رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من كان يظن أن الربيع العربي قد انتهى، فهو مخطئ وعليه مراجعة حساباته، والدليل ما جرى في سوريا، وأسباب الربيع لا تزال قائمة، ونحن بانتظار المحطة القادمة، فلا أعتقد أن فرعون يبصر ويعتبر بنفسه أو بغيره، فيستبق الأحداث، ويقوم بما هو مطلوب من إصلاح، ويجنب نفسه ومن معه ومن خلفه أولا، مصير فرعون الأول والقذافي وبشار، وغيرهم من آل فرعون كثير، ثم ثانياً، يحفظ العباد والبلاد من عدم الاستقرار والدمار. والربيع قادم، ما زالت أسبابه قائمة، ومتى ما تحققت شروطه، وتهيئة ظروفه، وما رأيناه منه لم يكن نهايته، بل بدايته، وموجة أولى منه، قد تتبعها موجات لا تكون كسابقاتها، وسيقوي بعضها الآخر، كالمطر إذا تتابع كان نبته أقوى وربيعه أفضل وأزهى. فمن يظن أنه قد تم وأد الربيع العربي بقهر العسكر، أو تآمر المتآمرين غرباً وشرقاً فهو مخطئ، بل إن القمع تمحيص وإعداد، وثمن لابد من دفعه ومرحلة لابد من اجتيازها لما بعدها، لإنضاج التجربة، وإعداد الأمة لما بعدها من توافق مجتمعي مطلوب وسلم أهلي مرغوب، وقبول بالآخر وإن اختلفت معه، واستقرار لا تتم التنمية والازدهار إلا به، فثمن الحرية غال، والانتقال إليها من الدكتاتورية لا يأتي فجاءة، بين عشية وضحاها، أو بدون ثمن، فلا بد من تضحيات ولا بد من تدرج، فهل تأتي التكلفة عالية والتحول عنيفاً، أم يكون في التجربة السورية عبرة ودرس، وتأتي أقل عنفاً وأكثر سلاسةً، أم لا هذا ولا ذاك وتظل أمة في ذيل الأمم وعلى هامش التاريخ؟
متلازمة فرعون
إن في ما حدث في سوريا لعبرة لمن يعتبر من الطغاة، ولكن هيهات هيهات، فعقلية فرعون هي هي لا تتغير، فظل يطارد موسى حتى عندما فتح موسى البحر له ولمن معه، بأمر ربه، تبعه فرعون بغيا وغرورا، ولا أعلم لماذا أقدم فرعون على ذلك؟ فالبحر لم يُفتح له، وهو ليس من فتحه، بل فتحه عدوه له، وفي فتحه أمر خارق غير طبيعي، فكان يجب على فرعون التوجس والحذر، والتوقف عند ذلك القدر، وقد رأى قبل ذلك من الآيات المفصلات المتتاليات ما فيه معتبر، ويُوجب الحذر، ولكن أعمى بصيرته الكبر، كما أعمى بصيرة إبليس قبله عندما رفض أمر السجود لآدم وهو أعلم من فرعون، وكما أعمى بصيرة بشار، الذي جاءته الدعوات والمبادرات من الحلفاء قبل الخصوم، لإجراء ولو بعض الإصلاحات، ولكنه أصر واستكبر وفجر. ويبدو أن في الأمر متلازمة، يصاب بها آل فرعون، «متلازمة فرعون» أو «عمى البصيرة» أو كما يطلق عليها أيضا «الانفصال عن الواقع» يصاب بها الطغاة سابقاً ولاحقاً، كفرعون ونمرود والقذافي وبشار وغيرهم كثير، ممن يلتصقون بالكرسي، التصاقاً لا يفكه إلا الموت، ويعمي بصائرهم الكبر والغرور، ويظنون أنهم يمتلكون البلاد والعباد، وما فوق الأرض وما تحتها، وأنهم يفلتون من الحساب والعقاب، فالغرور والكبر يعميان البصيرة وإن كانوا مبصرين، فسار فرعون لحتفه بنفسه وهو يرى بعينين مبصرتين، وأضلّ فرعون من معه، وقادهم للهلاك، وقبلها كان يقول لهم «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وهم صدقوه واتبعوه.
