رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشيء المؤكد هو أن قطاعي السفر والسياحة يكملان بعضهما في كل أنحاء العالم والوضع ليس مستثنيا فيما يخص دول مجلس التعاون الخليجي.
وهنا نشير إلى تجربة شخصية بخصوص قوة قطاع السفر الخليجي على وجه التحديد. في وقت سابق من العام الجاري، حضرت مؤتمرا تحدث فيه دبلوماسي أمريكي يتمتع بصلاحيات دولية للدفاع عن مصالح بلاده، حيث بالغ في تقديم الشكر لبعض ناقلات دول مجلس التعاون.
وشدد الدبلوماسي بأنه دائما يجد نفسه في أحد المطارات الخليجية خصوصا دبي والدوحة وأبو ظبي أثناء السفر إلى إحدى المحطات الآسيوية. ورأى بأن بعض ناقلات دول مجلس التعاون خصوصا الإمارات والقطرية والاتحاد قد نجحت في فرض نفسها على خارطة السفر العالمية.
بنظرة متفحصة، يلاحظ تميز إمارة دبي على مستوى المنظومة الخليجية فضلا عن دولة الإمارات العربية المتحدة بالنسبة لقطاع السياحة. فقد نجحت الإمارة في تحقيق عوائد فاقت قيمتها عن 10 مليارات دولار وتحديدا 10.4 مليار دولار في العام 2012.
يعد هذا الرقم ضخما كونه يمثل 22 في المائة من مجموع العوائد السياحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العام الفائت، مصدر هذه الأرقام ليس غير منظمة الأمم المتحدة التابعة للأمم المتحدة وبالتالي جهة تتمتع بمصداقية عالمية.
اللافت في الأمر هو نجاح دبي في تحقيق هكذا نتيجة عبر استقطاب 17 في المائة فقط من الزوار الدوليين للمنطقة المشار إليها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قدرة الإمارة للاستفادة القصوى من زوارها. وطبعا هذا يتطلب توفير ما يحتاجه الزائر من إمكانات متنوعة بما في ذلك الفنادق والمطاعم لإشباع مختلف الأذواق والقدرات المالية إضافة إلى أماكن للترفيه.
ويمكن ربط الأمر بشكل جزئي بقدرة دبي في تطوير أفكار تأخذ طابع الحداثة والإبداع مثل الجزر الاصطناعية وتشكيلة واسعة من المجمعات التجارية المتميزة، بل توفر دبي مثالا فيما يخص إمكانية تجاوز معضلة الجو الحار خلال غالبية شهور السنة. بمعنى آخر، ليس من الصواب اعتبار متغير المناخ أمرا سلبيا لا يمكن التغلب عليه.
وفي هذا الصدد لابد من الحديث عن الدور الريادي لمطار دبي الدولي، حيث بات المطار ثاني أكثر المطارات استقطابا للزوار الدوليين بعد مطار هيثرو في لندن. بل تعتبر شركة طيران الإمارات مساهما نوعيا في إنجازات مطار دبي بواسطة تسيير شبكة تغطي أهم المحطات العالمية وتسيير رحلات متكررة يوميا إلى مدن مثل بانكوك ونيويورك وسدني.
وحديثا أبرمت الإمارات شراكة إستراتيجية تمتد لمدى 10 سنوات مع طيران كوانتوس الأسترالية وبالتالي تعزيز شبكتها الدولية. كما تشغل الإمارات مجموعة من طائرات إيرباص 380 ذات الطاقة الاستيعابية الضخمة والتي تصل لحد 500 مسافر.
بل أصبحت الناقلة (فلاي دبي) قصة نجاح غير متوقعة أصلا حسب حديث لصحفي أجنبي يعمل من دبي لإحدى كبريات الصحف البريطانية. وخير دليل على ذلك عبارة عن مضي الشركة قدما في تخصيص مقاعد لدرجة رجال الأعمال رغم أنها طيران اقتصادي.
وخيرا فعلت السلطات في الإمارة في ربط المباني الرئيسية لمطار دبي مع شبكة مترو دبي. حقيقة القول، يعد مطار دبي الوحيد بين مطارات دول مجلس التعاون فيما يخص توفير شبكة مواصلات تشمل القطارات الأمر الذي تميز به بين المطارات الخليجية.
وعلى هذا الأساس، يمكن تفهم حصول الإمارات على نتائج تتقدم على بقية الدول العربية في تقرير التنافسية الاقتصادية للعام 2013 ومصدره المنتدى الاقتصادي العالمي. فقد نالت الإمارات المرتبة رقم 27 عالميا ما يعني تقدمها بواقع 6 درجات في غضون سنة واحدة ما يعد إنجازا.
وكما يقال "إذا فهم السبب بطل العجب" والذي هنا عبارة عن تحقيق قطاع السفر والسياحة عوائد مباشرة وغير مباشرة تقدر بنحو 50 مليار دولار في العام 2012. يعد هذا الرقم ضخما بالنظر لتشكيله قرابة 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات في السنة المشار إليها.
من ناحية الأهمية النسبية، يعد تمثيل قطاع السفر والسياحة الأعلى من نوعه على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. على سبيل المثال، يساهم قطاع السفر والسياحية بنحو 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البحرين.
وما يبعث على التفاؤل هو وجود تقدير لقطاع السياحة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. على سبيل المثال، تبذل جهود متشعبة من القطاعين العام والخاص في قطر للاستفادة من الإمكانات المتوفرة في مجالي السفر والسياحة.
ويلاحظ في هذا الصدد تولي الخطوط الجوية القطرية دور الريادة عن طريق توسيع شبكتها وما لذلك من تأثيرات إيجابية على واقع وآفاق الاقتصاد القطري عن طريق نفقات المسافرين والزوار. حديثا فقط، بدأت القطرية بتسيير رحلات منتظمة إلى مدينة السليمانية رافعة بذلك الرحلات التي تسيرها في العراق إلى خمس مدن بما في بغداد والنجف والبصرة وأربيل. وعلى هذا الأساس، ارتفع عدد المحطات التي تخدمها القطرية إلى 129 محطة.
إضافة إلى ذلك، يجري العمل حاليا لتشييد 121 فندقا في قطر في سابقة في تاريخ الاقتصادي لقطر الأمر الذي سيمثل نقلة نوعية في قطاع السياحة في البلاد. مؤكدا، يندرج هذا التطوير في إطار استعدادات قطر لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في العام 2022. ويعكس هذا التطور المرحب به التأثيرات الإيجابية لنجاح السلطات في قطر في الحصول على شرف استضافة الحدث الرياضي الأبرز في عالم كرة القدم.
ختاما يكمن التحدي الآن في الحفاظ من جهة وتحقيق المزيد من التطوير من جهة أخرى فيما يخص قطاع السياحة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي في عصر يتميز بالمنافسة الشديدة حيث الرغبة لاستقطاب نفقات الزوار خدمة للاقتصادات الوطنية.
قطر الأمن والأمان
ما أروع أن تجد نفسك في بلد يكتنفه الأمن والأمان مهما طرأت عليه تغييرات قد ترهقنا!، ولكن بفضل... اقرأ المزيد
135
| 02 أغسطس 2026
ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني
حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط... اقرأ المزيد
231
| 02 أغسطس 2026
صوت الحكمة
مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وازدياد المخاوف من مخاطر تجدد انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع من... اقرأ المزيد
96
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
11625
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1845
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1695
| 01 أغسطس 2026