رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تفكيك مفهوم الإنسان
ليس كافياً أن نقول إن الإنسان هو الركيزة الأساسية للنهضة، فقد طال التشويه حتى مفهوم الإنسان وصارت المفردة مشحونة بدلالات ليست أصيلة خصوصاً إذا استخدمت في سياق قطري. فمثلاً، ما المقصود إذا قلنا: إنسان سوداني؟ هل الإشارة إلى الإقامة الجغرافية أم الدم أم الثقافة أم ماذا؟ إن محاولة نسبة النهضة إلى إنسان مخصوص ينطوي على القول إن الشعب المعين هو بالضرورة جماع إنساني متميز ويمكن أن يقوم وينهض على أساس هذا التفرد والصفات التي تميزه عن غيره من الشعوب. هذه الفكرة ربما كان يسندها بعض المنطق عندما كانت الشعوب هي تجمعات قبلية تربطها أواصر الدم بما يحمله من مشتركات جينية، كما تربطها ثقافة مشتركة وتاريخ طويل. ولكن الشعوب بعد الدولة القطرية فقدت في كثير من الأحيان – خصوصا في الدول حديثة التكوين – ذلك الرابط الدموي والتجانس الثقافي القائم على تاريخ مشترك طويل. لذلك فإنه ينبغي عند الحديث عن النهضة المعتمدة على الإنسان أو الشعب الذي هو مجموع من الأناسي في البلد الواحد، ينبغي أن نكون حذرين من تعميم صفات إنسانية معينة على الشعب واعتبارها رصيداً يمكن التعويل عليه لبناء النهضة على أكتاف الناس. وحتى يستبين الأمر بشكل أفضل نضرب مثلاً بالشعب السوداني وما يظن أنه هو وما يظن أنها صفاته وخصائصه، ولنبدأ بتفكيك المصطلح.
• ما هو الشعب؟ الشعب بحسب القواميس العربية هو إشارة إلى التفرق وبعضهم قال إنه يشير إلى التفرق والتجمع معاً فهو من الأضداد، ويطلق على القبيلة الكبيرة. بينما يعرف قاموس أوكسفورد كلمة شعب (people) بأنه مواطنون ينتمون إلى بلد معين أو أعضاء أمة أو مجتمع أو اثنية معينة. على هذا فإن الشعب السوداني هو مجموع الأفراد التي تنتمي إلى القبيلة أو مجموعة القبائل السودانية، أو هو مجموع المواطنين الذين ينتمون إلى دولة السودان، وهذا يستدعي أن نعرف ما هو السودان.
• ما هو السودان؟ معلوم أن السودان هو اسم أطلق عبر التاريخ على مساحات جغرافية مختلفة وظل إشارة إلى أرض السود. وقد أطلق في فترة على طول الخط الإفريقي جنوب الصحراء، ثم أطلق على شريط النيل جنوب أسوان حتى منابع النيل في يوغندا، ثم أطلق على الجمهورية التي رسمها الانجليز وشملت دارفور وسواكن و(الجنوب)، ثم أخيراً أطلق على ما تبقى من ذات البلد بعد انفصال الجنوب. وكلمة الشعب السوداني أو السودانيين كانت تطلق على قاطني هذه المساحات المختلفة ما يعني أن الكلمة لم تحمل معنى ثابتاً بل كانت تتغير بتغير الجغرافيا والتاريخ.
كل هذا يدعونا لإعادة النظر في (شخصنة) الشعوب القُطرية بشكل عام، والشخصنة أعني بها إطلاق صفات شخصية على عموم الشعب بحيث يصوَّر وكأنه مكون من مجموعة أفراد يحملون صفات (شخصية) عامة متكررة وهامش لبعض الاختلافات الفردية. بتعبير آخر، شخصنة الشعب هي نحت لقالب ثقافي يشكل الملامح الثقافية الأساسية للشخصية وتصوير الشعب على أنه مجموع من اللبنات التي تأخذ جميعاً شكل ذلك القالب حتى وإن اختلفت المادة المكونة لكل لبنة.
