رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يالله فيما يجري لمدينة أبي الفداء السورية مدينة حماة التي تعتبر من أقدم مدن العالم تاريخيا وفيها الآثار الرومانية المحيطة بنهر العاصي والتي ظلت آماد السنين قبل الإسلام ولم تهدم وتفجر إلا في عهد الطاغية الأب حافظ الأسد حيث زالت عن بكرة أبيها في الهجوم الهمجي الذي شنه المجرم ولم يُبْق منها حجرا واحدا إن مدينة أبي الفداء نسبة إلى أبي الفداء المؤيد بن الأفضل علي بن المظفر الثاني محمود 710 هـ 732 ثم محمد بن أبي الفداء 732-742 وقد أنعم السلطان الناصر على أبي الفداء بلقب ملك حماة وهو يعني أنه مستقل في مملكتها دون الرجوع إلى السلطان في مصر لأهميته من حيث العلم والأدب والشعر والتاريخ والجهاد والحكمة والسياسة ومعرفته بأنه المؤرخ أشهر وهو الذي استطاع أن يعيد حماة إلى ملك الأيوبيين بعد أن خرجت من ملكهم اثنتي عشرة سنة وقد ولد أبو الفداء بدمشق 672هـ ولكن ملك حماة بقي فيها حيث دامت الدولة الأيوبية مائة وسبعين عاما في حماة ونسبت إلى أيوب وسميت بالدولة الأيوبية التي كانت حاضرة صلاح الدين يوسف وإن هذه المدينة التي وصفت بمدينة النواعير التي تصفق مياهها دائرة على نهر العاصي كان لها التاريخ العريق ولم يستطع أحد أن يمسها بسوء إلا حافظ الأسد واليوم بالذات ابنه بشار فهو سر أبيه في الإجرام ومن شابه أباه فما ظلم، فبعد أن دمر الأب المدينة بتاريخ 2/2/1982 وهدم ثلثيها وقتل أكثر من خمسة وأربعين ألفا من أهلها فما اعتبر وقتها وإلى الآن طبعا مأساة العصر ولم يكن ثمة أعلام تقني بشن هذا الحدث الجلل، ولكن انتشر رغم كل ذلك واليوم ظهر أكثر وأكثر البحث والتقصي ونقل الحوادث والأرقام ممن شهدها ولم يحدث بعد هذه الحادثة الفاجعة أطل ابنه بشار ليستكمل المشوار ويتوعد وذلك في تصريح له نقلته القدس العربي في بدايات الأحداث أن بإمكانه أن ينجز ما أنجزه أبوه إذا جد الجد، وهذا ما صرح به في أول خطاب له في مجلس الشعب الذي هو منه براء حيث أكد أن المعركة إذا فرضت علينا فإننا لها! ومع أن العديد من المهتمين الساسة والمفكرين والعلماء نبهوه ونصحوه وكتبت له خمس رسائل تحذره من القادم بعد ثورتي تونس ومصر إلا أنه كان مكابرا، ولم يلتفت إلى هذه التوجيهات واعتبر أنه أكبر من أصحابها حتى صرح لجريدة وول ستريت جورنال أن بلاده محصنة من الثورة لأن الشعب يحبه كما يرى ولأن سوريا دولة ممانعة ومقاومة!! ولكن جاءه الخطب من حيث لا يحتسب وأخذ يلتقي هذا وذاك ويسأل لأنه أدرك أن رياح التغيير قد هبت وهي قادمة إليه لا محالة، وبعد تفجر أحداث درعا المعروفة نتيجة سجن الأطفال الذين كتبوا على الجُدُر أن الشعب يريد إسقاط النظام ثم ماذا حل بهم من قلع أظفار أيديهم وأرجلهم وتهديد أهليهم الذين طالبوا بهم وكيل السباب والشتائم المقذعة والألفاظ التي يندي لها الجبين مما مس عرضهم هبت ريح الإيمان والنخوة في قلوبهم وعروقهم فكانت الشرارة الحقيقية لبدء الاحتجاجات والانتفاضة التي تطورت فيما بعد إلى ثورة على النظام حيث عمت أرجاء سوريا كلها مدنا وقرى ومناطق وأحياء ومع أن الأحداث معروفة للجميع من وسائل الإعلام وخلاف ذلك إلا أن اللافت للنظر تماما وكما كان الأب مصمما على الحل الأمني ضد الشعب فكذلك الابن وكأن هذا متعلق حتى بالجينات الوراثية التي نسفت أي مقولة أن بشار