رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من كان يظن أن الربيع العربي قد انتهى، فهو مخطئ وعليه مراجعة حساباته، والدليل ما جرى في سوريا، وأسباب الربيع لا تزال قائمة، ونحن بانتظار المحطة القادمة، فلا أعتقد أن فرعون يبصر ويعتبر بنفسه أو بغيره، فيستبق الأحداث، ويقوم بما هو مطلوب من إصلاح، ويجنب نفسه ومن معه ومن خلفه أولا، مصير فرعون الأول والقذافي وبشار، وغيرهم من آل فرعون كثير، ثم ثانياً، يحفظ العباد والبلاد من عدم الاستقرار والدمار. والربيع قادم، ما زالت أسبابه قائمة، ومتى ما تحققت شروطه، وتهيئة ظروفه، وما رأيناه منه لم يكن نهايته، بل بدايته، وموجة أولى منه، قد تتبعها موجات لا تكون كسابقاتها، وسيقوي بعضها الآخر، كالمطر إذا تتابع كان نبته أقوى وربيعه أفضل وأزهى. فمن يظن أنه قد تم وأد الربيع العربي بقهر العسكر، أو تآمر المتآمرين غرباً وشرقاً فهو مخطئ، بل إن القمع تمحيص وإعداد، وثمن لابد من دفعه ومرحلة لابد من اجتيازها لما بعدها، لإنضاج التجربة، وإعداد الأمة لما بعدها من توافق مجتمعي مطلوب وسلم أهلي مرغوب، وقبول بالآخر وإن اختلفت معه، واستقرار لا تتم التنمية والازدهار إلا به، فثمن الحرية غال، والانتقال إليها من الدكتاتورية لا يأتي فجاءة، بين عشية وضحاها، أو بدون ثمن، فلا بد من تضحيات ولا بد من تدرج، فهل تأتي التكلفة عالية والتحول عنيفاً، أم يكون في التجربة السورية عبرة ودرس، وتأتي أقل عنفاً وأكثر سلاسةً، أم لا هذا ولا ذاك وتظل أمة في ذيل الأمم وعلى هامش التاريخ؟
متلازمة فرعون
إن في ما حدث في سوريا لعبرة لمن يعتبر من الطغاة، ولكن هيهات هيهات، فعقلية فرعون هي هي لا تتغير، فظل يطارد موسى حتى عندما فتح موسى البحر له ولمن معه، بأمر ربه، تبعه فرعون بغيا وغرورا، ولا أعلم لماذا أقدم فرعون على ذلك؟ فالبحر لم يُفتح له، وهو ليس من فتحه، بل فتحه عدوه له، وفي فتحه أمر خارق غير طبيعي، فكان يجب على فرعون التوجس والحذر، والتوقف عند ذلك القدر، وقد رأى قبل ذلك من الآيات المفصلات المتتاليات ما فيه معتبر، ويُوجب الحذر، ولكن أعمى بصيرته الكبر، كما أعمى بصيرة إبليس قبله عندما رفض أمر السجود لآدم وهو أعلم من فرعون، وكما أعمى بصيرة بشار، الذي جاءته الدعوات والمبادرات من الحلفاء قبل الخصوم، لإجراء ولو بعض الإصلاحات، ولكنه أصر واستكبر وفجر. ويبدو أن في الأمر متلازمة، يصاب بها آل فرعون، «متلازمة فرعون» أو «عمى البصيرة» أو كما يطلق عليها أيضا «الانفصال عن الواقع» يصاب بها الطغاة سابقاً ولاحقاً، كفرعون ونمرود والقذافي وبشار وغيرهم كثير، ممن يلتصقون بالكرسي، التصاقاً لا يفكه إلا الموت، ويعمي بصائرهم الكبر والغرور، ويظنون أنهم يمتلكون البلاد والعباد، وما فوق الأرض وما تحتها، وأنهم يفلتون من الحساب والعقاب، فالغرور والكبر يعميان البصيرة وإن كانوا مبصرين، فسار فرعون لحتفه بنفسه وهو يرى بعينين مبصرتين، وأضلّ فرعون من معه، وقادهم للهلاك، وقبلها كان يقول لهم «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وهم صدقوه واتبعوه.
رؤية فرعون
وهنا تتبين أهمية ثنائية الرؤية والقيادة، في من يتولى أمر الأمة، فكما أن الرؤية السليمة هي أهم شرط للقيادة الرشيدة، فإن الرؤية الضالة (إن جاز التعبير) تورد الهلاك، كما أن الـقيادة بلا رؤية كالأعمى الذي يتخبط ولا يصل إلى هدف، وقد يؤذي نفسه، والرؤية تستوجب وضع الخطط للوصول إلى الأهداف، فهي إما أن تأخذ إلى طريق النجاح (في الدنيا)، والنجاة (في الآخرة)، أو الدمار والهلاك في الاثنتين.