مثال ذلك هو أن نقول إن الشعب السوداني يمتاز بالشجاعة والكرم والكسل وقلة احترام الوقت، ما الذي يجعل فرداً من الحلفاويين وآخر من البجا وآخر من الفور وآخر من الأنقسنا جميعاً يحملون هذه الصفات؟ لا شيء، سوى أن الحس القومي لدى مواطني أي قطر يدفعهم لتصوير اجتماعهم الشعبي على أنه يقوم على أكثر من مجرد التقسيم الجغرافي الذي أجراه الأوروبيون أو غيرهم في فترة تاريخية معينة، بل يقوم – كما يصورونه – على مشتركات عنصرية وثقافية وتاريخية راسخة تجعل منه خليطاً متجانساً، والاختلافات التي تبدو عليه يصورونها على أنها تنوع يثري هذا الاجتماع ولا يعكره، مجرد أوهام فرضتها الحاجة لإيجاد جوامع لأخلاط من الناس المختلفين غير جامع القطر السياسي، ولكن هذه الأوهام تكذبها الوقائع باستمرار. فالشعب السوداني ظل حتى وقت قريب يشمل القبائل الجنوبية، ما يعني أن (الشخصية السودانية) بصفاتها المتصورة كانت تشمل الدينكاوي والاستوائي، ولكن بعد أن انفصل الجنوب أصبح الجنوبي في حل من صفات هذه الشخصية ويمكن للجنوبيين أن يصوروا شخصية أخرى تجمع شتاتهم، بينما يعدل المخيال السوداني صورة الشخصية السودانية على استحياء ليحذف منها صفات القبائل الجنوبية العنصرية أو الثقافية ويقدم الشخصية المعدلة على أنها راسخة الثقافة وشديدة التجانس رغم التنوع الشديد فيها!.
المفارقة بين المطلوب والواقع هو أن الناس في الواقع تجمعهم دول قطرية لم تراع في نشأتها درجة التجانس بين الناس في الدولة الواحدة بالشكل الذي يمنحها شيئاً قريباً من الشخصية المشتركة. وحيث إن الناس في عالمنا المتأخر قريبو عهد بالقبلية فقد صوروا الشعب القُطري على أنه قبيلة كبيرة كما تقول المعاجم، فاعتبروا أن ذات الجوامع التي تجمع القبيلة الصغيرة يمكن أن تجمع القبيلة الكبيرة كالدم والثقافة والتاريخ المشترك ما يعني أن الصفات التي يمكن أن تعمم على القبيلة الصغيرة، كالقول إن بني مخزوم يتصفون بالشجاعة، يمكن كذلك أن تعمم على القبيلة الكبيرة كالقول إن الشعب السعودي يتصف بالشجاعة. والقول الأول تعميم مقبول ولكن القول الثاني تعميم غير مقبول ويقوم على شخصنة الشعب القُطري دون أسس جامعة تشكل هذه الشخصية المشتركة.
أما المطلوب فهو الإقرار بأن مفهوم الشعب القُطري هو مفهوم ديناميكي غير ثابت، وبالتالي فإن الصفات التي تميز هذا الشعب هي في الغالب صفات إنسانية عامة نجدها في كثير من الشعوب، وأن هناك تناسباً عكسياً بين مقدار التنوع في مكونات الشعب القُطري وحداثة القطر من ناحية، وإمكانية شخصنة هذا الشعب أو وصفه بصفات شخصية مشتركة من ناحية أخرى.
بالعودة الآن إلى موضوع النهضة واستخلاصاً للشاهد من النقاش أعلاه، فإن الشعب الذي يبتغي النهضة في هذا العصر سيكون في الغالب مقيداً بالدولة القطرية وإشكالات السيادة. بمعنى أن التغيير الذي سيحدثه أو سيرغب في أحداثه أي شعب سيكون محصوراً فيما له فيه سيادة من سلطة سياسية أو مؤسسات مدنية، وأن تجاوز حدود الدولة القطرية يمكن فقط أن يأتي في إطار حراك شعوبي متفق أو تأثير ينتج عنه اقتداء. وحيث إننا فصلنا في القول إن الشعب في الدولة القطرية ليس له في الغالب شخصية خاصة مميزة عن من حوله من الشعوب، وأن تميزه محدود حتى عن عامة شعوب الأرض، فإن إصلاح الإنسان لأجل النهضة لا يكون مبنياً على خصوصية هذا الإنسان القطرية، فمشروع النهضة السودانية لن ينبني على صفات الشخصية السودانية كالكرم والشجاعة والأمانة وحسن الخلق، هذه ليست صفات سودانية بل هي صفات إنسانية يتفاوت الناس فيها بعوامل كثيرة ولكن أقل هذه العوامل هو الدولة القطرية كما أبنت أعلاه.
النهضة السودانية ينبغي أن تقوم على الإنسان السوداني بغض النظر عن صفات (الشخصية السودانية) المتوهمة، أما الإنسان السوداني، فهو ذلك الإنسان بصفاته الإنسانية العامة الذي يستوطن السودان بغض النظر عن جغرافيته الآنية، هذه الوصفة ستكفل الاعتماد على الإنسان للنهضة في أي تاريخ أو جغرافيا وبغض النظر عن العنصر أو حتى الدين، فالإنسان الناهض لا يفلح في نهضته لكونه مسلماً أو مسيحياً، بل لكسبه وأخذه بالأسباب المؤدية إلى النهوض والرفعة، فالنهضة إذا تقوم على الإنسان الذي يكافئ مطلوباتها، أما الصفات التي تلحقه دون ذلك فهي سراب في صحراء التخلف، شديدة اللمعان عديمة الري!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4200
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2613
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2289
| 02 يونيو 2026