رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحل بالأمس أخي الغالي هلال بن جهام الكواري… أخي المعلم والموجه، قبل أن يكون رئيسي بالعمل، أو زميلا وأخا كما عاملني دائما.
رحل بوعبدالعزيز تاركا إرثا كبيرا في قطر يتحدث الجميع عنه منذ سنوات وقبل رحيله، وسيستمر الحديث… رحل ونحن نرى مشاريعه التي عمل عليها لسنوات، تعتبر اليوم من أجمل المشاريع في قطر، وتعتبر أكثر المشاريع إبرازا لاسم قطر على مستوى العالم.
رحل تاركا خبراته ومشاريعه موزعة على قطاعات الدولة المختلفة، مرورا بمشاريع البترول والطاقة والرياضة والثقافة والطرق والحدائق وآخرها استادات كأس العالم وغيرها من المشاريع العديدة التي لم تذكر.
خلال عملي معه لمدة 17 سنة مديرا لمكتبه رحمه الله أشهد الله أنه كان مثالا للأمانة والصدق واحترام العمل والموظفين باختلاف مستوياتهم، فمنذ عرفته كان يعمل ستة أيام أسبوعيا، يحضر لمكتبه الساعة السادسة صباحا ويغادر مع غروب الشمس… متنقلا بين مكاتب مختلفة، أسباير وكتارا وأشغال ولجنة المشاريع والإرث.
رحل بوعبدالعزيز ولا أذكر أنه أخذ يوما واحدا من إجازته السنوية، حتى في فترة مرضه التي استمرت عشر سنوات، فإجازته كانت للعلاج فقط.
صمت بوعبدالعزيز عن الكلام قبل سنوات بعد إجرائه عملية جراحية فقد على إثرها صوته، واستمر بالعمل كما كان، بحضور الاجتماعات والإشراف على المشاريع.
خسر ما يقارب نصف وزنه نتيجة للعمليات الجراحية المستمرة وما زال صامدا على طاولة اجتماعاته اليومية التي يعرفها جميع من تعامل معه، وما زال متنقلا بشكل يومي بين المشاريع رغم اختلاف أماكنها.
في عام 2014 ومع يقينه بحاجته للسفر باستمرار لتلقي العلاج طلب مني إيجاد طريقة باستخدام التكنولوجيا لمتابعة جميع المشاريع ونقاش المهندسين حتى في حال تواجده على سرير المرض، وهذا ما حصل تماما.
فكانت هذا المشاريع وإنهاؤها همه الأكبر، رحمه الله.
وبعيدا عن المشاريع وطريقة إدارته الفذة لها فعلى الجانب الإنساني والأخلاقي تحضرني الكثير من اللحظات والمواقف والتي لا تنسى والتي أثرت بي كثيرا في طريقة تعامله معها.
مع بداية عملي معه بمشروع المدينة الرياضية الذي كان يديره وفي بداية عام ٢٠٠٦ وقبل استضافة دولة قطر لدورة الألعاب الآسيوية، حدثني الأستاذ محمد المري، رئيس تحرير صحيفة الوطن ورئيس القسم الرياضي حينها، بأنه يريد إجراء لقاء صحفي مع المهندس هلال وتخصيص صفحتين كاملتين لطرح معلومات كاملة عن مشاريع ومباني دورة الآسياد وخصوصا المدينة الرياضية، فطرحت الموضوع حينها على بوعبدالعزيز، والذي أجلسني حينها أمامه مبديا اعتذاره، واكتفى بتوفير جميع المعلومات والصور المطلوبة عن المشاريع بدون ذكر اسمه، بل نسب جميع المشاريع للمهندسين الذين عملوا بها ووضع صورهم بالصحيفة، فعرفت حينها أني أمام مسؤول استثنائي لن تظهر صورته عبر الصحف لاحقا… وكان هذا منهجه طوال فترة عملي معه، حتى أكرمه سمو الأمير حفظه الله بقص شريط افتتاح أول استادات كأس العالم ليعلن للعالم أجمع جاهزية قطر لاستضافة كأس العالم، فعرف الجميع في قطر وخارجها هلال في تلك اللحظة.
ومن القصص المؤلمة ما ذكره لي الدكتور سعود عبدالغني المهندس المشرف على تبريد ملاعب كأس العالم.. وكان هلال رحمه الله قد عاد للتو من رحلته العلاجية.. والتي فقد على إثرها صوته نتيجة لعملية بالحنجرة، يذكر لي الدكتور سعود أنه كان يتحدث في ذلك اليوم مع بوعبدالعزيز عبر الهاتف عن مشكلة بأحد المشاريع، فطلب منه رحمه الله تجهيز تقرير عن المشكلة، والتواصل معه عبر برنامج الواتساب بعد يومين لمناقشة المشكلة… والسبب وبكل هدوء، أنه سيدخل غرفة العمليات بعد ساعات قليلة ولن يتحدث بعد اليوم بالهاتف، لأنه سيفقد صوته نتيجة للعملية الجراحية… والغريب كما يذكر الدكتور سعود أنه تم مناقشة الموضوع وحله بعد يومين لكن بدون صوت… فالمشكلة لا تحتمل التأخير، هكذا كان رحمه الله.
كان رحمه الله يولي المهندسين القطريين الشباب اهتماما كبيرا بدعمهم وتوظيفهم ومتابعة جميع أفكارهم… كما كثف من توظيفهم وتوزيعهم على جميع المشاريع بأسباير وكتارا ولجنة المشاريع والإرث خاصة بعد عودته من أول رحلة علاجية في عام ٢٠١٤ حيث كان يذكر رحمه الله … يجب أن لا تتوقف هذه المشاريع عند رحيلي، حيث كان مكتبه اليومي والذي يعتبر طاولة اجتماعات تعج بالخرائط والتقارير ولقاءات العمل المستمرة والتي كانت بمثابة دروس وخبرات ينقلها للموظفين.
كان بوعبدالعزيز رحمه الله مبدعا في إدارة وقته بطريقة عجيبة، فلم يمنع أحدا يوما من مقابلته، متعذرا بانشغالاته الكثيرة، وهو ما أكده عليَّ من بداية عملي معه، أن للجميع حق مقابلتي، وطرح ما يريد، فلم يرَ أحد بابه مغلقا أبدا.
ومن معرفتي الشخصية والعائلية به أعلم أنه لم ينقطع يوما عن زيارة والده بمنزله إضافة لقيامه بواجباته العائلية ومتابعة أبنائه رغم انشغالاته الكثيرة.
رحل بوعبدالعزيز ولم يبحث أبدا عن منصب أو مسمى أو كرسي بالصفوف الأولى للفعاليات والمهرجانات وإن كان حضوره قليلا لها.
كان يطلب رحمه الله كتابة اسمه بمسمى المهندس هلال الكواري بجميع الكتب الرسمية حتى بعد تكريم سموه بمنحه درجة وزير قبل سنوات.
رحم الله بوعبدالعزيز الإنسان الطيب الخلوق المتواضع المحب لقطر والقطريين
يحضرني في هذه اللحظة وحديث كل قطر عن سيرته العطرة على الجانب المهني والأخلاقي وجاهزية قطر لاستضافة كأس العالم بعد أشهر بيت شعر لأمير الشعراء أحمد شوقي
وكن رجلاً إن أتوا بعدهُ..
يقولون مرّ وهذا الأثر !
هذا هلال الذي عرفت
رحمك الله أخي الغالي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12177
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10665
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026