ولكن بئس الرؤية وبئس القيادة لفرعون، «وأضل فرعون قومه وما هدى»، «فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد» فكما أن فرعون قد أضلّ قومه وانقادوا هم له، وقادهم هو للهلاك في الدنيا، فهو أيضا يقودهم للعذاب وللتعاسة الأبدية في الآخرة، فهو «يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود». فلابد أن ينالوا نصيبهم من العقاب والعذاب بما صنعت أيديهم باتباع فرعون والانصياع له، وقد رأوا من الآيات المفصلات ما يكفي «وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها…» ولكنهم آثروا اتباع فرعون، فأطاعوه وقبلوا قيادته، فهم ليسوا أبرياء ولا معذورين، فعليهم تحمل نتائج اختيارهم وإلى أين يقودهم، أما الذين يثبتون أركان نظام فرعون من جند وعساكر، ودعاة ضلال وتضليل، وتطبيل وإعلام فاسد فهم شركاء، وإن ادعوا أنهم عبيد مأمورين، فهم شركاء متكسبون مستفيدون من نظام فرعون، وقد حصلوا على ما يريدون، ولو هم لما تفرعن فرعون ولما بقي على كرسيه ولما أفسد وطغى، فبئس العذر وما أقبحه. وقد وصف الله قوم فرعون بالفسق لسذاجتهم وخفة عقولهم بطاعة فرعون «فاستخف قومه وأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين» والفسق هو الخروج عن الطاعة للإفساد، وهي صفة قد نعت الله بها ابليس وطرده بسببها من رحمته عندما تكبر على أمره ورفض السجود لآدم، وقد ذكرها الله أيضا كشرط لتدمير من تحققت فيهم من القرى والأمم، «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فما بالك إذا كانوا منافقين ومضللين، وهم كثيرون، ممن يثبتون أركان أنظمة الطغاة الظالمين، ويتكسبون من وراء ذلك، فهم شركاء معهم ومستفيدون منهم. «ونادى فرعون في قومه، قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون» وكان قد بنى بعض القصور على نهر النيل، حتى قال تعالى، «فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين». وعلى النقيض من هؤلاء، هناك فئة أخرى ثبتت ولم يستطع فرعون إغواءها وإغراءها أو استخفافها ولم تنصع لأمره، متمثلة في امرأة فرعون وسحرته، وقد نأت هذه الفئة بنفسها عن فرعون بعدما رأت الآيات وتبين لها حقيقة أمره، رغم ما أصابها من العذاب.
آل فرعون ما أكثرهم
آل فرعون من بعده كثير، وما أكثرهم في يومنا هذا. «وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» ولاحظ التعبير الشامل بآل فرعون وليس قوم فرعون، ولم يقل أدخلوا فرعون وقومه أشد العذاب. فليس من المنطق أن يقتصر الأمر على فرعون موسى فحسب، فمن هم على شاكلته من الفراعنة والطواغيت كثير، وربما منهم من سفكوا من الدماء أكثر منه، وعاثوا في البلاد فساداً وفي العباد استبداداً، ولكن فرعون يمثلهم وهو إمامهم وقائدهم، وقد تجاوز في طغيانه كل الحدود بأن ادعى الألوهية لنفسه علناً من دون الله، وقد رأى من الآيات المتتاليات المفصلات ما فيه معتبر، وأبى واستكبر وأصر على كفره. فكل طاغية مستبد مفسد في الأرض على شاكلة فرعون، هو من آل فرعون.
سنن الله ويده الخفية
فتجد من المحللين المعللين، المحبطين الذين يقللون من شأن ثورات الشعوب التواقة للحرية، وأسباب اندلاعها وعوامل نجاحها، ممن يتلمسون الأعذار خلف الأعذار، فيقول أنه لولا حلف الناتو لما سقط نظام القذافي، ولولا انشغال روسيا بأوكرانيا وحزب الله بإسرائيل لما سقط الأسد، وكأنه يريد أن يقلل من مساوئ هؤلاء ومن مسببات سقوط أمثالهم، بسوء أعمالهم وظلمهم، وما كسبت أيديهم، ويبطل آلة عمل الله، ويعطل يده الخفية، وسننه الكونية، إن كانت بتحقيق التوازن أو العدل أو غير ذلك، وإن كانت بالتضاد أو التدافع أو الاستدراج أو غير ذلك. فالأمر ليس محض صدفة ولا عشوائية، وأقول لهؤلاء، فلو لم تتعلق امرأة فرعون بموسى الطفل، لقتله فرعون ولما كبر وكان سببا في زوال ملك فرعون، ولكن الله يقول لموسى «وألقيت عليك محبة مني»، ولو لم تهب الريح (بأمر ربها) وتقتلع جيش الأحزاب، لما ولوا الأدبار خائبين مدحورين ولربما لم يصلنا الإسلام اليوم، ولو لم يمت إمبراطور المغول مونكو خان (بأجل الله) لما اضطر أخوه هولاكو للعودة بجزء كبير من جيشه لعاصمته بسبب الصراع على السلطة، وترك من ينوب عنه ليتوسع ليضم مصر وهي آخر ما بقي من قلاع الإسلام في الشرق بعد أن دمر التتار العراق والشام، ولربما لم يكن للمماليك بقيادة السلطان قطز إلحاق الهزيمة الساحقة بالتتار في عين جالوت التي كانت سببا في انفراط عقدهم بشكل سريع ومفاجئ وتوالي الهزائم الساحقة عليهم وإجلائهم من الشام وانحسار نفوذهم إلى أعالي خرسان. ومن المفارقات في هذه القصة، أن قطز هو ابن اخت آخر سلاطين الدولة الخوارزمية قبل أن يقضي عليها المغول ويخطفوا قطز الطفل ليبيعوه في سوق النخاسة بالشام لينتهي به الأمر في ملك السلطان المملوكي عز الدين أيبك بمصر، ليكون بعد ذلك سبباً في هزيمتهم وزوال دولتهم في الشام وغيرها من أرض الإسلام، وكانت فترة حكمه أقل من سنة، فكأن الله قد أراده وأتى به لهذه المهمة، كما أراد لأهل أدلب المدينة الصغيرة أن يكونوا سببا في تحرير سوريا من عقود من قبضة نظام الأسد الدموي. فلكل سبب محسوس وملموس، ولكن الله هو مسبب الأسباب، وهازم الأحزاب، ويده فوق كل يد، تعمل في الخفاء، وتجري الأسباب، بمشيئته وبموجب قانونه وسنته، «ولن تجد لسنة الله تبديلا» فهي آيات يراها المؤمن، ويصد الله عنها الظالمين «ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء».