رؤية فرعون
وهنا تتبين أهمية ثنائية الرؤية والقيادة، في من يتولى أمر الأمة، فكما أن الرؤية السليمة هي أهم شرط للقيادة الرشيدة، فإن الرؤية الضالة (إن جاز التعبير) تورد الهلاك، كما أن الـقيادة بلا رؤية كالأعمى الذي يتخبط ولا يصل إلى هدف، وقد يؤذي نفسه، والرؤية تستوجب وضع الخطط للوصول إلى الأهداف، فهي إما أن تأخذ إلى طريق النجاح (في الدنيا)، والنجاة (في الآخرة)، أو الدمار والهلاك في الاثنتين.
ولكن بئس الرؤية وبئس القيادة لفرعون، «وأضل فرعون قومه وما هدى»، «فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد» فكما أن فرعون قد أضلّ قومه وانقادوا هم له، وقادهم هو للهلاك في الدنيا، فهو أيضا يقودهم للعذاب وللتعاسة الأبدية في الآخرة، فهو «يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود». فلابد أن ينالوا نصيبهم من العقاب والعذاب بما صنعت أيديهم باتباع فرعون والانصياع له، وقد رأوا من الآيات المفصلات ما يكفي «وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها…» ولكنهم آثروا اتباع فرعون، فأطاعوه وقبلوا قيادته، فهم ليسوا أبرياء ولا معذورين، فعليهم تحمل نتائج اختيارهم وإلى أين يقودهم، أما الذين يثبتون أركان نظام فرعون من جند وعساكر، ودعاة ضلال وتضليل، وتطبيل وإعلام فاسد فهم شركاء، وإن ادعوا أنهم عبيد مأمورين، فهم شركاء متكسبون مستفيدون من نظام فرعون، وقد حصلوا على ما يريدون، ولو هم لما تفرعن فرعون ولما بقي على كرسيه ولما أفسد وطغى، فبئس العذر وما أقبحه. وقد وصف الله قوم فرعون بالفسق لسذاجتهم وخفة عقولهم بطاعة فرعون «فاستخف قومه وأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين» والفسق هو الخروج عن الطاعة للإفساد، وهي صفة قد نعت الله بها ابليس وطرده بسببها من رحمته عندما تكبر على أمره ورفض السجود لآدم، وقد ذكرها الله أيضا كشرط لتدمير من تحققت فيهم من القرى والأمم، «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فما بالك إذا كانوا منافقين ومضللين، وهم كثيرون، ممن يثبتون أركان أنظمة الطغاة الظالمين، ويتكسبون من وراء ذلك، فهم شركاء معهم ومستفيدون منهم. «ونادى فرعون في قومه، قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون» وكان قد بنى بعض القصور على نهر النيل، حتى قال تعالى، «فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين». وعلى النقيض من هؤلاء، هناك فئة أخرى ثبتت ولم يستطع فرعون إغواءها وإغراءها أو استخفافها ولم تنصع لأمره، متمثلة في امرأة فرعون وسحرته، وقد نأت هذه الفئة بنفسها عن فرعون بعدما رأت الآيات وتبين لها حقيقة أمره، رغم ما أصابها من العذاب.
آل فرعون ما أكثرهم
آل فرعون من بعده كثير، وما أكثرهم في يومنا هذا. «وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» ولاحظ التعبير الشامل بآل فرعون وليس قوم فرعون، ولم يقل أدخلوا فرعون وقومه أشد العذاب. فليس من المنطق أن يقتصر الأمر على فرعون موسى فحسب، فمن هم على شاكلته من الفراعنة والطواغيت كثير، وربما منهم من سفكوا من الدماء أكثر منه، وعاثوا في البلاد فساداً وفي العباد استبداداً، ولكن فرعون يمثلهم وهو إمامهم وقائدهم، وقد تجاوز في طغيانه كل الحدود بأن ادعى الألوهية لنفسه علناً من دون الله، وقد رأى من الآيات المتتاليات المفصلات ما فيه معتبر، وأبى واستكبر وأصر على كفره. فكل طاغية مستبد مفسد في الأرض على شاكلة فرعون، هو من آل فرعون.
