رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعرضت القدس منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية لعملية تهويد مستمرة بغرض طمس معالمها الإسلامية، وتفاوتت هذه العملية بين تجريف بعض أحيائها مثل حي المغاربة، والاستيلاء على الكثير من المباني ذات القيمة الأثرية والدينية، إضافة لعمليات الاحتيال الممنهج للسطو على الكثير من المباني السكنية فيها بدعوى البيع والشراء، وكذلك عمليات الحفر المستمرة تحت المسجد الأقصى بادعاء البحث عن هيكل سليمان.
إن إسرائيل قد أطلقت العنان لأيدي المستوطنين للعبث بكل ممتلكات المسلمين والمسيحيين بالمدينة المقدسة، وحرصت على تنامي أعدادهم وإثبات وجودهم هناك، حيث إن أعداد المسلمين داخل أسوار المدينة والتي تجاوزت الـ 60 ألفاً في عام 1967م قد تقلصت اليوم إلى النصف، أما الاستيطان اليهودي فقد تضاعف أضعافاً كثيرة، وأصبح هذا الوجود يهدد مستقبل المقدسيين ليس داخل أسوار المدينة ولكن أيضاً في كل أحيائها السكنية، حيث تستمر الظروف المعيشية للمقدسيين من الصعوبة بمكان، وذلك جراء سياسات الاحتلال الضاغطة على كل ما هو عربي بهدف دفعهم للرحيل، وتفريغ المدينة من سكانها، والدفع بالمستوطنين اليهود لأخذ أماكنهم، وإعطاء المدينة طابعاً يهودياً يجعل من الصعب مستقبلاً تسوية مكانتها كعاصمة للدولة الفلسطينية.
إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حرصت على إقامة التكتلات الاستيطانية حول القدس بهدف محاصرتها، وقطع التواصل معها باتجاهات عمقها الفلسطيني، وهذا معناه فرض سياسة الأمر الواقع، والعمل على إخراجها من دائرة التسويات والحلول السلمية للقضية الفلسطينية.
ما حدث في القدس في الأسابيع الأخيرة كان محاولات يائسة وغير محسوبة من نتنياهو لكسب ودِّ المستوطنين، وذلك بالسماح لهم بفعل كل ما يستطيعون بالقدس والمسجد الأقصى، حيث إن عينه على الانتخابات القادمة، بعدما أظهرت التصريحات المتناقضة إرهاصات التصدع في التحالف الحاكم.. ولذا، فهو يتطلع لدعم وتأييد المستوطنين حال انهيار حكومته الحالية، والتي تتأرجح على صفيح ساخن من الجدل والخلافات منذ الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، والتي فشل فيها نتنياهو ووزير دفاعه موشي يعالون في تحقيق أي إنجازات ترفع من رصيد حكومته، حيث ارتدت سهام الفشل، وأصابت كل من هم في التحالف الحكومي.
ومع وقفة المقدسيين البطولية في الدفاع عن المسجد الأقصى بكل ساحاته، والتصدي بكل جسارة لمن تعمدوا تدنيسه وانتهاك حرماته، وعملياتهم البطولية التي جاءت من حيث لم يحتسبوا طعناً ودهساً، وهزت كيانهم وهددت عرش وجودهم بالمدينة المقدسة، أخذوا بالتراجع، واستجاروا بالسلطة الفلسطينية وملك الأردن وكذلك بالولايات المتحدة، وذلك حتى لا تتسع دائرة المواجهات وتصل لصاعق "الحرب الدينية"، والتي إذا اندلعت فلن تبقي ولا تذر، حيث إن شراراتها إذا ما تناثرت في أرجاء الفضاء الإسلامي الواسع، والممتد على مساحة بشرية تتجاوز منطقة الشرق الأوسط إلى القارات الخمس، فإن لغة العداء والكراهية والغضب والرغبة بالانتقام سوف تستيقظ بوجه كل ما هو يهودي، بغض النظر عن مكان تواجده في أي بقعة من العالم.
لقد أعاد المقدسيون وإخوانهم الذين انتصروا لهم داخل الخط الأخضر وفي باقي مدن الضفة الغربية تذكيرنا بمقولة "إن هؤلاء الصهاينة لا يفقهون إلا لغة القوة"، وبغير القوة فلن تُجدي أي محاولات أخرى، والحصيلة ستكون "لن تفلحوا إذاً أبدا". لقد دخل عليهم المقدسيون الباب بقوة فعادوا إلى جحورهم، ولو لم تظهر هذه البطولات وصور التضحية العظيمة للشهداء معتز حجازي، وعبد الرحمن الشلودي، وغسان وعدي أبو جمل وآخرين، لكانت هيبتنا في التراب، وأضحت مفاتيح بوابات المسجد الأقصى بيد حاخامات المحتلين الصهاينة.
الاحتلال الإسرائيلي بين العبثية والغباء:
منذ احتلالها الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م وإسرائيل الدولة المارقة لا تؤمن بغير سياسة القوة لتطويع نفسيته الفلسطينيين وقهر إرادتهم، وكانت ممارساتهم هي استخدام القوة والمزيد من القوة.
