رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يخضع التراث لطرفين متناقضين ظاهريا؛ لكنهما يجتمعان على غاية واحدة تتجلى في تغريب واغتراب وهجرة الواقع والارتماء خارج الزمان والمكان.
الطرف الأول يرى بوجوب شطب التراث، وطرف يرى أن التراث سوار يحيط بالعقل فيحبسه ويعزله، وينادي هذا بهضم ما عند الآخرين، فهو ينقلك من واقعك ومشاكله وخصوصيته وتراثه إلى تراث مغاير وواقع آخر مختلف في تكوينه تماما، كما يصر الطرف الثاني على حمل الواقع المرئي على المسطور المغيب في التراث، فيتجاوز الراهن وإشكالياته ليرميك في غربة واغتراب عن الواقع.
وفي مقالنا هذا نستعرض وجهة نظر تنويرية حقيقية لرجل أكاديمي ينطلق من فكرة الانتقال من الاستنساخ الدقيق إلى الاستنتاج العميق، ولا يحنط التراث، ولا يقدسه، ولا يركله، فكنه التراث كما يراه غليون «ذاكرة تاريخية إشارة إلى امتدادنا، أو بالأحرى عمقنا التاريخي على مستوى الرموز والمعاني، تماما كما تمثل جذور الشجرة عمقها الحيوي، الذي من دونه تطيح بها أي عاصفة، ولا يبقى منها أثر».
وينطلق غليون من الوعي بمكونات الهوية، فهي «ليست عنصرا واحدا وجوهرا خالصا؛ لكن يمكن تشبيهها بالخزانة، التي تضع فيها الشعوب أغراضها وأرصدتها وثقافاتها الجزئية، وتستعيدها، أو تنهل منها، وتعيد ترتيبها واستخدامها حسب الحاجة»، ويعمق غليون فكرة الغنى الحقيقي للشخصية القومية من خلال «غنى الخزانة التاريخية الثقافية والحضارية يعكس غنى الشخصية القومية، وعمق انزراعها في التاريخ، واتساع عتبة إدراكها وهامش مبادرتها الثقافية»، ويرى غليون أن التراث يسري في فكرنا وليس حيزا منفصلا، حيث لا يمكن النظر إلى التراث على أنه واقع منفصل عنا، وإنما عناصر متشربة في وعينا وثقافتنا وفكرنا الجماعي القائم؛ لكنها قابلة للتجاوز أيضا في كل حقبة. ويتدارك غليون الفشل في ترتيب عناصر هذا الوعي الاجتماعي، فينوه إلى أننا «إذا شعرنا أن هناك قطيعة بيننا وبين التراث، فلأننا لم ننجح في ترتيب عناصر هذا الوعي الاجتماعي التاريخي ذاته.
فلا ينبع ذلك من نقص التراث أو ضعفه أو سوئه، وإنما من فشل وعينا الراهن في أن يوحد عناصر هذا التراث/ الثقافة الممتدة عبر التاريخ، وخلطه المستمر بين أولوياتنا وأهدافنا، التي لا يملك غيره مفاتيح تأويل الماضي والحاضر على ضوئها»، ويجيب برهان عن العيش في التراث أو التخلي عنه، فينفي إمكانية ذلك «أننا لا يمكن أن نعيش في التراث بدون أن نحكم على أنفسنا بالموت في الحاضر، كما أننا لا يمكن أن نتخلى عن التراث من دون أن نشوه ذاتنا»، ويقرر غليون أن القطيعة قيد والشواهد حاضرة، وإذا قطعنا أنفسنا عنه اعتقادا بأننا نتحرر بذلك منه، فهو لن يقطع نفسه عنا، ولن يحررنا، وإنما سوف يظل يلاحقنا.
ثم دلل على صحة رأيه ببعض الشواهد التاريخية منها ما قام به كمال أتاتورك، ومحمد علي باشا والنظم الشيوعية؛ لكن النتيجة على حد رأي غليون «كانت أزمة هوية دفينة وأزمة ثقافية وأخلاقية شاملة ما لبثت أن عبرت عن نفسها بصورة انتقامية، فعادت الأمة الروسية إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وتركيا إلى الأردوغانية ومصر والأقطار العربية، التي شهدت تفتح أفكار النهضة في القرن الـ19، إلى موجة الحركات الإسلامية».
ويرتبط التعامل مع التراث بالنقاط الآتية:
التراث جزء حي فينا إما أن نستوعبه في صيغة وعينا الجديد، ونتجاوزه بوعي، أو أن يستوعبنا ويخنقنا.
الاعتقاد بأن هناك مخرجا بالقطع مع التراث يساوي الاعتقاد بأن قطع جذور الشجرة يغير من نوع الثمار، التي تنتجها، أو يترك المجال لظهور شجرة أفضل منها، بدل تطعيمها وتلقيحها.
بعكس ما يوحي به منطق التفكير الآلي أو الميكانيكي نحن لا نستعيد الماضي لما كان يمثله، وإنما نعيد اختراعه وإنتاجه في واقعنا لتلبية حاجات جديدة ومختلفة، ونشحنه بمعان ودلالات تعبر عن ظرفنا التاريخي وغاياتنا.
ولا يصبح هذا الماضي عثرة أمام فهمنا لواقعنا إلا عندما نستخدمه:
بديلا للتفكير الحي في هذا الواقع.
لغة جاهزة لمواجهة الصعوبات، التي تعترضنا، ويفشل وعينا وثقافتنا في فك رموزها ومواجهتها بوسائل عقلانية.
