رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد بن راشد الخاطر

د. خالد بن راشد الخاطر

مساحة إعلانية

مقالات

708

د. خالد بن راشد الخاطر

آل فرعون والربيع العربي.. هل مات الربيع؟

02 مارس 2025 , 02:00ص

من كان يظن أن الربيع العربي قد انتهى، فهو مخطئ وعليه مراجعة حساباته، والدليل ما جرى في سوريا، وأسباب الربيع لا تزال قائمة، ونحن بانتظار المحطة القادمة، فلا أعتقد أن فرعون يبصر ويعتبر بنفسه أو بغيره، فيستبق الأحداث، ويقوم بما هو مطلوب من إصلاح، ويجنب نفسه ومن معه ومن خلفه أولا، مصير فرعون الأول والقذافي وبشار، وغيرهم من آل فرعون كثير، ثم ثانياً، يحفظ العباد والبلاد من عدم الاستقرار والدمار. والربيع قادم، ما زالت أسبابه قائمة، ومتى ما تحققت شروطه، وتهيئة ظروفه، وما رأيناه منه لم يكن نهايته، بل بدايته، وموجة أولى منه، قد تتبعها موجات لا تكون كسابقاتها، وسيقوي بعضها الآخر، كالمطر إذا تتابع كان نبته أقوى وربيعه أفضل وأزهى. فمن يظن أنه قد تم وأد الربيع العربي بقهر العسكر، أو تآمر المتآمرين غرباً وشرقاً فهو مخطئ، بل إن القمع تمحيص وإعداد، وثمن لابد من دفعه ومرحلة لابد من اجتيازها لما بعدها، لإنضاج التجربة، وإعداد الأمة لما بعدها من توافق مجتمعي مطلوب وسلم أهلي مرغوب، وقبول بالآخر وإن اختلفت معه، واستقرار لا تتم التنمية والازدهار إلا به، فثمن الحرية غال، والانتقال إليها من الدكتاتورية لا يأتي فجاءة، بين عشية وضحاها، أو بدون ثمن، فلا بد من تضحيات ولا بد من تدرج، فهل تأتي التكلفة عالية والتحول عنيفاً، أم يكون في التجربة السورية عبرة ودرس، وتأتي أقل عنفاً وأكثر سلاسةً، أم لا هذا ولا ذاك وتظل أمة في ذيل الأمم وعلى هامش التاريخ؟

متلازمة فرعون

‏إن في ما حدث في سوريا لعبرة لمن يعتبر من الطغاة، ولكن هيهات هيهات، فعقلية فرعون هي هي لا تتغير، فظل يطارد موسى حتى عندما فتح موسى البحر له ولمن معه، بأمر ربه، تبعه فرعون بغيا وغرورا، ولا أعلم لماذا أقدم فرعون على ذلك؟ فالبحر لم يُفتح له، وهو ليس من فتحه، بل فتحه عدوه له، وفي فتحه أمر خارق غير طبيعي، فكان يجب على فرعون التوجس والحذر، والتوقف عند ذلك القدر، وقد رأى قبل ذلك من الآيات المفصلات المتتاليات ما فيه معتبر، ويُوجب الحذر، ولكن أعمى بصيرته الكبر، كما أعمى بصيرة إبليس قبله عندما رفض أمر السجود لآدم وهو أعلم من فرعون، وكما أعمى بصيرة بشار، الذي جاءته الدعوات والمبادرات من الحلفاء قبل الخصوم، لإجراء ولو بعض الإصلاحات، ولكنه أصر واستكبر وفجر. ويبدو أن في الأمر متلازمة، يصاب بها آل فرعون، «متلازمة فرعون» أو «عمى البصيرة» أو كما يطلق عليها أيضا «الانفصال عن الواقع» يصاب بها الطغاة سابقاً ولاحقاً، كفرعون ونمرود والقذافي وبشار وغيرهم كثير، ممن يلتصقون بالكرسي، التصاقاً لا يفكه إلا الموت، ويعمي بصائرهم الكبر والغرور، ويظنون أنهم يمتلكون البلاد والعباد، وما فوق الأرض وما تحتها، وأنهم يفلتون من الحساب والعقاب، فالغرور والكبر يعميان البصيرة وإن كانوا مبصرين، فسار فرعون لحتفه بنفسه وهو يرى بعينين مبصرتين، وأضلّ فرعون من معه، وقادهم للهلاك، وقبلها كان يقول لهم «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وهم صدقوه واتبعوه.