متعلم ودكتور طبيب عيون يرى بعدسة دقيقة، ثم تبين أن الرجل انتقل من العيادة إلى القيادة ولم يملك أي بصر أو بصيرة حكيمة لمعالجة المرضى وأنه هو الذي أصبح بحاجة إلى طبيب عيون من جهة وطبيب أعصاب من جهة أخرى وطبيب قلب من جهة ثالثة وهو ما أفرزه الواقع والحقيقة وإن دلت عليه العلامات والقرائن وكلها تعتبر حجة ودليلا عند أهل العلم والمعرفة، فهو لم يعتمد على نفسه في اتخاذ القرارات، ومستشاروه والمقربون منه لا يعطونه إلا ما يريد وذلك من المكابرة أنه أفهم الخلق وقد قال سياسي كبير مقرب منه وقد عاشره: هو يسمع ومهما نصحته وأشرت عليه فلا يفعل إلا الذي في رأسه وهكذا الغرور والفوقية التي ستدق آخر مسمار في نعشه ونعش عائلته الحاكمة التي لم يسر على سوريا منذ الاستقلال أسرة حكمت أبداً إلا هؤلاء القتلة المجرمون السفاحون.. لم يقرأ الرئيس الشاب شيئا عن القرارات العقلانية وأنها هي القرارات السليمة، وفي الدين الإسلامي العقل أصل الشرع، فهو لم يفهم حقيقة العقلنة التي هي النبراس ولا حقيقة الشرع الذي هو العاصم من الزلل وقد أشار الباحث في إدارات الأزمة الأستاذ فرانكلين إلى أن اللاعقلانية إنما تبرز أكثر في لحظات الأزمة المعقدة، حيث تتحكم الحماقة بدل العقل في التصرفات بحيث لا يستطيع صاحب الحماقة تحديد المشكلة بدقة ولا تحليلها ولا تحديد وتقويم البدائل عنها، فعلى سبيل المثال إن الرئيس قال أنه سوف يصلح وقد قال ذلك مرارا خلال الإحدى عشرة سنة وقبل خمس سنوات بعد اجتماع القيادة القطرية ولم ير الشعب شيئا من ذلك على أرض الواقع بل كان الفشل هو المسيطر وسيد الموقف على معظم جوانب الحياة لاسيَّما فيما يخص حقوق الإنسان والتعامل الأمني الذي أصبح هاجس كل فرد في سوريا بحيث كره الناس حياتهم وأخذوا يبحثون عن المخارج دون جدوى وقد أخفق النظام في ذلك عبر سياساته الداخلية والخارجية ففي الداخلية لا يمكن أن ترى سوريا منصفا حرا إلا ويحدثك الكثير عن ذلك وما يزال هذا الإخفاق مستمرا خاصة في التعاطي مع الاحتجاجات السلمية حيث البطش والقمع والدموية الرهيبة وعدم الأخذ بالحلول السلمية السياسية التي تحقق رغبات وطلبات الشعب التي عبر عنها الرئيس نفسه بالمحرقة ولكن البون شاسع بين القول والتطبيق، وكذلك الإخفاق في جوانب كثيرة خارجيا وإن الكثير من الدول والهيئات الخارجية لتعبر عن ذلك في العديد من المناسبات ولكنها تجامل رسميا فلا تبرزها في صدورها، والبقية يظهرون ذلك خاصة في البلاد التي تفتح فضاءات واسعة للحرية والديمقراطية ولم يعد في زماننا هذا شيء يخفى على أحد في ظل العولمة والرأي المستنير وما تحويه البحور المعلوماتية التي لا يستطيع أحد أمامها أن يطمر رأسه في التراب كالنعامة ويعيش كرأس النظام السوري وزبانيته الذين يعيشون في العصور الوسطى وتخلف البرابرة في فهم قاصر شمولي لا نظير له في مختلف الأصعدة خاصة الإعلامية والسياسية ضمن حلف معروف شأنه شأنهم وعلى سبيل المثال فإننا على وجه المقاربة نذكر تركيا وكيف تقدمت حتى أصبحت أشبه بالدولة العظمى خلال عقد من الزمن ونظامنا على مدى أحد عشر عاما ليس عنده إلا مواعيد عرقوب، والأدهى من ذلك أنهم لا يعترفون بالحقيقة بل يذهب وزير الخارجية المعلم لينكر بلادا في الخريطة اسمها أوروبا وبعد تصريحه هذا في خطابه يهرع إلى السيارة المرسيدس وينسى أنها من صنع الألمان!