لم يمت الربيع
فالربيع العربي لم يمت ولا ينبغي له ذلك، لأن أسبابه لا تزال قائمة، بل وتعمقت، وازدادت أنظمة الفساد فساداً والطغيان استبدادًا، وأحوال الشعوب سوءاً على سوئها، ولكنها في المقابل ازدادت وعيا ويقيناً ومعرفةً بطريق خلاصها، فمن يراهن على وقفها دون ذلك، متى ما ارادت حقا ذلك، كمن يريد أن يقف عبثا في وجه طوفان جارف، سيجرفه عاجلاً أم آجلاً إلى مخلفات التاريخ، فلا رجعة إلى الوراء، ولا بديل أمام هؤلاء، فإما الإصلاح أو الرحيل، فهل يحدث المستحيل، ويتواضع فرعون ويُصلح أو يستقيل، دون دفع ثمن ثقيل، فلم تزدد أنظمة الطغيان بعد الربيع الأول إلا غيا وطغياناً، وفشلاً وضلالاً، فلا رؤى تواكب تطلعات الشعوب التواقة للحرية والعدالة والعيش الكريم، ولا إصلاحات ولا حلول لتراكمات عقود من الاستبداد والفساد، أدت فيما أدت إلى الارتداد، وإخلال هذه الأنظمة بجانبها من عقد اجتماعي يتآكل شيئا فشيئا، وقد كان يفترض أن توفر بمقتضاه لشعوبها سبل العيش الكريم مقابل عدم المساءلة السياسية، ولكن حلف الثورات المضادة يريدها جبراً طغاةً مستبدين، على شعوب سئمت الاستبداد والفساد، دون أدنى إصلاح، فأفق الطغاة المستبدين، عسكراً كانوا أو مدنيين، ضيق لا يتسع لذلك، وعمى البصيرة مستفحل ويحول دون ذلك، فغرور القوة يعمي البصيرة وإن كانوا مبصرين، والخشية من قادماتٍ لربيعٍ عربيٍ عنيفة لا كسابقاتها، كردة فعلٍ طبيعيةٍ على عنف الثروات المضادة، وقمع أنظمتها الوحشي لموجتها الأولى، وغياب الحلول وفقدان الأمل والرجاء، وازدياد الأوضاع السياسية سوءاً، والأحوال الاقتصادية والمعيشية تردياً، وتحميل البلاد من الديون فوق طاقتها، حتى كبلت سيادتها بذراع اقتصادية طويلة لاستعمار غربي قديم، وبسياسات تدّعي في ظاهرها الإصلاح، وهي في باطنها كمن يصب الزيت على النار، فلا تزيد السيئ إلا سوءا، وقد علمتنا أدبيات الاقتصاد السياسي أن الشعوب تثور عندما ترى أن مكاسب الثورة أكبر من عدمها، فكلما ازدادت أوضاع الشعوب سوءاً وبؤساً، كلما كانت دوافع الثورة أشد وأقوى، ومكاسبها المتوقعة أكبر وأرجى، وعلى أية حال فلن تعود عجلة الزمان أدارجها، فقد يكون هناك تأخر أو تعثر، وقد تلعب الأموال دوراً في ذلك هنا وهناك ولكنها لن توقفها، طالما تحققت شروطها، وتهيأت ظروفها، «فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون» وهو ما نراه شيئاً منه رأي العين، وما نؤمن به إيمان اليقين، «ولكل أجل كتاب» فهذه أمة القرآن، لا تموت، نعم تتعثر وتتأخر ولكنها تنهض من جديد «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5928
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2772
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2478
| 02 يونيو 2026