سنن الله ويده الخفية
فتجد من المحللين المعللين، المحبطين الذين يقللون من شأن ثورات الشعوب التواقة للحرية، وأسباب اندلاعها وعوامل نجاحها، ممن يتلمسون الأعذار خلف الأعذار، فيقول أنه لولا حلف الناتو لما سقط نظام القذافي، ولولا انشغال روسيا بأوكرانيا وحزب الله بإسرائيل لما سقط الأسد، وكأنه يريد أن يقلل من مساوئ هؤلاء ومن مسببات سقوط أمثالهم، بسوء أعمالهم وظلمهم، وما كسبت أيديهم، ويبطل آلة عمل الله، ويعطل يده الخفية، وسننه الكونية، إن كانت بتحقيق التوازن أو العدل أو غير ذلك، وإن كانت بالتضاد أو التدافع أو الاستدراج أو غير ذلك. فالأمر ليس محض صدفة ولا عشوائية، وأقول لهؤلاء، فلو لم تتعلق امرأة فرعون بموسى الطفل، لقتله فرعون ولما كبر وكان سببا في زوال ملك فرعون، ولكن الله يقول لموسى «وألقيت عليك محبة مني»، ولو لم تهب الريح (بأمر ربها) وتقتلع جيش الأحزاب، لما ولوا الأدبار خائبين مدحورين ولربما لم يصلنا الإسلام اليوم، ولو لم يمت إمبراطور المغول مونكو خان (بأجل الله) لما اضطر أخوه هولاكو للعودة بجزء كبير من جيشه لعاصمته بسبب الصراع على السلطة، وترك من ينوب عنه ليتوسع ليضم مصر وهي آخر ما بقي من قلاع الإسلام في الشرق بعد أن دمر التتار العراق والشام، ولربما لم يكن للمماليك بقيادة السلطان قطز إلحاق الهزيمة الساحقة بالتتار في عين جالوت التي كانت سببا في انفراط عقدهم بشكل سريع ومفاجئ وتوالي الهزائم الساحقة عليهم وإجلائهم من الشام وانحسار نفوذهم إلى أعالي خرسان. ومن المفارقات في هذه القصة، أن قطز هو ابن اخت آخر سلاطين الدولة الخوارزمية قبل أن يقضي عليها المغول ويخطفوا قطز الطفل ليبيعوه في سوق النخاسة بالشام لينتهي به الأمر في ملك السلطان المملوكي عز الدين أيبك بمصر، ليكون بعد ذلك سبباً في هزيمتهم وزوال دولتهم في الشام وغيرها من أرض الإسلام، وكانت فترة حكمه أقل من سنة، فكأن الله قد أراده وأتى به لهذه المهمة، كما أراد لأهل أدلب المدينة الصغيرة أن يكونوا سببا في تحرير سوريا من عقود من قبضة نظام الأسد الدموي. فلكل سبب محسوس وملموس، ولكن الله هو مسبب الأسباب، وهازم الأحزاب، ويده فوق كل يد، تعمل في الخفاء، وتجري الأسباب، بمشيئته وبموجب قانونه وسنته، «ولن تجد لسنة الله تبديلا» فهي آيات يراها المؤمن، ويصد الله عنها الظالمين «ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء».
