رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

189

عادل الحامدي

خذلتنا الأنوار وبقيت غزة

21 يناير 2026 , 02:52ص

لم تكن خيبة العالم وليدة لحظة، بل تراكمًا طويلًا من الوعود المكسورة، والأفكار التي بدت يومًا خلاصًا قبل أن تنكشف هشاشتها أمام أول امتحان حقيقي للعدالة. جيلٌ كامل آمن بأن القيم الكونية قادرة على تجاوز الجغرافيا، وبأن الحرية والكرامة لا تُجزّأ، وبأن المعرفة طريق لا يخذل سالكيه. غير أن السنوات، بما حملته من صدمات وتجارب، كشفت أن كثيرًا من تلك القيم كانت انتقائية، تُرفع كشعارات وتُسقط عند أول تعارض مع المصالح.  وفي قلب هذا الانكشاف، وقفت فلسطين، ثم غزة، بوصفها اللحظة الفاصلة التي أسقطت الأقنعة، ووضعت العالم أمام صورته العارية. هنا، برزت جهود قطر ليس فقط بالمساعدات الإنسانية، بل أيضًا بالوساطة الدبلوماسية من أجل وقف النار وإنقاذ المدنيين، حتى أن دماء القطريين اختلطت بدم الفلسطينيين، شاهدة على التزامهم بالواجب الإنساني في ظل عالم يتراجع عن مسؤولياته.

في غزة، لا يأتي الموت على هيئة واحدة. يجيء قصفًا يختصر العمر في ثانية، وحصارًا يمدّه عذابًا على سنوات، وجوعًا يتسلّل ببطء إلى الأجساد، ومرضًا يُمنع عنه الدواء عمدًا، وخوفًا دائمًا لا ينام. في غزة، لا يُقتل الإنسان فقط، بل تُستنزف إنسانيته قبل أن يسقط جسده، وكأن المقصود ليس إنهاء الحياة، بل محو المعنى ذاته.

غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل شهادة حيّة على انهيار النظام الأخلاقي والقانوني العالمي. تُقصف المستشفيات، وتُستهدف المدارس، ويُترك الأطفال تحت الأنقاض، ثم تُكتب البيانات ببرود، وكأن الدم الفلسطيني تفصيل زائد في نشرات الأخبار. ما يحدث هناك ليس «أضرارًا جانبية»، بل جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب على مرأى من عالم يمتلك كل أدوات المنع، ويختار الصمت أو التواطؤ.

في السياسة الدولية، تكشف غزة هشاشة نظام دوليّ بُني على الكيل بمكيالين. تُعلَّق القوانين حين يكون الضحية فلسطينيًا، وتُعطَّل المحاسبة حين يكون الجاني محميًا بالقوة والنفوذ. دول ترفع رايات الحرية، لكنها تُصدّر السلاح، وتمنح الغطاء السياسي لمن يهدم البيوت فوق ساكنيها. هكذا تتحوّل السياسة الدولية من إدارة العلاقات بين الدول وحل النزاعات بالوسائل السلمية إلى شراكة في الجريمة، ومن حماية للشعوب إلى تنظيم للموت.

ما جرى في غزة يُصنَّف بوضوح ضمن جرائم الإبادة الجماعية، والحصار الجماعي، والاستهداف المتعمد للمدنيين، ومنع الغذاء والماء والدواء، كلها محرّمة بنصوص صريحة في القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، تقف العدالة الدولية عاجزة أو مترددة، وكأن القانون كُتب ليُطبّق على الضعفاء وحدهم، لا على من يملكون القوة، لا بل إن تلك العدالة نفسها أصبحت مستهدفة بالعقوبات الأمريكية مثلما هو الحال بالنسبة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية ودولة جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى ارتكاب الإبادة ضد الكيان الصهيوني.

لكن غزة ليست ملفات وتقارير، غزة بشر، أمهات يودّعن أبناءهن بلا كفن، وآباء يحفرون بأيديهم في الركام بحثًا عن حياة، وأطفال تعلّموا أسماء الطائرات قبل الحروف. ومع ذلك، لا تزال غزة تُنجب الصبر، وتعلّم العالم معنى الكرامة حين تُسلب كل أسبابها. هناك، يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو التشبث بالحياة موقفًا أخلاقيًا في وجه آلة الموت. دينيًا، ما يحدث في غزة امتحان للضمير الإنساني قبل أن يكون ابتلاءً لأهلها. فالقتل بغير حق من أعظم الجرائم، والسكوت عنه مشاركة فيه. يقول الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا». وغزة اليوم تُقتل ألف مرة، لا بيد الجاني وحده، بل بأيدي من يبرّر، ومن يصمت، ومن يساوي بين الضحية والجلاد.

ولأن الصمت لا يبقى محايدًا طويلًا، ولأن التواطؤ لا يتوقف عند لحظة الجريمة، يخطئ من يظنّ أن هذا الموت سيظلّ محصورًا في غزة، أو أن نيرانه ستنطفئ عند أسوارها.. فالتاريخ علّمنا أن الظلم لا يتوقف عند حدوده الأولى، وأن الدم إذا استُبيح في مكان، تجرّأ في أماكن أخرى. الموت الذي أصاب الفلسطينيين لن يستثني أحدًا من المتواطئين، بما في ذلك الجاني نفسه. فالأيام، كما شهدتها دول من قبل، لا تنسى، ولا تُهمل الحساب.

غزة اليوم ليست فقط مأساة شعب، بل مرآة عالم. فيها يُختبر معنى العدالة، وصدق القيم، وحدود الإنسانية. ومن خذلها الآن، سيجد نفسه يومًا واقفًا أمام السؤال ذاته: أين كنتَ حين كان الموت يُصنَّف، والضحايا يُنتقون، والحق يُدفن تحت الأنقاض؟

غزة، في جوهرها، ليست استثناءً في التاريخ، بل نتيجته حين يُترك الظلم بلا كلفة، ويُعاد تعريف الإنسانية وفق موازين القوة. ما يجري فيها اليوم يختصر مسار عالمٍ اختار أن يرى، ثم أن يتجاهل، ثم أن يبرّر. لكنها، رغم كل ذلك، ترفض أن تكون خاتمة القصة. ففي هذا الركام، حيث تتآكل الأجساد وتُحاصر الأرواح، يتشبث الفلسطيني بالحياة لا بوصفها غريزة فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في وجه عالم قرر التخلي عن معاييره. 

غزة لم تترك وحدها ؛ جهود قطر، سواء بالمساعدات الإنسانية أو الدبلوماسية، تجسد مثالًا حيًا على أن التضامن مع المستضعفين يحتاج أكثر من المال، يحتاج شجاعة وصدق التزام، حتى لو اختلط دم المُخلصين بدم الضحايا. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ماذا يحدث لغزة، بل ماذا يبقى من عالم يتجاهل أو يؤخر فعل العدالة؟!

مساحة إعلانية