رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس عيبا ان يعيد مجلس التعليم أو على وجه الخصوص "هيئة التعليم ومكتب المدارس المستقلة" مراجعة أوراقه ولا اخالها في المجلس مبرأة من إشكاليات التعليم التي تواجهها المدارس المستقلة والإحباط واليأس الذي وصل له اصحاب التراخيص والمعلمون والطلاب، ولا اظن ان هيئة التعليم أيضا منزهة عن ضرورة تقييم دورها وأدائها من جهة محايدة خارجية اعلى منها خصوصا ونحن نخوض أوج زمن الشفافية والرقابة الادارية باعلان هيئتها في قطر، فضلا عن ضرورة فتح مجلس إدارة التعليم ملفات الهيئة خصوصا انه مرؤوس من قبل اعلى هرم في الدولة لا نعني تلك الملفات التي تزينها نقوش المسؤولين، فقاعدة المثل الشعبي تقول "ما يمدح العروس الا عجافتها" وقد يرصد في التقارير حصاد امثلة للنجاح فقط دون تقارير عامة شاملة ومحايدة علما بانها غالبا ما ترصد فقط التقدم او التأخر المحرز في معايير تعليم الطلاب رغم ان هناك معايير اخرى مغفلة.
بعد مرور اكثر من عقد على نظامها في قطر يجب عدم غض الطرف عن الرأي العام تجاهها بحيث يشمل رأي كل من المعلمين واصحاب التراخيص والطلاب بل واعضاء مجلس الأمناء ايضا ما داموا شركاء في العملية التعليمية قبل تلقي المسؤولين الكبار فقط تقارير الاداريين في الهيئة، مسح رأي شفاف بعيد عن عقدة الخوف والوجل على الرزق من قبل البعض وبعيد عن النفاق ومسح الجوخ لدى البعض الاخر، وبعيد عن التلميع والتضليل لدى الآخرين.
نشكر صاحب السمو الامير، وسمو ولي العهد على زيادة رواتب المعلمين اسوة بغيرهم، كما نجزل الشكر على رفع لائحة رواتب المعلمين داخليا وهذا عامل يسهم في رفع اداء ودافعية المعلم التي كان حقا أول من يستحقها في اصعب وأشقى مهنة. ولكن مع زيادة الرواتب لم يفرح المعلمون ولم نفرح نحن على مستقبل ابنائنا فهناك خلل ما يكتنف سياسة او آلية التطبيق او يعكس سوء تقدير من هيئته المختصة في التعليم.
بعد ان استبشرنا الا ان واقع المدارس في قطر حاليا لا يبشر بالخير، فليس المعيار الوحيد الذي نقيس عليه تطوير التعليم هو رفع المعايير لتجابه المعايير الدولية والحرص على رفع كفاءة المتعلمين فحسب لأننا في ذلك نتعامل فقط مع معيار واحد لا يمكن تحقيق نتائجه الا بتحقق معايير اخرى اهمها المعايير البشرية والمهنية وبيئة العمل المحفزة لا الطاردة والمنفرة التي لم يلتفت لها المجلس سوى فيما يطالب به المعلم أو صاحب الترخيص من شروط يجب ان يحققها لنيل الشرف العظيم والدرجة العليا التي لا تضاهيها درجة في وظيفته المزمعة كمدرس ومربي اجيال او اداري او مدير مدرسة اذا قارنا الفقير المستضعف بغيره من موظفي الادارات الحكومية.
اما التفات هيئة التعليم لبيئة العمل السليمة والأمن الوظيفي للكادر التعليمي والاداري وادارة الافراد والعلاقات المؤسسية الناجحة بينهم فهذا آخر ما تلقي له الهيئة اية اهمية، بل لا نبالغ اذا قلنا ان بيئة العمل من شدة التنفير حفزت الصراع وترقب كل فريق لغيره فتفاقمت المشاكل ولن نقبل ان يكون المتعلم ولا حتى المعلم ضحية فهما وجهان لعملة واحدة..
وسأبدأ من معاناة الطلاب رغم انني متعاطفة جدا مع المعلمين واصحاب التراخيص اولا وقبل كل شيء لإيماني بانهم رسل التربية والتعليم ومربو الاجيال الذين نعول على نتاجهم متى ما سلمت بيئته من اي نوع من انواع التنكيل والتضييق. ولانهم لو فقدوا الامن والامان وفقدوا تقدير الذات فلن يحصد ابناؤنا سوى الحنظل.
يصيح نفر من الطلاب من عدم وجود مدرسين في بعض المدارس وتعدد اطياف المعلمين الذين يمرون عليهم في ذات المقرر في العام الواحد جراء السياسات الجديدة في التعيينات والعقود بل والتفنيشات المفاجئة فلا امن معلمين ولا امن متعلمين؟.
أما اصحاب التراخيص فقد أُخذوا على غرّة يوم أن أجبروا على الاستقالة بذريعة انهم ينتمون الى جهتين مختلفتين وهم تحت ذات القبة "وزارة او مجلس" لعبة مسميات! ولم يعلموا مغبة الامر الا بعد ان خضعوا لاستقالة اجبارية تحت قوة صياغة الرسالة التي وردتهم حتى يتم تسكينهم على الكادر الاداري دون النظر لسنوات خدمتهم السابقة التي تدرجت في السلك الاكاديمي لا غيره من مدرس إلى منسق وصولاً إلى نائب ومن ثم مدير سكن قسرا وقهرا على كادر اداري براتب أساسي أقل من مرؤوسه الموظف الاكاديمي الذي يليه في الدرجة الثالثة وهي ادنى من درجته وبراتب اقل منه في "مكافأة عجيبة له" على سنوات عجاف طويلة لم يعمل فيها سوى مدرس بتفان واخلاص وعندما اراد ان يقطف الثمرة اصبح اداريا بالاكراه فلا نال عنب اليمن ولا بلح الشام في حسنات الزمنين باختلافهما!!!!