لم يمت الربيع
فالربيع العربي لم يمت ولا ينبغي له ذلك، لأن أسبابه لا تزال قائمة، بل وتعمقت، وازدادت أنظمة الفساد فساداً والطغيان استبدادًا، وأحوال الشعوب سوءاً على سوئها، ولكنها في المقابل ازدادت وعيا ويقيناً ومعرفةً بطريق خلاصها، فمن يراهن على وقفها دون ذلك، متى ما ارادت حقا ذلك، كمن يريد أن يقف عبثا في وجه طوفان جارف، سيجرفه عاجلاً أم آجلاً إلى مخلفات التاريخ، فلا رجعة إلى الوراء، ولا بديل أمام هؤلاء، فإما الإصلاح أو الرحيل، فهل يحدث المستحيل، ويتواضع فرعون ويُصلح أو يستقيل، دون دفع ثمن ثقيل، فلم تزدد أنظمة الطغيان بعد الربيع الأول إلا غيا وطغياناً، وفشلاً وضلالاً، فلا رؤى تواكب تطلعات الشعوب التواقة للحرية والعدالة والعيش الكريم، ولا إصلاحات ولا حلول لتراكمات عقود من الاستبداد والفساد، أدت فيما أدت إلى الارتداد، وإخلال هذه الأنظمة بجانبها من عقد اجتماعي يتآكل شيئا فشيئا، وقد كان يفترض أن توفر بمقتضاه لشعوبها سبل العيش الكريم مقابل عدم المساءلة السياسية، ولكن حلف الثورات المضادة يريدها جبراً طغاةً مستبدين، على شعوب سئمت الاستبداد والفساد، دون أدنى إصلاح، فأفق الطغاة المستبدين، عسكراً كانوا أو مدنيين، ضيق لا يتسع لذلك، وعمى البصيرة مستفحل ويحول دون ذلك، فغرور القوة يعمي البصيرة وإن كانوا مبصرين، والخشية من قادماتٍ لربيعٍ عربيٍ عنيفة لا كسابقاتها، كردة فعلٍ طبيعيةٍ على عنف الثروات المضادة، وقمع أنظمتها الوحشي لموجتها الأولى، وغياب الحلول وفقدان الأمل والرجاء، وازدياد الأوضاع السياسية سوءاً، والأحوال الاقتصادية والمعيشية تردياً، وتحميل البلاد من الديون فوق طاقتها، حتى كبلت سيادتها بذراع اقتصادية طويلة لاستعمار غربي قديم، وبسياسات تدّعي في ظاهرها الإصلاح، وهي في باطنها كمن يصب الزيت على النار، فلا تزيد السيئ إلا سوءا، وقد علمتنا أدبيات الاقتصاد السياسي أن الشعوب تثور عندما ترى أن مكاسب الثورة أكبر من عدمها، فكلما ازدادت أوضاع الشعوب سوءاً وبؤساً، كلما كانت دوافع الثورة أشد وأقوى، ومكاسبها المتوقعة أكبر وأرجى، وعلى أية حال فلن تعود عجلة الزمان أدارجها، فقد يكون هناك تأخر أو تعثر، وقد تلعب الأموال دوراً في ذلك هنا وهناك ولكنها لن توقفها، طالما تحققت شروطها، وتهيأت ظروفها، «فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون» وهو ما نراه شيئاً منه رأي العين، وما نؤمن به إيمان اليقين، «ولكل أجل كتاب» فهذه أمة القرآن، لا تموت، نعم تتعثر وتتأخر ولكنها تنهض من جديد «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
زمن بلا بوصلة
ليس السؤال: ماذا تفعل المنصّات بنا؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حين سلّمنا عقولنا لزرّ الإعجاب. في لحظةٍ... اقرأ المزيد
114
| 17 أبريل 2026
صديق تسوءه وعدو تسرّه..
قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعًا في بطني فنهرني ثم قال: يا ابن... اقرأ المزيد
159
| 17 أبريل 2026
نعمة الأمن والأمان
إذا سألني سائل عن أعظم نعمة في الدنيا بعد الإيمان بالله ورسوله، قلت له دون تفكير عميق: هو... اقرأ المزيد
87
| 17 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.
3522
