رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يزال بعض المدافعين عن اتفاقية كامب ديفيد يستندون إلى تلك الواقعة المشهورة عن السادات والتي يشاركه فيها البطولة حلاقه الخاص والتي جرت أحداثها في بيت الرئيس بالجيزة أثناء الحلاقة.
تقول الرواية إن السادات أراد كعادته أن يستطلع اتجاهات الرأي العام بشأن قراراته وتحركاته المثيرة للجدل فسأل حلاقه الخاص عن ذلك أثناء ما كان يحلق له شعر رأسه فنقل له الحلاق اعتراض الشارع على اتفاق الحكم الذاتي الذي أجراه نيابة عن الفلسطينيين في كامب ديفيد فأجابه السادات بما ينمّ عن إحساس مفرط بالعبقرية بأن ضرب له مثالا جعل فيه صالون الحلاقة هو مركز وموضوع الصراع نيابة عن أرض فلسطين بما فيها القدس والأقصى!!
فقال له: تصور أن بلطجيا هاجم محل الحلاقة الذي تملكه وقام باحتلاله بكل كراسيه!! ثم جاءك من يقول لك إنه مستعد لأن يعيد إليك أحد كراسي الصالون!! وبعد ذلك سيتركك أنت وشطارتك في التعامل مع هذا البلطجي من داخل المحل ومن فوق الكرسي الذي أحضره لك!! هل تقبل ذلك أو ترفضه؟ فأجابه الحلاق بتلقائية شديدة سوف أقبل طبعا!! فقال له السادات: هذا ما فعلته بشأن الفلسطينيين!!
هكذا يتم التسويق لقواعد وأسلوب تفاوض يريدوننا أن نقتنع بأنه المنطق الأقوى لإدارة عملية صراع تعد الأعقد على الإطلاق بين الصراعات التي عرفها العصر الحديث!! في الوقت الذي شهد العالم كما شهد التاريخ أن اليهود هم أخطر وأسوأ مفاوضين عرفتهم الكرة الأرضية!!
فإذا كان هذا المنطق الساداتي قد أقنع الحلاق بهذه السرعة فإننا لم نقتنع به حتى الآن وما زالت الساعات بل اللحظات التي تمر على المنطقة العربية منذ كامب ديفيد وحتى هذه اللحظة تؤكد خطأ وخطيئة السادات في كامب ديفيد والحالة الوحيدة التي نعتقد أنها يمكن أن تبرر الفعل الساداتي وتجعله مقبولا ومستساغا في الشارع العربي هو أن نتحول جميعا إلى حلاقين للزعيم الملهم!!
كما أننا رغم ذلك لنا عليه بعض التحفظات أو التساؤلات مثل:
1. ماذا لو أن البلطجي انفرد بصاحب الصالون وأعاد طرده من المحل بعد أن يكون قد انتزع منه اعترافا بالشراكة الذي أعطاه شرعية ضرورية لاستكمال مشروعه وتم تحييد الوسيط أو الوصي الذي تفاوض نيابة عن صاحب المحل؟
2. وماذا لو رفض البلطجي أن يعطي حقوقا أخرى فوق الكرسي الذي يمثل بداية المشوار في نظرية السادات ويمثل نهاية المشوار في نظر البلطجي؟
3. وماذا لو نقض البلطجي اتفاقاته وهو مشهور عنه ذلك وقام مرة أخرى باسترداد الكرسي الذي تنازل عنه بالمفاوضات؟!
4. وما الذي يمنع من أن يكون البلطجي يخطط لاستكمال مشروعه بعد تحويل هذا الوسيط إلى حليف؟!
5. وإذا حدث ذلك هل سيقوم هذا الحليف بإعلان الحرب على حليفه من أجل إخلاله بحقوق أصحاب المحل الأصليين؟ أم سيكون ساعتها قد أصبح على أتم استعداد لمحاربة أخوة الدين والعروبة والمصير حتى لا يتهدد السلام الإستراتيجي الذي بناه مع الغاصب المحتل؟
إننا بهذا التصور نفترض أننا لم نزل في عقد السبعينيات ولم يكن قد مضى أكثر من ثلاثين عاما على كامب ديفيد ولم يكن قد تبين كل أهداف إسرائيل منها بما في ذلك هدفها من مجارات السادات فيما سمى بالحكم الذاتي للفلسطينيين.