في هذه الحالة لن يصبح التراث أو عناصره المنفلتة من أي وعي جامع وحيٍّ عثرة أمام تفاعلنا مع الواقع الراهن فحسب، وإنما أكثر من ذلك حيث يتحول التراث نفسه في وعينا وأسلوب تعاملنا معه إلى صنم مقدس وموضع عبادة، بمقدار ما يزداد عجزنا عن إنتاج الوعي الجديد والحي بتحديات الوجود الراهن.
1- وما من شك في أن إنتاج هذا الوعي المطابق للواقع والمتفاعل معه لا يتوقف على نوعية التراث، وإنما هو منفصل عنه. فهو الذي يعيد وضع التراث في مكانه، ويتحكم به بدل أن يصبح عبدا له، وهذا يعني أن تخلفنا الثقافي ليس ثمرة ميكانيكية لتخلف التراث، الذي هو ثقافة الأجداد وسجل أفعالهم، وإنما لتخلف ثقافتنا الراهنة، التي تنتج الوعي الجماعي المتأخر والمتناقض والمشوش والعاجز والباحث عن ضمانة أو وصاية يستند إليها من الماضي أو الخارج العالمي والغربي اليوم.
2- وبفضل هذا الترتيب والتوضيب، الذي ذكرت لعناصر الثقافة/الثقافات، التي تمر على الشعوب، أمكن لأمة تكونت من مهاجرين من شتى الأصقاع، وشهدت تاريخا دمويا وعنصريا قاسيا، وكذلك تقدما سياسيا استثنائيا، وأقصد الأمة الأمريكية أن تستوعب ثقافة الإبادة الجماعية منقطعة النظير، التي شكلت التراث القومي لها في مرحلة ولادتها، وتتجاوزها نحو ثقافة جديدة متأثرة بالفكر التنويري والإنساني، الذي انتشر في أوروبا منذ النهضة، وما انطوى عليه من القيم الإنسانية الحديثة. ولم يمنع حرق قرى الهنود الأمريكيين من السكان الأصليين باسم الصليب والمسيح من أن تتحول هذه الأمة القاتلة إلى أول ديمقراطية في العالم، وتلهم شعوب الأرض فيما بعد قيم الحرية الفردية وحكم القانون والمؤسسات، حتى لو أن هذه الثقافة الوحشية ما تزال تشكل في مكان ما عنصرا قويا في وعي هذه الأمة وشخصيتها وهويتها الكلية. وينطبق هذا على أوروبا راعية الحروب الصليبية لما يقارب 4 قرون أيضا.
الغريب أن السلطات الأكثر قمعية وإفقارا لشعوبها ترفع رايات التجديد، وكل تجديدها محو وإثبات حسب ما يكرس حالات الضياع المجتمعي وبناء نظريات مهزوزة؛ حيث تكثر الدعوات التجديدية التي تريد في كثير من مسالكها بناء شخصية مسلوبة من أي قيمة شخصية لا تجيد فهم ذاتها، ولا التعاطي مع الراهن. فهل تراثنا الذي هو ديوان للعقل بكل مكوناته وألوانه هو سبب البلاء والتخلف الذي نحن فيه؟ يذهب غليون إلى أن جذر التخلف مرده إلى ضعف الاستثمار الرسمي في الثقافة المدنية أو ضعف التمدن؛ حيث يقول غليون «يكفي أن نمعن النظر في حجم استثمارات دولنا في الثقافة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وفي جميع فروعها ومقارنتها بسلوك الدول الأخرى، الأوروبية مثلا منذ 5 قرون أو أكثر، وتمويلها لثورة حقيقية في الفلسفة والعلوم والآداب والفنون. وإن أكثر ما يلفت النظر في مجتمعاتنا العربية اليوم هو ضعف الاستثمار إلى حد العدم في الثقافة، وفي البحث العلمي، وفي تشجيع الإنتاج الثقافي والفني».
وعلى النقيض تماما من السرديات المملة، التي تعزو ما نحن فيه من تخلف وتقهقر إلى التراث، يعزو غليون سبب «غياب المدنية أو ضعف التمدن» إلى الرأس السياسي، و»الصناعة التاريخية التي تقوم بها النظم والنخب الممسكة بالسلطة والثروة، وهي صناعة مستمرة يوما بيوم».
ثم يضع غليون الحقائق الآتية:
أقل أمة تقرأ وتنشر وتناقش وتناظر وتبدع وتفكر. هنا تكمن العلة الحقيقية لتأخرنا الأيديولوجي والثقافي والفني والسياسي، واعتمادنا العقلي والفكري والعاطفي على التراث، وتحنيط هذا التراث أيضا.
ما يطبع من كتب التراث اليوم يفوق أضعاف ما يطبع في مطابعنا من كتب البحث والتفكير والتأمل في الحياة الحاضرة وشؤون عصرنا وحضارتنا.
لسنا متخلفين اليوم لأن أجدادنا كانوا بدائيين.
لسنا متخلفين اليوم لأن أجدادنا لم يتركوا لنا تراثا عقليا أو فنيا أو دينيا مهما
بل ربما كان العكس هو الصحيح.
ثم يخلص غليون إلى أن التخلف الذي ما زلنا فيه إنما هو «صناعة النخب السائدة للمجتمع الهمجي الذي نحن أبناؤه اليوم»، بسبب:
احتقارها للثقافة. إطاحتها بالعقل والفكر.
رهانها على منطق القوة والإخضاع والترويع والتطويع للفرد.
هذه الصناعة/السياسة هي التي جعلت الماضي منارتنا الأعلى ورصيدنا الثقافي شبه الوحيد، الذي يعتد به حتى الآن.
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026