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة المدنية والمنشآت ولا علاقة لها بالقواعد العسكرية - يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات بما فيها قاعدة العديد القطرية - «الجزيرة» أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي ليطرح وجهة نظره - قطر الدولة الوحيدة التي استُهدِفَت بجميع التهديدات الجوية الإيرانية - إيران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان قبل استهداف منشآتها للطاقة -إيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخاً باليستياً و12 طائرة مسيّرة في اليوم الأول فقط! -الهجمات الإجرامية استهدفت مصادر تموّل بها قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الأرض ما عرضته قناة الجزيرة مساء الجمعة ليس مجرد فيلم وثائقي عابر، بل يمثل توثيقا مهما لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر والمنطقة بأسرها، تعرضت خلالها لاعتداءات عسكرية من قبل إيران بصورة أثبتت الشواهد أنه معد لها بصورة مسبقة. * برنامج «ما خفي أعظم» في حلقته «على خط النار» بات يمثل مرجعاً توثيقياً لوقائع استثنائية عرضها بكل شفافية ومهنية، وكشف عن مجموعة من الحقائق التي دحضت المزاعم الإيرانية التي كانت تسوّق أن الاستهداف كان موجها لما تدعيه كذباً «القواعد العسكرية الأمريكية «، بينما الواقع أثبت أن الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة العامة: المدنية والحيوية والمرافق والمنشآت والبنى التحتية للدولة والمجتمع. يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات، بما فيها تناول «قاعدة العديد» القطرية، وتسليط الضوء على كل الاماكن التي تعرضت للهجمات الإيرانية، ويحسب لقناة الجزيرة أيضا أنها لم تنظر فقط بعين قطرية للاعتداءات التي تعرضت لها قطر، حتى لا يقال إنها «جاملت قطر»، بل أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي بطرح وجهة نظره من خلال استضافة متحدث بوزارة الخارجية الإيرانية، وهو أمر قد لا يكون مألوفا كذلك أن تعطي مساحة من الرأي لمعتد بطرح وجهة نظره، التي قابلها سعادة الدكتور ماجد الأنصاري مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية بسرد الحقائق، بعد أن دحض أكاذيب الجانب الايراني، وفند ادعاءاته الباطلة، وعراه أمام المشاهدين. * أن يكون الاستهداف الإيراني لدولة قطر منذ الوهلة الاولى - وتحديدا بعد 10 دقائق - لهجوم أمريكي اسرائيلي تعرضت له، فهذا يطرح تساؤلات عن نوايا إيران المبيتة تجاه قطر والخليج عموما، فكيف تحققت إيران من المعلومات، وكيف استطاعت تمييز أن هذه الهجمات انطلقت من قطر، على الرغم من كل التأكيدات التي صدرت من دولة قطر قبل أن تبدأ الحرب، بأنها تنأى بنفسها عن هذا الصراع، ولن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها، وليس هذا فقط، بل إن قطر كانت منخرطة في دعم إيجاد حل عبر الحوار للخلاف الإيراني الأمريكي، وحتى اللحظات الأخيرة كانت قطر تدفع نحو منع نشوب حرب بالمنطقة، فإذا بإيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخا باليستيا و12 طائرة مسيّرة في اليوم الاول فقط (بداية عملية الاستهداف) من مجموع 537 هجمة جوية تعرضت لها قطر طوال أيام الحرب، وكانت قطر الدولة الوحيدة التي استهدفت بجميع التهديدات الجوية من صواريخ باليستية إلى طائرات مسيرة إلى صواريخ مجنحة وانتهاء بطائرات مقاتلة سوخوي 24. * ومن تابع حلقة البرنامج شاهد بوضوح أن الهجمات العسكرية الإيرانية تركزت على المناطق العامة في قطر: مرافق مدنية وحيوية، مطار حمد الدولي، منشآت طاقة ومياه، بنى تحتية، فنادق، مناطق سكنية، من ذلك على سبيل المثال منطقة لوسيل السكنية، الحي الأرجنتيني (نسبة لمشجعي منتخب الأرجنتين خلال كأس العالم 2022 بالدوحة الذين سكنوا فيه)، المنطقة الصناعية، شوارع رئيسية، ومناطق حيوية أخرى.. فما علاقة كل هذه المرافق والمنشآت بالمزاعم الإيرانية الجوفاء بأنها تستهدف قواعد عسكرية أمريكية..؟!! فهل هذه أهداف أمريكية أم منشآت قطرية ومن الذي تضرر بالفعل قطر الدولة والشعب