رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن خيبة العالم وليدة لحظة، بل تراكمًا طويلًا من الوعود المكسورة، والأفكار التي بدت يومًا خلاصًا قبل أن تنكشف هشاشتها أمام أول امتحان حقيقي للعدالة. جيلٌ كامل آمن بأن القيم الكونية قادرة على تجاوز الجغرافيا، وبأن الحرية والكرامة لا تُجزّأ، وبأن المعرفة طريق لا يخذل سالكيه. غير أن السنوات، بما حملته من صدمات وتجارب، كشفت أن كثيرًا من تلك القيم كانت انتقائية، تُرفع كشعارات وتُسقط عند أول تعارض مع المصالح. وفي قلب هذا الانكشاف، وقفت فلسطين، ثم غزة، بوصفها اللحظة الفاصلة التي أسقطت الأقنعة، ووضعت العالم أمام صورته العارية. هنا، برزت جهود قطر ليس فقط بالمساعدات الإنسانية، بل أيضًا بالوساطة الدبلوماسية من أجل وقف النار وإنقاذ المدنيين، حتى أن دماء القطريين اختلطت بدم الفلسطينيين، شاهدة على التزامهم بالواجب الإنساني في ظل عالم يتراجع عن مسؤولياته.
في غزة، لا يأتي الموت على هيئة واحدة. يجيء قصفًا يختصر العمر في ثانية، وحصارًا يمدّه عذابًا على سنوات، وجوعًا يتسلّل ببطء إلى الأجساد، ومرضًا يُمنع عنه الدواء عمدًا، وخوفًا دائمًا لا ينام. في غزة، لا يُقتل الإنسان فقط، بل تُستنزف إنسانيته قبل أن يسقط جسده، وكأن المقصود ليس إنهاء الحياة، بل محو المعنى ذاته.
غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل شهادة حيّة على انهيار النظام الأخلاقي والقانوني العالمي. تُقصف المستشفيات، وتُستهدف المدارس، ويُترك الأطفال تحت الأنقاض، ثم تُكتب البيانات ببرود، وكأن الدم الفلسطيني تفصيل زائد في نشرات الأخبار. ما يحدث هناك ليس «أضرارًا جانبية»، بل جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب على مرأى من عالم يمتلك كل أدوات المنع، ويختار الصمت أو التواطؤ.
في السياسة الدولية، تكشف غزة هشاشة نظام دوليّ بُني على الكيل بمكيالين. تُعلَّق القوانين حين يكون الضحية فلسطينيًا، وتُعطَّل المحاسبة حين يكون الجاني محميًا بالقوة والنفوذ. دول ترفع رايات الحرية، لكنها تُصدّر السلاح، وتمنح الغطاء السياسي لمن يهدم البيوت فوق ساكنيها. هكذا تتحوّل السياسة الدولية من إدارة العلاقات بين الدول وحل النزاعات بالوسائل السلمية إلى شراكة في الجريمة، ومن حماية للشعوب إلى تنظيم للموت.
ما جرى في غزة يُصنَّف بوضوح ضمن جرائم الإبادة الجماعية، والحصار الجماعي، والاستهداف المتعمد للمدنيين، ومنع الغذاء والماء والدواء، كلها محرّمة بنصوص صريحة في القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، تقف العدالة الدولية عاجزة أو مترددة، وكأن القانون كُتب ليُطبّق على الضعفاء وحدهم، لا على من يملكون القوة، لا بل إن تلك العدالة نفسها أصبحت مستهدفة بالعقوبات الأمريكية مثلما هو الحال بالنسبة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية ودولة جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى ارتكاب الإبادة ضد الكيان الصهيوني.
لكن غزة ليست ملفات وتقارير، غزة بشر، أمهات يودّعن أبناءهن بلا كفن، وآباء يحفرون بأيديهم في الركام بحثًا عن حياة، وأطفال تعلّموا أسماء الطائرات قبل الحروف. ومع ذلك، لا تزال غزة تُنجب الصبر، وتعلّم العالم معنى الكرامة حين تُسلب كل أسبابها. هناك، يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو التشبث بالحياة موقفًا أخلاقيًا في وجه آلة الموت. دينيًا، ما يحدث في غزة امتحان للضمير الإنساني قبل أن يكون ابتلاءً لأهلها. فالقتل بغير حق من أعظم الجرائم، والسكوت عنه مشاركة فيه. يقول الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا». وغزة اليوم تُقتل ألف مرة، لا بيد الجاني وحده، بل بأيدي من يبرّر، ومن يصمت، ومن يساوي بين الضحية والجلاد.
ولأن الصمت لا يبقى محايدًا طويلًا، ولأن التواطؤ لا يتوقف عند لحظة الجريمة، يخطئ من يظنّ أن هذا الموت سيظلّ محصورًا في غزة، أو أن نيرانه ستنطفئ عند أسوارها.. فالتاريخ علّمنا أن الظلم لا يتوقف عند حدوده الأولى، وأن الدم إذا استُبيح في مكان، تجرّأ في أماكن أخرى. الموت الذي أصاب الفلسطينيين لن يستثني أحدًا من المتواطئين، بما في ذلك الجاني نفسه. فالأيام، كما شهدتها دول من قبل، لا تنسى، ولا تُهمل الحساب.
غزة اليوم ليست فقط مأساة شعب، بل مرآة عالم. فيها يُختبر معنى العدالة، وصدق القيم، وحدود الإنسانية. ومن خذلها الآن، سيجد نفسه يومًا واقفًا أمام السؤال ذاته: أين كنتَ حين كان الموت يُصنَّف، والضحايا يُنتقون، والحق يُدفن تحت الأنقاض؟
غزة، في جوهرها، ليست استثناءً في التاريخ، بل نتيجته حين يُترك الظلم بلا كلفة، ويُعاد تعريف الإنسانية وفق موازين القوة. ما يجري فيها اليوم يختصر مسار عالمٍ اختار أن يرى، ثم أن يتجاهل، ثم أن يبرّر. لكنها، رغم كل ذلك، ترفض أن تكون خاتمة القصة. ففي هذا الركام، حيث تتآكل الأجساد وتُحاصر الأرواح، يتشبث الفلسطيني بالحياة لا بوصفها غريزة فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في وجه عالم قرر التخلي عن معاييره.
غزة لم تترك وحدها ؛ جهود قطر، سواء بالمساعدات الإنسانية أو الدبلوماسية، تجسد مثالًا حيًا على أن التضامن مع المستضعفين يحتاج أكثر من المال، يحتاج شجاعة وصدق التزام، حتى لو اختلط دم المُخلصين بدم الضحايا. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ماذا يحدث لغزة، بل ماذا يبقى من عالم يتجاهل أو يؤخر فعل العدالة؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2592
| 01 مارس 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1059
| 26 فبراير 2026