رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

732

روضة مبارك راشد العامري

من التنور إلى المسرح.. عينٌ صغيرة تحملُ وطناً كاملاً

02 مارس 2026 , 05:04ص

قد يظنّ بعضهم أن فقرات الطهي التراثي، أو عروض الأزياء التقليدية، أو الألعاب الشعبية التي تتكرر في المواسم الوطنية، ليست سوى مشاهد احتفالية عابرة، تُعاد كل عام بالصيغة ذاتها، وتستهلك ميزانيات يمكن توجيهها إلى مجالات أخرى. لكن هذا النظر القاصر يغفل عن حقيقة عميقة: تلك الفعاليات ليست ترفًا ثقافيًا، بل دروسًا حيّة في الهوية، تُقدَّم بلغة يفهمها الطفل قبل أن يتعلم لغة الكتب.

الطفل لا ينظر إلى المناسبة كما ينظر إليها الراشد. ما يبدو للكبار مألوفًا ومكرّرًا، يراه الصغير اكتشافًا أول، ومشهدًا سحريًا ينبض بالحياة. حين يشاهد امرأة تُعدّ خبزًا على التنور، أو رجلاً يحيك شباك الصيد بيديه، أو فتاة ترتدي ثوبًا مطرزًا بخيوط تحكي تاريخًا، فإن عينيه لا تلتقطان مجرد حركة أو زيّ، بل تلتقطان قصة. قصة بيت قديم، وجدّة تبتسم، وبحرٍ كان مصدر رزق، وصحراء كانت مدرسة صبر.

في تلك اللحظة، لا يتعلم الطفل معلومة، بل يعيش تجربة. والتجربة أرسخ في الوجدان من ألف شرح نظري. فحين يُدعى الطفل للمشاركة، أو يُدرَّب على تقديم فقرة تراثية أمام الجمهور، فإنه لا يؤدي عرضًا مسرحيًا، بل يتقمص دور الأجداد، ويستعيد ذاكرتهم في جسده الصغير. يصبح التراث جزءًا من حركته، وصوته، ووعيه.

إن الهوية لا تُغرس بالمحاضرات، بل تُبنى بالتفاعل الحيّ. والطفل الذي يرى ماضي وطنه مجسّدًا أمامه، يكبر وهو يشعر أن له جذورًا ضاربة في الأرض، وأنه امتداد لسلسلة طويلة من القيم والتجارب. هذا الشعور بالأصالة يمنحه ثقة في عالم سريع التغيّر، ويحصّنه من الذوبان في ثقافات لا يعرف سياقها.

ثم إن هذه الفعاليات ليست مجرد عرض للتراث، بل جسرٌ بين الأجيال. حين يقف الجدّ إلى جوار الحفيد في مناسبة وطنية، ويشرح له معنى أداة أو حكاية لباس، تنشأ لحظة تواصل نادرة في زمن السرعة الرقمية. يتعلّم الطفل أن الماضي ليس صورة في كتاب، بل حياة عاشها أناس يشبهونه، أحبّوا، وتعبوا، وبنوا.

لذلك، فإن الاستثمار في تدريب الأطفال على تقديم فقرات تراثية، أو دعم الجاليات في عرض ثقافاتها، ليس إنفاقًا على مشهد عابر، بل استثمار في وعيٍ يتشكّل، وذاكرة تُصان. فالأمم التي تحرص على أن يرى أطفالها تاريخهم حيًّا، تضمن أن يكبروا وهم يحملون في قلوبهم امتنانًا لما كان، ومسؤوليةً عمّا سيكون.

فالطفل حين يفرح بتراثه، لا يفرح بماضٍ انتهى، بل يفرح بهويةٍ تبدأ معه من جديد.

اقرأ المزيد

المرأة الخليجية.. من الحجاب البصري إلى الحضور عبر الحرفة المرأة الخليجية.. من الحجاب البصري إلى الحضور عبر الحرفة

خلافاً لمصر والشام وإيران حيث ازدهر تصوير المرأة في الفن الإسلامي عبر قرون طويلة، اتخذ حضور المرأة في... اقرأ المزيد

294

| 31 يوليو 2026

لسنا خزائن للماء ولا للمعرفة لسنا خزائن للماء ولا للمعرفة

﴿وجعلنا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، قانونٌ إلهيٌّ عظيمٌ لا يقتصر على المادة، بل يمتد لروح الإنسان وفكره.... اقرأ المزيد

363

| 20 يوليو 2026

حين يصبح القائد وطناً حين يصبح القائد وطناً

في وداع صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. هناك رجالٌ يمرون في التاريخ، وهناك... اقرأ المزيد

210

| 13 يوليو 2026

مساحة إعلانية