رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رغد أحمد العشي

طالبة في جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

183

رغد أحمد العشي

صاحب السر

02 يناير 2026 , 01:25ص

أبا عُبيدة، عرفناك بأمينِ هذه الأمة، لقبًا نوديتَ به فكنتَ له أهلًا، لقبًا قدَّمته على نفسك، أهلك، وعلى دنياك كلِّها. اخترتَ طريقًا وعرًا لا يسلكه إلا من خفَّت الدنيا في عينيه، طريقًا محفوفًا بالمخاطر، تُهدَّد فيه الأرواح قبل الأجساد، ومع ذلك مضيتَ غير ملتفت، ثابتَ الخطى، واضحَ الوجهة، لا تساوم ولا تنكص، كأنك تمشي على يقينٍ لا يعرف التردد.  كنتَ صوتَ وسيفَ المعنى حين عجز السلاح، ولسانَ الحق حين تواطأت الألسن. حملتَ الكلمة كالرايّة التي حملها أبا عُبيدة بِن الجرّاح في أشدِّ ساعات الانكسار، فرفعتها لا لتُسمَع فحسب، بل لتُرعب عدوك، وتوقظ أمةً مُتكلة. دورُك لم يكن جديدًا على سيرة العظماء، انه ذات الدور بزمن جديد فحسب، فكنت ذاته حينما قال به عمرُ رضي الله عنه: (كلنا غيرتنا الدنيا إلا انت يا أبا عبيدة). وهكذا كنتَ، زاهدًا في مكانتك، عزيزًا عن الأضواء، تشير بثبات سبابتك لعروشٍ مرتجفة، وكأنك تردد قوله: «إنما هي أيام وتمضي»

ثم وإذ بك حذيفة! إذ بك تقف في موضعٍ يشبه موضع صاحب سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحمل أسرار قومك، وتُخرجها للعالم بصدقٍ جارح، لا تخشى العدو. جعلتَ من صوتك عهدًا لا ينساه الصغير قبل الكبير، ومن دمك توقيعًا أخيرًا على شهادةٍ لم تُكتب إلا لأمثالك، وقد نلتها كاملة غير منقوصة، وذلك كما تمنيت، بل وسعيت.  خرجتَ في أبهى الهيئات، وأقسى نبرات التهديد، وأصدق بشارات الصابرين. لكنك ظهرت أخيرًا مثقَلَ الكتفين، كأنك تحمل وحدك همَّ شعبٍ بأسره، وكأن صوتك كان يُلقى في فراغٍ لا يردّ الصدى. ناديتَ، فقلّ كم من أجاب؟ واستصرختَ، فقل كم من سمع؟ فقد خان السمعُ الضمير وتخاذل القريب قبل البعيد. لقد كنتَ تعلم أن الكلمة تسبق الرصاصة، وأن الصدق قد يكون أقصر الطرق إلى الشهادة، فاخترتهما معًا، ومضيت. فهنيئًا لك الشهادة، وهنيئًا لخالد بن حذيفة بها، وهنيئًا لغزّة التي أنجبت رجالًا يُقاسون بالأثر لا بعدد السنوات. هنيئًا لأمةٍ عرفت فيك معنى الثبات، وإن خذلتك في لحظة الوداع. وها أنت تمضي، وقد خلّفت من بعدك صوتًا آخر، يستعير منك النظرة والنبرة ذاتها، ويقتفي الأثر نفسه بإذن الله، وذلك لأن الرسالة واحدة، والأرواح العظيمة واحدة.

مساحة إعلانية