أم أمريكا؟! بل إن ايران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان في قطر قبل أن يتم استهداف منشآتها للطاقة من قبل إسرائيل، التي قامت قطر بإدانة استهدافها، وإذا بنا في المساء تقوم إيران بمكافأة قطر باستهداف منشآتها للغاز في حقل الشمال !! * هذه الهجمات الإجرامية نتج عنها إصابات بشظايا وسقوط حطام في مناطق سكنية لمواطنين ومقيمين مدنيين بينهم طفلة قطرية، لكن بفضل من الله ثم الأجهزة الأمنية التي سيطرت على الموقف وحافظت على الأمن والاستقرار، وظلت حياة الناس اليومية تسير دون تغيير أو إرباك، وهو أمر تحرص القيادة الحكيمة لهذا الوطن العزيز أن يظل الإنسان هو الأولوية ويتصدر الاهتمام في كل شيء مواطنا كان أو مقيما. * البرنامج أكد المؤكد وهو استهداف منشآت مدنية واستراتيجية تمس حياة الناس وتضرب الاقتصاد الوطني، الذي يعد أحد مصادر رزق الشعب القطري، وأحد المصادر التي تموّل بها دولة قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الارض خاصة المنكوبين من أبناء أمتنا، الذين لطالما كان لقطر أياد بيضاء بالوقوف معهم في نكباتهم وآلامهم، وسعت إلى تضميد جراحهم، ثم تأتي إيران لتقصف مصادر هذا الخير الذي يفيض ليس فقط على شعب قطر والمقيمين فيها، بل خير ذلك وصل لشعوب أمتنا في بقاع الارض. * لقد حمى الله هذا الوطن بفضل منه أولا، ثم لجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية التي حمت الأرواح والمرافق والمنشآت والمناطق السكنية بالدولة، وتصدت لأكثر من 90% من الهجمات العسكرية، فكان الفخر لنا جميعا بأن لدينا ليس فقط أجهزة ومعدات وتقنيات عسكرية عالية الكفاءة، بل قبل ذلك لدينا الرجال الذين يحمون الوطن، وبكفاءة عالية نفخر بهم أداء وإخلاصا وتفانيا وتضحية.. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي تؤكد عليه القيادة الرشيدة باستمرار، وسخرت من أجله كل الإمكانات، ولله الحمد أثبت قدراته وجدارته في المواقف وعند الأزمات، ليؤكدوا من جديد أن الوطن له رجال يحمونه ويفدونه بكل غال، وأنهم يسيرون على خطى رجالات الوطن على الدوام. * ثم إن يقظة الأجهزة الأمنية التي كشفت خلايا التجسس الإيرانية منذ 2024 دليل على أن هناك أعمالاً مبيتة من قبل إيران ، رغم أن قطر كانت تنظر لإيران على أنها جار ، وعملت على إنقاذه وإخراجه من أزماته السياسية مع المجتمع الدولي أكثر من مرة ، وتمكنت عبر حوارات مضنية من تحقيق اختراق في التوصل لصفقة تبادل لسجناء بين طهران وواشنطن والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة تقدر ب 6 مليارات دولار لدى أمريكا ، لكن بالرغم من ذلك وبدلا من أن تعزز علاقاتها وتثمن هذا الجميل الذي حققته لها قطر ، كان رد الجميل من قبل إيران هو زرع الخلايا التجسسية في قطر ! * كل الهجمات الإيرانية على دولة قطر أثبتت أن المتضرر هي الدولة وسيادتها وأمنها واقتصادها وتنميتها ودورها القيادي والريادي وسكانها مواطنين ومقيمين، وأن ما تدعيه إيران محض افتراء وكذب وعار تماما عن الصحة. سمعنا في إيران على مدار سنوات طوال شعارات ضد أمريكا، لكننا رأينا صواريخها تتساقط على قطر..!! لقد كانت الحرب منذ البداية حرب امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولم تكن قطر أو الخليج طرفا فيها، بل سعت قطر لمنعها عبر مساع ودعم الوساطات لحوار بين إيران وأمريكا، لكن إيران أقحمت قطر والخليج في هذه الحرب دون مبرر. إنها حربكم يا إيران مع أمريكا وإسرائيل، فلماذا يتم استهداف قطر ودول الخليج بهجمات عسكرية على مرافق مدنية ومنشآت حيوية ومناطق سكنية بذرائع واهية وادعاءات باطلة وافتراءات كاذبة أنها «مصالح أمريكية»؟!