بينما تم تسكين جميع موظفي المدارس من القدامى المعارين آليا دون اجبارهم على الاستقالة؟ اننا نعجب كيف تتم الاستقالة من والى ذات المظلة بذريعة الانتماء الى جهتين مختلفتين؟ افيدونا ايها الناس! هل عملية الاحلال من وزارة الى مجلس لذات التربية والتعليم هي لجسمين مختلفين وتحت رئيسين مختلفين؟ ولماذا طلب من البعض ان يستقيل وترك الآخرون؟
وهل يعقل أن يحرم صاحب الترخيص من علاوة بدل طبيعة العمل بينما تم اقرارها لجميع كادر المدارس من السلك الاكاديمي؟ هل يعقل أن يكون مجمل راتب صاحب الترخيص 44000 للأعزب و48900 للمتزوج بينما وصلت رواتب الكادر تحته إلى ما يزيد على 56000؟؟!!
ومن ثم ومن وجهة نظر الشركات الإدارية المعروفة دوليا في تقييم طبيعة الوظائف وفي تقييم خبرات وسنوات خدمة الموظف وفقا لها ووفقا لما تقره لوائح الموارد البشرية واللوائح الادارية، هل يُعقل أيضا أن يُسكّن جميع أصحاب التراخيص رغم تفاوت خبراتهم على نفس الراتب الأساسي دون وضع أي اعتبار لتفاوت سنوات خبرتهم وخدمتهم؟ إنه ظلم وظيفي وغبن للجهود والعمر المهني في الخدمة الوطنية.
ثم نشعر اننا في "حَيْصَ بَيْصَ" في ان مكتب المدارس المستقلة يضع معايير وسياسات العمل لاصحاب التراخيص ومن ثم يُترك له وحده تقييمها..
ما دور هيئة التقييم في المجلس اذاً تجاه تقييم سياسات العمل ومعاييره؟ كيف تكون مكاتب هيئة التعليم وبشكل خاص مكتب المدارس المستقلة هو الخصم والحكم في آن واحد؟ دون تقييم من جهة محايدة؟ أم هو صراع الاقارب بين هيئتين هما التعليم والتقييم كصراع حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب في جاهلية اخرى اعنف؟ هل هناك تعارض في الادوار ام هو صراع يطول داخل اروقة المجلس افضى الى هذه الفوضى غير الخلاقة التي تنتظر احد احلاف القبيلة ورجالاتها ليصلح الحال كما في حرب داحس والغبراء.
ولماذا توكل مهمة تقييم اداء المدير والمرخص ايضا لادارة التعليم فقط ولماذا يكون معيار قياسه واحدا فقط هو مخرجات الطلاب ونتائجهم ونحن نعلم ان كل مدرسة تختلف عن غيرها سواء في تركتها او سمعتها او ادائها او في عدد ملتحقيها او حتى مستوى من هبّ ودبّ من طلابها سلفا او في موقعها السكني أو تشتت مبانيها او تعددها او حتى جنسيات ملتحقيها ولغاتهم وثقافاتهم او حتى في نوع المخرج باختلاف المرحلة الدراسية؟ دون مراعاة لاثر ذلك كله على التقييم ودون حسبان قيمة المعايير الاخرى الادارية والمالية والفنية والمهنية والتعليمية والثقافية والانشطة اللاصفية وبيئة العمل وعلاقات وادارة الافراد وبث روح الفريق؟،هذا حين توكل هذه المهمة لهيئة التعليم الا انه لا يتم تقييمها من قبل مكاتب هيئة التقييم إلا مرة واحدة فقط كل ثلاث سنوات! فلماذا لا يُوازَى تقييم المرخص بتقييم العملية التعليمية الذي يقاس كل عام اولا باول من قبل هيئة التقييم؟ مع اعطائه مؤشرات القياس من قوة وضعف للتطوير عاما بعد عام؟
هناك نقاط ضعف كثيرة مهنية وملاحظات حقوقية لا يسعها مقال واحد نتمنى ان يتسع لها صدر هيئة التعليم واننا هنا في طرحها نرفع القضية امام سمو رئيس المجلس ونناشد مجلس الادارة التحرك قبل ان تأكل المدارس الاخضر واليابس وتقضي على البقية الباقية من رمق حفظ هيبة التعليم في قطر، خصوصا أن معظم ابنائنا وابنائكم ايها المسؤولون لا ينتمون الى طبقة التعليم الحكومي، فهل يعكس هذا انحسار ثقتنا بمسيرة تعليم تعشمنا بها خيرا؟ وهل يعكس ايضا في مفارقة عجيبة ضعف إيمانكم بما عضضتم عليه النواجذ وتشبثتم بكرسيه ودافعتم عنه بحرارة؟
للحديث بقيّة
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
2715
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2247
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2133
| 29 يوليو 2026