رؤية فرعون

‏وهنا تتبين أهمية ثنائية الرؤية والقيادة، في من يتولى أمر الأمة، فكما أن الرؤية السليمة هي أهم شرط للقيادة الرشيدة، فإن الرؤية الضالة (إن جاز التعبير) تورد الهلاك، كما أن الـقيادة بلا رؤية كالأعمى الذي يتخبط ولا يصل إلى هدف، وقد يؤذي نفسه، والرؤية تستوجب وضع الخطط للوصول إلى الأهداف، فهي إما أن تأخذ إلى طريق النجاح (في الدنيا)، والنجاة (في الآخرة)، أو الدمار والهلاك في الاثنتين.

‏ولكن بئس الرؤية وبئس القيادة لفرعون، «وأضل فرعون قومه وما هدى»، «فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد» فكما أن فرعون قد أضلّ قومه وانقادوا هم له، وقادهم هو للهلاك في الدنيا، فهو أيضا يقودهم للعذاب وللتعاسة الأبدية في الآخرة، فهو «يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود». فلابد أن ينالوا نصيبهم من العقاب والعذاب بما صنعت أيديهم باتباع فرعون والانصياع له، وقد رأوا من الآيات المفصلات ما يكفي «وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها…» ولكنهم آثروا اتباع فرعون، فأطاعوه وقبلوا قيادته، فهم ليسوا أبرياء ولا معذورين، فعليهم تحمل نتائج اختيارهم وإلى أين يقودهم، أما الذين يثبتون أركان نظام فرعون من جند وعساكر، ودعاة ضلال وتضليل، وتطبيل وإعلام فاسد فهم شركاء، وإن ادعوا أنهم عبيد مأمورين، فهم شركاء متكسبون مستفيدون من نظام فرعون، وقد حصلوا على ما يريدون، ولو هم لما تفرعن فرعون ولما بقي على كرسيه ولما أفسد وطغى، فبئس العذر وما أقبحه. وقد وصف الله قوم فرعون بالفسق لسذاجتهم وخفة عقولهم بطاعة فرعون «فاستخف قومه وأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين» والفسق هو الخروج عن الطاعة للإفساد، وهي صفة قد نعت الله بها ابليس وطرده بسببها من رحمته عندما تكبر على أمره ورفض السجود لآدم، وقد ذكرها الله أيضا كشرط لتدمير من تحققت فيهم من القرى والأمم، «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فما بالك إذا كانوا منافقين ومضللين، وهم كثيرون، ممن يثبتون أركان أنظمة الطغاة الظالمين، ويتكسبون من وراء ذلك، فهم شركاء معهم ومستفيدون منهم. «ونادى فرعون في قومه، قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون» وكان قد بنى بعض القصور على نهر النيل، حتى قال تعالى، «فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين». وعلى النقيض من هؤلاء، هناك فئة أخرى ثبتت ولم يستطع فرعون إغواءها وإغراءها أو استخفافها ولم تنصع لأمره، متمثلة في امرأة فرعون وسحرته، وقد نأت هذه الفئة بنفسها عن فرعون بعدما رأت الآيات وتبين لها حقيقة أمره، رغم ما أصابها من العذاب.