3126
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز اسم «هرمز» كواحد من اساطير الأسماء التي عرفتها الممرات المائية في التاريخ. فمن هو «أهورامزدا» إله الحكمة في بلاد فارس، إلى صدى المعارك الفاصلة بين القادة، لم يكن هرمز مجرد اسم لمضيق أو جزيرة، بل كان عنواناً لحضارة ربطت الشرق بالغرب، وصاغت بعبق بخورها وتجارتها ملامح العالم القديم. يرى بعض المؤرخين مثل «خداداد رضاخاني» أن التسمية تعود لترجمة محلية هي «هُرموز» وتعني «مكان التمور» نظراً لكثرة أشجار النخيل في المنطقة. كما تربطه بعض المصادر بالقائد الساساني الذي واجهه خالد بن الوليد في معركة «ذات السلاسل» وقتله فيها. اليوم، لا يكاد يخلو تحليل سياسي أو اقتصادي من ذكر هذا المضيق، الذي تحول من «مكان للتمور» بحسب تسميته المحلية القديمة، إلى أخطر شريان حيوي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي. جغرافياً، يتخذ المضيق شكلاً منحنياً يشبه رقم ٧، ويمتد بطول يصل إلى ١٦٠ كيلومتراً، بينما يضيق في أضيق نقطة له ليصل عرضه إلى حوالي ٣٤ كيلومتراً فقط. تتقاسم السيادة عليه دولتان رئيسيتان؛ حيث تقع سواحله الشمالية تحت سيادة إيران، بينما تطل سلطنة عمان عليه من جهة الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أرقامه المذهلة؛ إذ يتدفق عبره حوالي ٢١ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠% من استهلاك السوائل البترولية العالمي، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. إلا أن هذا الثقل الاقتصادي يواجه اليوم تحديات جيوسياسية معقدة في ظل «الهدنة الهشة» التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة. فالمشكلة الكبرى تكمن في كون الهدنة الحالية تكتيكية وليست استراتيجية؛ حيث لا تزال إيران تفرض سيطرة عسكرية مشددة وتُلوح بإغلاق المضيق مجدداً. هذا الواقع فرض « تسييساً « للممر المائي، تمثل في محاولات فرض نظام ملاحي خاص وتفتيش السفن، مما يهدد استقرار السيادة البحرية ويخلق حالة تأهب دائم للقوى الدولية لتأمين حرية الملاحة. اقتصادياً، تسببت هذه الاضطرابات في صدمة عرض تاريخية، أدت لارتفاع تكاليف الشحن بنسبة ٢٥% وطول مدة الرحلات البحرية. ورغم استقرار أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن الثقة الاستثمارية في المنطقة لا تزال مهتزة. وهنا برزت الحكمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تبنت استراتيجية «صفر مشاكل» والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، إدراكاً منها بأن الانجرار للحرب سيعني دمار خطط التنمية في المنطقة. ولأن الارتهان لممر مائي واحد يمثل مخاطرة وجودية، بدأت دول الخليج في صياغة مخرج استراتيجي يعتمد على «الاستقلال الدفاعي والبدائل اللوجستية». هذا المخرج لا يعتمد على الدول الكبرى فحسب، بل على تعزيز التحالفات البينية وكسر «حصرية المضيق» عبر التوسع في أنابيب النفط والسكك الحديدية التي تربط حقول الإنتاج بموانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة والدقم وصحار، وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. هذا التحول يُفرغ سلاح «إغلاق المضيق» من قيمته الاستراتيجية والضغط الابتزازي على المدى الطويل. إن إدارة هذه الأزمات تسلط الضوء على طبيعة «مجلس التعاون الخليجي»، الذي أثبت مرونة عالية كتكتل تنسيقي يحترم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. ورغم تعثر مشاريع اندماجية كبرى مثل «العملة الموحدة» لأسباب سيادية واقتصادية وتقنية، إلا أن المجلس نجح في تحقيق «تكامل وظيفي» في ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي، مما منحه القدرة على مواجهة التهديدات الوجودية ككتلة واحدة متماسكة. ختاماً، يظل «هرمز» أكثر من مجرد مضيق جغرافي؛ إنه الاختبار الحقيقي لصراع الإرادات بين القوى العالمية وتطلعات الاستقرار الإقليمي. وبينما تظل الروايات حول تسميته جسراً يربط الماضي بالحاضر، تبقى الحكمة الخليجية في إدارة هذه الأزمات هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذا الممر المائي من شريان للحياة والتجارة إلى ساحة للصراعات الصفرية. إن الحفاظ على تدفق الطاقة عبر هذه البوابة الضيقة ليس مصلحة اقتصادية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للأمن والسلم الدوليين في عالم لا يحتمل المزيد من الهزات. حيث يتحتم التفكير الجدي من دول مجلس التعاون الخليجي في التقدم الى الأمام عبر التنفيذ الفعلي لاتحاد دول المجلس في اتحاد فدرالي على مستوى وزراء الدفاع والخارجية على الأقل.
1170
| 12 أبريل 2026