رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

630

د. عبدالله بندر العتيبي

واشنطن تفاوض على اتفاق.. طهران وتل أبيب على الشرق الأوسط

08 يونيو 2026 , 11:05م

ليست الأزمة الحالية مجرد خلاف حول برنامج نووي، ولا يمكن فهمها باعتبارها مساراً تفاوضياً واحداً بين واشنطن وطهران. ما يحدث أقرب إلى وجود مستويين متوازيين من التفاوض: الأول أمريكي-إيراني يدور حول الاتفاق النووي وشكله السياسي، والثاني إيراني-إسرائيلي يدور حول ميزان القوة في الشرق الأوسط، ويتم التعبير عنه لا عبر التصريحات، بل عبر الصواريخ والردع المتبادل.

من منظور واشنطن، وخاصة في منطق ترامب، المطلوب هو اتفاق يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً بوصفه أفضل من اتفاق أوباما. هنا لا تكون الأولوية لبناء نظام أمني إقليمي متماسك، ولا لإعادة ترتيب معادلات النفوذ في الشرق الأوسط، بل لإنتاج لحظة سياسية قابلة للإعلان: اتفاق، صورة، خطاب انتصار، ورسالة إلى الداخل الأمريكي بأن الإدارة الحالية استطاعت انتزاع ما عجزت عنه الإدارة السابقة. لذلك تبدو المقاربة الأمريكية ضيقة نسبياً: منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، ضبط التصعيد بما لا يضر الأسواق، وتقديم الصفقة باعتبارها إنجازاً رئاسياً.

هذه ليست مقاربة جديدة في السياسة الأمريكية. في حالات أخرى، مثل فنزويلا، تعاملت واشنطن أحياناً مع الأزمات من زاوية هدف سياسي محدد: الضغط على النظام، فرض العقوبات، وتغيير رأس النظام. لكن ما يحدث بعد ذلك داخل الدولة أو في محيطها الإقليمي لا يحتل دائماً المكانة نفسها في الحسابات الأمريكية. المهم هو تحقيق الهدف المباشر، لا بالضرورة بناء توازن مستدام في الإقليم. والمنطق نفسه يمكن رؤيته في الملف الإيراني: واشنطن تريد اتفاقاً مع إيران، لكنها لا تبدو معنية بالقدر نفسه بالسؤال الأعمق: كيف سيكون شكل النظام الإقليمي؟ ومن سيملك اليد العليا بعد الاتفاق؟

هنا تحديداً يختلف حساب إسرائيل وإيران. فبالنسبة لإيران، الاتفاق النووي ليس الملف الوحيد، بل هو جزء من معادلة أوسع تتعلق ببقاء مشروعها الإقليمي. لبنان ليس ساحة هامشية في هذه المعادلة، بل أحد أعمدة النفوذ الإيراني. حزب الله بالنسبة لطهران ليس مجرد حليف، بل ورقة ردع أمام إسرائيل، وأداة تفاوض غير مباشرة مع الولايات المتحدة، ورمز لقدرة إيران على التأثير خارج حدودها. لذلك فإن أي محاولة إسرائيلية لتقليص نفوذ حزب الله أو تغيير قواعد الاشتباك في لبنان تُقرأ في طهران باعتبارها استهدافاً لبنية النفوذ الإيراني نفسها.

أما إسرائيل، فهي لا تفاوض إيران على الاتفاق النووي فقط، بل على شكل الشرق الأوسط بعد الاتفاق. من منظور تل أبيب، الخطر ليس فقط أن تخصب إيران اليورانيوم، بل أن تخرج من الاتفاق أقوى سياسياً، وأكثر قدرة على تثبيت نفوذها في لبنان والشرق الأوسط. لهذا تحاول إسرائيل فرض معادلة جديدة: أي اتفاق نووي يجب ألا يتحول إلى اعتراف أمريكي ضمني بمنطقة نفوذ إيرانية. ومن هنا تأتي أهمية التصعيد في لبنان. الضربات، التهديدات، واستهداف البنى المرتبطة بحزب الله ليست فقط عمليات عسكرية، بل رسائل تفاوضية تقول إن إسرائيل لن تقبل أن يكون لبنان منطقة محمية إيرانياً.

لذلك يمكن القول إن واشنطن تتفاوض بالكلمات، بينما تتفاوض إسرائيل وإيران بالنار المحسوبة. إطلاق إيران صواريخ باتجاه إسرائيل بعد ضربات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية تؤكد أن لبنان أصبح مركزاً لاختبار الخطوط الحمراء بين الطرفين، لا مجرد جبهة جانبية. كما أن دعوة ترامب إلى ضبط التصعيد تكشف أن واشنطن تخشى أن تفسد الحسابات الإقليمية مشروع الاتفاق الذي تريده.

المشكلة إذن أن كل طرف يفاوض على شيء مختلف. أمريكا تريد اتفاقاً نووياً قابلاً للبيع سياسياً. إيران تريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي مع تقليل كلفة العقوبات. إسرائيل تريد منع إيران من تحويل الاتفاق إلى شرعية استراتيجية لمشروعها الإقليمي. وبين هذه الحسابات الثلاثة تقع المنطقة العربية، لا كطرف يحدد قواعد اللعبة دائماً، بل كساحة تُختبر عليها حدود القوة والردع.

مساحة إعلانية