آل فرعون ما أكثرهم

آل فرعون من بعده كثير، وما أكثرهم في يومنا هذا. «وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» ولاحظ التعبير الشامل بآل فرعون وليس قوم فرعون، ولم يقل أدخلوا فرعون وقومه أشد العذاب. فليس من المنطق أن يقتصر الأمر على فرعون موسى فحسب، فمن هم على شاكلته من الفراعنة والطواغيت كثير، وربما منهم من سفكوا من الدماء أكثر منه، وعاثوا في البلاد فساداً وفي العباد استبداداً، ولكن فرعون يمثلهم وهو إمامهم وقائدهم، وقد تجاوز في طغيانه كل الحدود بأن ادعى الألوهية لنفسه علناً من دون الله، وقد رأى من الآيات المتتاليات المفصلات ما فيه معتبر، وأبى واستكبر وأصر على كفره. فكل طاغية مستبد مفسد في الأرض على شاكلة فرعون، هو من آل فرعون.

سنن الله ويده الخفية

فتجد من المحللين المعللين، المحبطين الذين يقللون من شأن ثورات الشعوب التواقة للحرية، وأسباب اندلاعها وعوامل نجاحها، ممن يتلمسون الأعذار خلف الأعذار، فيقول أنه لولا حلف الناتو لما سقط نظام القذافي، ولولا انشغال روسيا بأوكرانيا وحزب الله بإسرائيل لما سقط الأسد، وكأنه يريد أن يقلل من مساوئ هؤلاء ومن مسببات سقوط أمثالهم، بسوء أعمالهم وظلمهم، وما كسبت أيديهم، ويبطل آلة عمل الله، ويعطل يده الخفية، وسننه الكونية، إن كانت بتحقيق التوازن أو العدل أو غير ذلك، وإن كانت بالتضاد أو التدافع أو الاستدراج أو غير ذلك. فالأمر ليس محض صدفة ولا عشوائية، وأقول لهؤلاء، فلو لم تتعلق امرأة فرعون بموسى الطفل، لقتله فرعون ولما كبر وكان سببا في زوال ملك فرعون، ولكن الله يقول لموسى «وألقيت عليك محبة مني»، ولو لم تهب الريح (بأمر ربها) وتقتلع جيش الأحزاب، لما ولوا الأدبار خائبين مدحورين ولربما لم يصلنا الإسلام اليوم، ولو لم يمت إمبراطور المغول مونكو خان (بأجل الله) لما اضطر أخوه هولاكو للعودة بجزء كبير من جيشه لعاصمته بسبب الصراع على السلطة، وترك من ينوب عنه ليتوسع ليضم مصر وهي آخر ما بقي من قلاع الإسلام في الشرق بعد أن دمر التتار العراق والشام، ولربما لم يكن للمماليك بقيادة السلطان قطز إلحاق الهزيمة الساحقة بالتتار في عين جالوت التي كانت سببا في انفراط عقدهم بشكل سريع ومفاجئ وتوالي الهزائم الساحقة عليهم وإجلائهم من الشام وانحسار نفوذهم إلى أعالي خرسان. ومن المفارقات في هذه القصة، أن قطز هو ابن اخت آخر سلاطين الدولة الخوارزمية قبل أن يقضي عليها المغول ويخطفوا قطز الطفل ليبيعوه في سوق النخاسة بالشام لينتهي به الأمر في ملك السلطان المملوكي عز الدين أيبك بمصر، ليكون بعد ذلك سبباً في هزيمتهم وزوال دولتهم في الشام وغيرها من أرض الإسلام، وكانت فترة حكمه أقل من سنة، فكأن الله قد أراده وأتى به لهذه المهمة، كما أراد لأهل أدلب المدينة الصغيرة أن يكونوا سببا في تحرير سوريا من عقود من قبضة نظام الأسد الدموي. فلكل سبب محسوس وملموس، ولكن الله هو مسبب الأسباب، وهازم الأحزاب، ويده فوق كل يد، تعمل في الخفاء، وتجري الأسباب، بمشيئته وبموجب قانونه وسنته، «ولن تجد لسنة الله تبديلا» فهي آيات يراها المؤمن، ويصد الله عنها الظالمين «ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء».

