رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. محمد عبدالله المطر

- باحث كويتي في الفكر الإسلامي

مساحة إعلانية

مقالات

459

د. محمد عبدالله المطر

تقسيم المنطقة مشروع غربي صهيوني

08 يناير 2026 , 01:10ص

لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية أو خطاب تعبوي، بل أصبحت حقيقة يمكن تتبعها بوضوح في أدبيات الاستعمار القديم ومراكز التفكير الحديثة، فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب الأدلة، بل في تجاهلها أو إنكار دلالاتها المتراكمة.

فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تعاملت القوى الاستعمارية مع العالم العربي والإسلامي بوصفه كتلة حضارية محتملة الخطر إذا ما توحدت سياسيًا، هذا المعنى لا يحتاج إلى جملة واحدة مقتطعة، لأنه حاضر بوضوح في تقارير وسِيَر كبار الإداريين الاستعماريين. فقد كشفت كتابات اللورد كرومر عن قناعة راسخة بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في مقاومة عسكرية مرحلية، بل في إمكانية تشكل وعي سياسي شامل داخل المجتمعات الإسلامية، وهو ما تنبأ به المفكر الهندي (لرستم كارانجيا) في كتابه «خنجر إسرائيل» في عام (١٩٥٧م)! وغيره من المفكرين والسياسيين.

ومن هذه القناعة، وُلدت سياسات التفكيك لا بوصفها إجراءً مؤقتًا، بل خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، فجاءت الاتفاقيات الكثيرة لتُعيد رسم الجغرافيا العربية بمنطق النفوذ والسيطرة لا بمنطق التاريخ أو الاجتماع، وتزرع في جسد المنطقة نوابت الأزمات مصطنعة ما زالت حتى اليوم تُنتج النزاعات بدل أن تحلّها.

ومع قيام الكيان الصهيوني، انتقلت فكرة التفكيك من كونها سياسة استعمارية عامة إلى ضرورة أمنية مركزية راسخة، فالدراسات النقدية في الفكر الصهيوني، كما يوضح قادة الحركة الصهيونية وفي مقدمتهم (ديفيد بن غوريون)، فنظروا إلى غياب الوحدة العربية بوصفه شرطًا أساسيًا لاستقرار (إسرائيل)! وليست نتيجة جانبية للصراع، هذا الاستنتاج الخطير يبين لنا حقيقة أبدية وهي التطبيق لقاعدة (فرق تسد) وهو الواقع الممتد، وتطبيقه العمل بدعم الأقليات الدينية والعرقية وتحفيزها لمقاومة الوحدة العامة أو الخاصة، وإشعال الطائفية والمذهبية تمهيداً للتقسيم الجغرافي.

وفي العصر الحديث، لم تعد سياسات التفكيك بحاجة إلى جيوش واحتلال مباشر، فقد انتقلت إلى أدوات أكثر نعومة، كما يظهر في تقارير مراكز التفكير الكبرى تقارير الصادرة في سنوات ٢٠٠٤ وما بعدها، فلا يخفي دعوته إلى التعامل مع الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية باعتبارها عنصرًا يمكن توظيفه لخدمة المصالح الاستراتيجية الغربية، تحت عناوين الإصلاح وإعادة التشكيل، ودعم التوجهات الحداثية والدينية التي تنمي بوادر التقسيم والخلاف، فالتقسيم الفكري وتحفيز الأفكار الشاذة يمهد للسيطرة فيوجهه بطريقة أخرى.

فالحقيقة التي لا يجوز القفز عليها هي أن تقسيم المنطقة العربية ليس عملاً تاريخيًا عابرًا، بل منطقًا سياسيًا متكررًا، فمنطق يرى في الوحدة للأمة وأركانها خطرًا، وفي الاستقرار الحقيقي تهديدًا، وفي الصراع الداخلي أداة، وما لم ننظر لهذا الواقع بوعي وبصيرة، سيبقى التفكيك يُقدَّم لنا كل مرة باسم جديد، بينما جوهره واحد لم يتغير.

مساحة إعلانية