رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

0

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني

02 أغسطس 2026 , 01:00ص

حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط في فخ «الاستقطاب المزدوج»، وهي مغالطة منطقية تُعرف (بـ التفرع الأسود والأبيض) أو (الاحتكام إلى التطرف)، وتقوم على اختزال خيارات معقدة في قطبين لا ثالث لهما، حيث يُصوَّر أي موقف نقدي على أنه ولاء للطرف المعاكس. وهنا تتقاطع أجندات التمدد الإقليمي لطهران مع مشروع الاحتلال الإسرائيلي في تمزيق نسيج الفكر العربي. فمنذ ضربتي الكيان وإيران خلال العام الفائت على دولتي الحبيبة قطر، تغير المشهد الذي يبدو راسخاً في وعي المشاهد العربي. والمثير للدهشة والأسف ليس فقط فداحة الاعتداءات الإيرانية المتكررة على سيادة العواصم العربية، بل ذلك «التعاطف الوهمي» والانحراف الوجداني الذي تسقطه قطاعات واسعة من الجمهور على حروب طهران بالوكالة وأتباعها، تحت غطاء دعم القضية الفلسطينية.

عندما ترى الأنباء عن التقارير أو التصريحات الرسمية من قبل الجمهورية الإيرانية على طاولة المفاوضات الرسمية المباشرة التي تجري مع الولايات المتحدة أو الأطراف الدولية كـ (محادثات مسقط وجنيف وإسلام آباد وغيرها) فلن تجد أي مداولات أو حديث عن ملف غزة! وظلت الترتيبات السياسية والأمنية تدار عبر مسارات الوسطاء (مثل مصر وقطر وتركيا والمبعوثين الأمميين والأمريكيين ضمن خطط السلام الخاصة بالقطاع) فيما ظل ذراع المقاومة الفلسطينية حماس وإيران تتعاملان وفق تقاطعات استراتيجية وعقائدية أوسع دون أن تكون غزة بنداً تفاوضياً رسمياً تُديره طهران نيابة عن الفصائل في مباحثاتها المباشرة مع الخصوم الدوليين. إن إحدى أكبر خدع العصر الحديث هي نجاح آلة الدعاية الإيرانية في توظيف مظلومية الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته كـ «صك غفران» لتمرير مشروع هيمنة استيطاني لا يقل خطورة عن المشروع الصهيوني. لقد وقع قطاع من الجمهور العربي في شباك «المقاربة العاطفية المأزومة»؛ فبات يبرر التدخلات الإيرانية أو يقف على حياد مريب أمام اعتداءاتها، توهماً بأنها تشكل جبهة ممانعة حقيقية. هذا التعاطف الأعمى يتجاهل حقيقة تاريخية ساطعة: أن دماء الشعوب العربية واستقرار دولها كانا دائماً «سُلعة تفاوض» رخيصة في أسواق المساومة الإقليمية والدولية التي تديرها طهران لخدمة مصالحها الخاصة لا تحريراً لفلسطين.

الحقيقة المرة التي يجب أن يوجهها الشارع العربي هي أنك تواجه وحشين أو ماردين مدعومين من قبل الأحزاب الدولية الشرقية (كروسيا والصين) والتي تمثل الدعم لإيران أو الأحزاب الدولية الغربية (كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية) والتي تمثل الدعم للكيان الصهيوني المسمى إسرائيل. فالاستيطان والاحتلال فكرة لا تتجزأ بشكل المحتل أو جنسه أو عرقه أو عقيدته، فهي حروب الوكالة لمصالح الأحزاب في هذا العالم. وأن الوكيل الإيراني في المنطقة لا يعمل لتحرير الأراضي المحتلة، بل لتثبيت قواعد نفوذ على أنقاض الدول العربية المتداعية. إن الجمع بين رفض أطماع الكيان الإسرائيلي ورفض الأطماع الإيرانية ليس ترفاً فكرياً، بل هو عين العقل السياسي والشرط الأساسي لاستعادة السيادة وحماية الوعي من السقوط في فخ الجهل الطوعي الأيديولوجي.إننا أمام خيارين أحلاهما مر! فبناء على هذا المشهد الدولي الصعب تجبر دولنا العربية عبر خيارات للتحالفات الدولية الصعبة. خصوصاً وشح القدرة الذاتية للدول العربية على الاستقلال عن الهيمنة الدولية ناهيك عن المنافسة مع تلك الأقطاب. فاستعادة البوصلة الحقيقية تبدأ بإسقاط الأقنعة عن كل مشاريع الهيمنة؛ ففلسطين الأبيّة لا يحررها خبث المصالح الدولية، والأوطان العربية لا تحصّنها سياسات الحياد الانتقائي أو التغاضي عن المعتدلين بسلاح الإفك عن وحدة مصير هذه الأمة. وحين يدرك الجمهور هذا الزيف. يعلم أن دولنا العربية لم تستقل إلا بمقاومة ودحر المحتل بعقيدة صافية لله عز وجل.

مساحة إعلانية