لم يمت الربيع

فالربيع العربي لم يمت ولا ينبغي له ذلك، لأن أسبابه لا تزال قائمة، بل وتعمقت، وازدادت أنظمة الفساد فساداً والطغيان استبدادًا، وأحوال الشعوب سوءاً على سوئها، ولكنها في المقابل ازدادت وعيا ويقيناً ومعرفةً بطريق خلاصها، فمن يراهن على وقفها دون ذلك، متى ما ارادت حقا ذلك، كمن يريد أن يقف عبثا في وجه طوفان جارف، سيجرفه عاجلاً أم آجلاً إلى مخلفات التاريخ، فلا رجعة إلى الوراء، ولا بديل أمام هؤلاء، فإما الإصلاح أو الرحيل، فهل يحدث المستحيل، ويتواضع فرعون ويُصلح أو يستقيل، دون دفع ثمن ثقيل، فلم تزدد أنظمة الطغيان بعد الربيع الأول إلا غيا وطغياناً، وفشلاً وضلالاً، فلا رؤى تواكب تطلعات الشعوب التواقة للحرية والعدالة والعيش الكريم، ولا إصلاحات ولا حلول لتراكمات عقود من الاستبداد والفساد، أدت فيما أدت إلى الارتداد، وإخلال هذه الأنظمة بجانبها من عقد اجتماعي يتآكل شيئا فشيئا، وقد كان يفترض أن توفر بمقتضاه لشعوبها سبل العيش الكريم مقابل عدم المساءلة السياسية، ولكن حلف الثورات المضادة يريدها جبراً طغاةً مستبدين، على شعوب سئمت الاستبداد والفساد، دون أدنى إصلاح، فأفق الطغاة المستبدين، عسكراً كانوا أو مدنيين، ضيق لا يتسع لذلك، وعمى البصيرة مستفحل ويحول دون ذلك، فغرور القوة يعمي البصيرة وإن كانوا مبصرين، والخشية من قادماتٍ لربيعٍ عربيٍ عنيفة لا كسابقاتها، كردة فعلٍ طبيعيةٍ على عنف الثروات المضادة، وقمع أنظمتها الوحشي لموجتها الأولى، وغياب الحلول وفقدان الأمل والرجاء، وازدياد الأوضاع السياسية سوءاً، والأحوال الاقتصادية والمعيشية تردياً، وتحميل البلاد من الديون فوق طاقتها، حتى كبلت سيادتها بذراع اقتصادية طويلة لاستعمار غربي قديم، وبسياسات تدّعي في ظاهرها الإصلاح، وهي في باطنها كمن يصب الزيت على النار، فلا تزيد السيئ إلا سوءا، وقد علمتنا أدبيات الاقتصاد السياسي أن الشعوب تثور عندما ترى أن مكاسب الثورة أكبر من عدمها، فكلما ازدادت أوضاع الشعوب سوءاً وبؤساً، كلما كانت دوافع الثورة أشد وأقوى، ومكاسبها المتوقعة أكبر وأرجى، وعلى أية حال فلن تعود عجلة الزمان أدارجها، فقد يكون هناك تأخر أو تعثر، وقد تلعب الأموال دوراً في ذلك هنا وهناك ولكنها لن توقفها، طالما تحققت شروطها، وتهيأت ظروفها، «فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون» وهو ما نراه شيئاً منه رأي العين، وما نؤمن به إيمان اليقين، «ولكل أجل كتاب» فهذه أمة القرآن، لا تموت، نعم تتعثر وتتأخر ولكنها تنهض من جديد «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

اقرأ المزيد

alsharq زمن بلا بوصلة

ليس السؤال: ماذا تفعل المنصّات بنا؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا حين سلّمنا عقولنا لزرّ الإعجاب. في لحظةٍ... اقرأ المزيد

114

| 17 أبريل 2026

alsharq صديق تسوءه وعدو تسرّه..

قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعًا في بطني فنهرني ثم قال: يا ابن... اقرأ المزيد

159

| 17 أبريل 2026

alsharq نعمة الأمن والأمان

إذا سألني سائل عن أعظم نعمة في الدنيا بعد الإيمان بالله ورسوله، قلت له دون تفكير عميق: هو... اقرأ المزيد

87

| 17 أبريل 2026

مساحة إعلانية