ورغم هذه السياسة لم تنجح في الماضي، إلا أن الغباء المستشري بعقلية هؤلاء الصهاينة وقطعان المستوطنين يدفعهم للاعتقاد بأن كسر شوكتنا إنما هو مسألة وقت، وهذا هو ما يجعله يتمادى في عنجهيته، ويتجرأ أكثر وأكثر.. ولكن الحقيقة هي عكس ذلك، فالمارد الفلسطيني وشعب الجبارين لديه دائماً الجهوزية والقدرة على الرد، وقد أحسن المفكر والمحلل السياسي د. مصطفى اللداوي، التعبير عن هذا الواقع، حيث أشار إلى أن "الاحتلال الإسرائيلي يخطئ عندما يظن أن الشعب الفلسطيني قد أُعدم وسائل المقاومة والنضال، وأنه بات عاجزاً عن اجتراح وسائل جديدة وطرقاً مختلفة ليواجه صلف الاحتلال، ويتحدى إجراءاته، ويتصدى لسياساته، وينتصر على التحديات التي يضعها، والصعاب التي يفرضها أو أنه يئس نتيجة الاحتياطات الأمنية الإسرائيلية، والإجراءات العقابية، ومحاولات التحصين والعزل التي يطبقها العدو في مناطقه، والتي جعلت من كيانه "غيتو" أمني معزول، محصَّناً بالجدران والبوابات والأسلاك الشائكة، والبوابات الإليكترونية وكاميرات المراقبة، وأجهزة التنصت والتسجيل والتصوير، وعمليات التفتيش والتدقيق التي يمارسها على المواطنين الفلسطينيين، والتي تبدو في أكثرها مذلة ومهينة، وقاسية وصعبة، أمام عشرات الحواجز الأمنية، التي ينصبها بين المدن والبلدات الفلسطينية، وعلى مداخل وبوابات مدنه ومستوطناته، حيث ينتصب أمامها الفلسطينيون في طوابير كبيرة، وينتظرون لساعات طويلة، قبل أن يسمح لبعضهم بالدخول، كما يُمنع الكثير منهم من المرور، ولو كانوا مرضى أو نساءً، أو رجالاً وأطفالاً، بحجة الاحتياطات الأمنية، والإجراءات الاحترازية.
وأضاف: "إن الكيان الصهيوني الغاصب يعتقد أنه بإجراءاته التعسفية هذه سيمنع الفلسطينيين من القيام بأي عملياتٍ مقاومة ضده، لاستعادة الحقوق، أو الرد على الانتهاكات والخروقات، انتقاماً من أعمال القتل والمصادرة، وصداً لسياسات الإغلاق والمصادرة، والاجتياح والاعتداء".
ولعل د. مصطفى اللداوي قد أجاد كذلك وصف المشهد الذي عليه الحال في جدلية الشعب والاحتلال، بالقول إن "كل فلسطيني أصبح في عيون الإسرائيليين مشروع مقاوم، واحتمال استشهادي، فقد يحمل سكيناً أو مدية، أو يخفي مسدساً أو قنبلة، أو يبدي استعداداً للانقضاض بنفسه، والعراك بجسده، والاشتباك بيديه، ثأراً وانتقاماً مما يرتكبه الإسرائيليون بحقهم، وأصبحت كل سيارةٍ أو حافلة تسير بسرعةٍ، مقبلة أو مدبرة، وكل جرافةٍ أو دراجة، وأي آليةٍ متحركة أخرى، يقودها فلسطيني، عربي الوجه والسحنة، وكأنها تهمَّ بدهسهم، وتنوي قتلهم وسحق أجسادهم".
ولقد أعجبتني تلك الإشارات المعرفية التي طرحها الصحافي حسين حجازي في مقالة له، حيث تساءل مستنكراً: "أي هراءٍ تحاوله اليوم يا نتنياهو في تغيير الطابع الديني والثقافي والتقليدي بل والرمزي لسكان القدس الإسلامية العربية، وقد فشل - قبلك - في ذلك اليونان والرومان والصليبيون؟".
فكيف يمكن بعدئذ تغيير طابع ووجه مدينة تختزن تحت قبتها كل هذا الغضب والانفجارات، التي من شأنها أن تهز الأرض والسماوات؟
وأضاف "لقد اعتقد الإسرائيليون دوماً أنهم الأذكى، وأنهم على محور الزمن وعن طريق المخاتلة أو المحايلة يمكن تغيير الواقع بإرساء الوقائع الجديدة. وحتى يمد الله في أوهامهم فقد بدا في الآونة الأخيرة كما لو أن الرياح تدفع في أشرعتهم، وعلى قاعدة إذا هبت رياحك فاغتنمها"، حيث المشهد العربي من الهزالة السياسية بمكان، فالحروب والصراعات الداخلية قد استعرت في معظم الأقطار العربية، وهي تغري بضرب الذكر عنهم صفحاً، فلم يعد لهم شوكة ولا هيبة، كما أن السلطة الفلسطينية - في ظل الانقسام - تبدو عاجزة ومقطوعة الحيلة.
لكن الذي حدث ولشدة غبائهم في تجاهلهم لفلسفة التاريخ، وجدوا أنفسهم بعد أن تخلصوا من قتال الجيوش التقليدية، يواجهون جيوشاً لا قبل لهم بها، ولم يعدُّوا أنفسهم من قبل لمحاربتها، وهي الجيوش الجديدة التي ورثت الجيوش التقليدية، وهكذا سوف يهزمون المرة تلو الأخرى، ولن تفلح نداءاتهم: "دعوا الجيش ينتصر"، وهذا ما شاهدناه في يوليو 2006م مع حزب الله، وأيضاً في يوليو 2014م في قطاع غزة، حيث حدث ما توقعناه "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7791
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4725
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2376
| 01 أغسطس 2026