رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد عبدالله المطر

- باحث كويتي في الفكر الإسلامي

مساحة إعلانية

مقالات

234

د. محمد عبدالله المطر

المنطق والتفكير المنهجي وبناء الوعي المعاصر

01 ديسمبر 2025 , 04:00ص

من العلوم المهمة التي يتراجع الاهتمام بها مع وجود حاجة ماسة في ميدان التعليم بشكل خاص، ومفيدة في كثير من شؤون الحياة بشكل عام هو علم المنطق وما يرتبط به من علوم الحجاج والمناظرة والمغالطات المنطقية، ويُعرَّف علم المنطق بأنه القواعد التي تنظّم التفكير، وتضبط مساره، وتمكّن الإنسان من الانتقال من المقدمات إلى النتائج انتقالًا صحيحًا، ومن التعريفات التي اعتمدها العلماء في المتون العلمية التقليدية هي: أنه آلة تعصم الذهن من الخطأ، وهو تعريف يعبّر عن رؤية شرعية مبكرة عند علماء الأمة بأهمية هذا العلم، وربما زاد الإمام الغزالي رحمه الله في تشدده بذلك فقال: «فمن لم يعرف المنطق فلا ثقة بعلومه»، ولكننا على أدنى مستويات الحاجة التي يتطلبها الإنسان نريد من المنطق بأن غاية تعلمه إتقان الأدوات التي تضبط النظر والاجتهاد، وقد شبّهوا حاجته للعقل كحاجة النحو للسان، فقال الإمام الأخضري رحمه الله في منظومته السُّلَّم المُنَوْرَق:

فَالمَنْطِقُ لِلْجَنَانِ كَالنَّحْوِ لِلِّسَانْ

يَعْصِمُ أَهْلَهُ عَنِ الخَطَا وَالزَّيْغِ وَالهَوَانْ

مَنْ أَحْكَمَ الْقَوَاعِدَا وَرَتَّبَ الشَّوَارِدَا

أَمِنَ الخَلَلْ وَسَارَ فِي النَّظَرِ عَلَى سَبِيلٍ مُسْتَقِلْ

وهذه الأبيات تلخّص بدقّة الوظيفة العقلية للمنطق: تنقية الذهن من الخطأ، وتقويم التفكير، ومنح الإنسان منهجًا واضحًا في التصور والحكم.

وعند النظر والتأمل في الواقع الاجتماعي عموماً، والواقع التعليمي بشكل خاص أضحى تعلم المنطق وما يرتبط به مهماً، ففي زمنٍ تتسارع فيه المعلومات وتتصاعد فيه الأصوات، أصبحت الحاجة إلى المنطق أكبر من أي وقت مضى، فقد ضعفت أساليب الحوار في عدد من البيئات التعليمية والمجتمعية، وسادت لغة العاطفة والغوغاء بدل لغة الدليل والمنطق والحجة، وضعفت أساليب الحجة والمناظرة السليمة، فكثير من النقاشات في المنتديات الاجتماعية والتعليمية والإعلام اليوم تقوم على الشخصنة، والتحريض، والتعميم، والانفعال، بينما تغيب أدوات التفكير المنهجي، مما يجعل الرأي العام والخاص عرضة للإثارة أكثر من الإقناع وتقريب وجهات النظر، ويكون الصوت المرتفع وربما الإساءة في وجودهم أكثر من البرهان.

وهذا الضعف يظهر بوضوح في تراجع مستوى البحث العلمي والشرعي؛ إذ يفتقد بعض الباحثين إلى القدرة على تحليل المقدمات، أو التمييز بين القطعي والظني، أو كشف المغالطات، أو بناء الحجج المتماسكة، وربما يقول قائل إن السلامة في التفكير ووجود الحجج لا ترتبط حتماً بدراسة علم المنطق، فهو لا يحتاجه الذكي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد يكون صحيحاً في بعض الجوانب ولكن الحاجة الحالية لقدر معين منه باتت أساسية، ومع أن العلوم الشرعية الكبرى كأصول الفقه، والحديث، والعقيدة ـ تعتمد بطبيعتها على التفكير المنهجي أصلاً، إلا أن غياب تدريب صريح على قواعد المنطق يجعل الطالب عاجزًا عن استثمار طاقته الذهنية بأفضل صورة.

إن إدراج مقررات المنطق والتفكير النقدي في المدارس والجامعات ليس ترفًا، بل ضرورة لتأسيس عقلية علمية قادرة على الفهم والنقاش والاستدلال، فهو لا يحمل أي تعقيد فلسفي أو حساسية عقدية عندما يُدرَّس باعتباره مهارة عقلية، تمامًا كما يُدرَّس النحو لحفظ اللسان، ولا يضر أن يتغير اسمه ان كانت هناك «حساسية» من مصطلح (المنطق) إلى قواعد التفكير أو التفكير النقدي أو أسس الفهم السليم وغير ذلك، فأهمية تطبيق الفكرة أكثر من المسميات والمصطلحات (فلا مشاحة في الاصطلاح) كما هو معلوم.

لذلك من الأهمية الزيادة من تطبيق هذا الموضوع ميدانياً وعملياً تشجيع المؤسسات التعليمية والمجتمعية على فنون المناظرة والحجاج، فسيفتح آفاقًا واسعة لبناء جيل يحاور بالدليل، لا بالصراخ، ويبحث عن الحقيقة بدل الانتصار للذات، ويبتعد عن لغة المغالطات المنطقية التي تعتمد على العاطفة وعد ضبط القواعد التي يتسلسل فيها الفهم، فبإحياء قواعد التفكير السليم تُبنى العقول، ويستقيم الخطاب، ويرتقي المجتمع. 

 

مساحة إعلانية