إنني أحمد الله الذي أحيانا حتى نرى ما يؤكد خطأ نظرية صالون الحلاقة وذلك حتى لا تنتقل للأجيال التالية على أنها أبرع نماذج التفاوض السياسي فلقد جاء اتفاق أوسلو 1993 ليعطي عرفات ذلك الكرسي العبقري داخل الصالون الذي افترضه أو تصوره السادات.
فقد أعطت إسرائيل لعرفات حكما ذاتيا أفضل مما كان يأمل فيه السادات فهل نجح ذلك الكرسي أن يحل القضية الفلسطينية؟ أو أن يوقف أي قدر من شهية اليهود في قضم وابتلاع الأراضي؟! وهل التزمت إسرائيل بما اتفقت عليه مع عرفات أم انقلبت عليه وقتلته؟! ثم كيف تتعامل إسرائيل الآن مع سلطة أوسلو سوى أنها حولتها إلى إدارة تابعة للأمن الإسرائيلي ووظفتها في ضرب الحركات المقاومة واختراق الأمن القومي العربي والإسلامي أيضا؟!
ثم كيف تعاملت إسرائيل مع المبادرة العربية للسلام ٢٠٠٢م؟ هل قبلت بتنازلات العرب فيها والتي فاقت تنازلات السادات في كامب ديفيد؟ أم أنها كشفت أن لإسرائيل مشروعًا استعماريًّا كانت كامب ديفيد أحد إنجازاته المهمة حيث إخراج القوة العربية الرئيسة من دائرة الصراع بل وتوظيف دورها ونفوذها في تكريس هذا المشروع؟
إننا يجب أن ندرك أن هذا المنطق الساداتي يتغافل تماما أن هناك علما كاملا اسمه "التفاوض السياسي" وأن الصراع العربي الإسرائيلي يعد بلا منازع أعقد صراع يشهده العالم المعاصر.
إن هذا المنطق يغمض عينيه ويريدنا أن نسير خلفه معصوبي الأعين عن مشروع إسرائيلي كبير معلن قاعدته فلسطين بكاملها وامتداداته تشمل أجزاء أخرى كثيرة من الدول العربية وأهدافه تقوم على تفتيت وشل حركة المنطقة العربية بالكامل ولمدى زمني مفتوح.
وأن هذا المشروع هو امتداد حقيقي وطبيعي للمشروع الغربي بالمنطقة الإسلامية والذي يعتبر إسرائيل هي رأس حربته فيها لهذا فإن الغرب بكل مكوناته يقف ويصطف بكل قوة خلف تحركات إسرائيل ويؤيد كل حروبها ويتغاضى عن كل جرائمها ولهذا فإن الجري وراء إمكانات التعارض أو التنافر بين المشروعين هو ركض وراء سراب في صحراء بلانهاية.
فالمشروع الإسرائيلي العدواني تضرب جذوره بقوة في أعماق الأرض والفكر الأوروبي والأمريكي فإذا كانت الولايات المتحدة هي التي تقود اليوم الجهود الغربية عامة لتمكين هذا المشروع في منطقتنا.. فإن فرنسا نابليون هو أول من شجع اليهود على التجمع في فلسطين لعزل بلاد الشام عن مصر وذلك إبان حملتها الهمجية على مصر وفلسطين وبلاد الشام وهي أول من أمدها بالمفاعل النووي في ستينيات القرن الماضي والذي بنت عليه ترسانتها النووية.. وأن بريطانيا العظمى هي التي قادت الجهود الأوروبية للعمل على توطين اليهود في فلسطين منذ عام 1882 وحتى 1914 إلى أن وصلنا إلى وعد بلفور الذي أعطى لليهود الحق في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.
لهذا يجب أن ننتبه لمحاولات تسطيح هذا الصراع ومن ثَم الترويج للسلام الإسرائيلي وكأنه مشروع حقيقي أخطأ كل من رفضه وما زال يخطئ من يرفضه أو يقاومه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2298
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1191
| 11 أكتوبر 2026