إن أي قائد يستطيع أن يحل مشكلاته مع شعبه ويصبح قراره بالإصلاح مقبولا حين يزاوج بين تصوره الدقيق لبيئة وطنه وبين الفرصة التي تجعله يستخدم الوسائل المناسبة للعلاج وبهذا يستطيع كقائد أن تكون قراراته أكثر رشدا حيث يتفهم العلاقة بين السبب والنتيجة.
ولا يألو جهدا أن يتقدم إلى عملية الابتكار والإبداع كيلا يضل طريقه في البوصلة وهكذا يتخذ القرار الصائب بعد دخوله أدق مرحلة لصنع هذا القرار لأنه يكون نقلة نوعية من النظري إلى العملي والوصول إلى الحل المقبول وبهذا يرضي ضميره ويرضى عن سياسة الشعب، ولكن للأسف الشديد فإن صاحبنا الملهم المحبوب عند البعض والذين وصل بعضهم إلى تأليهه والعياذ بالله لم يسلك مسلك الشرع ولا العقل ولا القانون نعم القانون؛ إذ مما يعرفه الجميع أن العقوبة حسب الجناية فهل عقوبة المتظاهرين السلميين مهما هتفوا بحناجرهم القتل بالرصاص الحي إن هذا يأباه الدين والقانون والإنسانية لمن كان له قلب وعقل وضمير إن هذا اليوم الأحد السابق للشهر الكريم رمضان بيوم، يريد الرئيس الملهم الذي خرج من قبعته المدنية إلى البذلة العسكرية ليغدر بأهل حماة الشهيدة أصلا والمثخنة بالجراح مما اجترحته يدا أبيه غدرا يدل على أنه وجهازه الأمني يبطنون غير ما يظهرون كما كان دأب أبيه الذي قال إن جيشه لن يدخل حماة ولكنه غدر، ودخل وادعى يومها وزير داخليته عدنان الدباغ أن فيها من المسلحين عدد لا يزيد على ثلاثمائة وهم فئة قليلة، وفعل رفعة الأسد أخو الرئيس الأفاعيل بأمر أخيه حافظ واقتحم المدينة بعد شهر من هذا الإعلان كما اقتحم اليوم زبانية بشار وأخيه ماهر المدينة بعد حصارها شهر أيضاً وهكذا تكون عدالة الهمجيين الذين يقتلون شعوبهم حفاظا على سلطتهم ومناصبهم فقط فلو تقدمت الدبابات والناقلات التي دخلت حماة وسائر سوريا هذا اليوم إلى هضبة الجولان لحررتها ولكن كيف يميز الله المخلص من العميل والوطني من الطائفي الذي لا تهمه إلا عائلته والملأ من حوله وذهب اليوم أكثر من مائة وستة وثلاثين قتيلا شهيدا قرابة المائة منهم في حماة ناهيك عن الجرحى والمآسي من عويل النساء والأطفال الذين روعهم ومازال الجيش والشبيحة وإن انشق والحمد لله قسم والتحقوا بالثوار ثم حدث عن قتلى دير الزور 19 قتيلا وخمسين جريحا ثم عن بلدة الحراك في درعا التي تضامنت هي والرش وإدلب وحرستا والمعظمية حيث اعتقل أئمة المساجد والنساء وغيرهم 220 شخصا، ثم البوكمال حيث سقط العديد من القتلى والجرحى بيد المهاجمين والقناصة وبدأت كعادتها الإدانات الدولية ولكن المهم أن نعرف أن التنسيقات أصدرت بيانا تصرح فيه أننا بدأنا بمرحلة جديدة فيا رباه متى نتخلص من هؤلاء الهمج ويحكم الأحرار؟
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
111
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
201
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
132
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
951
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
732
| 04 فبراير 2026