم للمعارضة السورية وما يُشكّله من تحد مباشر لروسيا، إذ كان الأمريكيون وما زالوا على قناعة تامة منذ اندلاع الحرب السورية باستحالة الحسم العسكري للأزمة وفضّلوا العمل مع موسكو على تسوية النزاع من خلال اللجوء إلى إطلاق محادثات جنيف بنخسها الأولى والثانية والثالثة وجمع المعارضة والنظام على طاولة واحدة من أجل التفرغ لمواجهة داعش، الذي يعتبر أولوية أمريكة في الملف السوري.
خلاصة
الأمريكيون في موقف لا يحسدون عليه بطبيعة الحال، لكنهم في الوقت نفسه يدركون جيدًا صعوبة بل واستحالة الجمع بين نقيضين لا يمكن التقاؤهما مطلقًا، ومن هنا، يمكن فهم جانب مهم من حالة الضبابية وغياب الرؤية الواضحة في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الهواجس التركية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13263
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1296
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
798
| 10 فبراير 2026