رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

282

روضة مبارك راشد العامري

لسنا خزائن للماء ولا للمعرفة

20 يوليو 2026 , 10:42م

﴿وجعلنا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، قانونٌ إلهيٌّ عظيمٌ لا يقتصر على المادة، بل يمتد لروح الإنسان وفكره. فالماء في أصل تصميمه رمزٌ للحركة والتدفق؛ إن جرى أنعش وأحيا، وإن ركد تغيّر وفسد. وأجسادنا لم تُخلق لتكون خزاناتٍ تحتبس قطرات الماء، بل أوعيةً ذكيةً تأخذ مقدار حاجتها وتدفع الفائض مستمرةً في دورة حية لا تعرف الاكتناز. هذا التوازن الفطري يسري بالضرورة على عقولنا؛ فالمعرفة ليست بضاعة نكدسها في ذاكرتنا، بل نهرٌ يجب أن ينبع من دواخلنا ليروي من حولنا.

المعرفة الحبيسة تعفن الفكر وتطفئ جذوة الإبداع، تمامًا كما يفعل الماء الراكد في مستنقع مهجور. إن قيمة العلم لا تُحسب بالكتب التي قرأناها ولا بالشهادات التي علقناها، بل بالأثر الذي نتركه، وبالحلول التي نبتكرها، وبالقيم التي نغرسها في مجتمعاتنا. الحضارات العظيمة لم تشرق أضواؤها لأن أبناءها كانوا حافظين للنصوص، بل لأنهم كانوا ممارسين للحكمة، يحولون الأفكار إلى واقع، والرؤى إلى مؤسسات. والدول التي بلغت قمة المجد هي التي أدركت أن الثروة الحقيقية تكمن في بناء العقول وتفعيل أثرها، لا في احتكار المعلومات.

وكما تؤكد قياداتنا في أكثر من مناسبة أن الثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض، بل فيما يصنعه الإنسان بعقله وقدرته على التعلم والإبداع، ومن هنا جاءت مسيرة بناء الجامعات ورعاية البحث العلمي؛ لأن الأمم لا تتقدم بجمع الموارد بل باستثمار العقول.

انظر حولك في الطبيعة، تجد العطاء سُنةً كونية؛ فالأشجار لا تأكل ثمارها، والسحب لا تشرب مطرها، والشمس لا تستدفئ بنورها، وكذلك الإنسان لا يكتمل وجوده إلا حين يمتد نفعه لغيره. ما أكثر الذين يحملون أسفارًا من البيانات، وما أقل الذين يبعثون الحياة في كلماتها! الفرق بين صاحب المعرفة الحقيقية ومجمع المعلومات هو الفرق الشاسع بين نهر خصب يفيض بالخضرة، وبحيرة مغلقة تنظر للماء دون أن تهبه لأحد.

أعظم رسالة للعلم هي أن تُعلّمه، وأعمق قيمة للخبرة هي أن تهبها، وأرقى صور القيادة هي أن تصنع قادة يواصلون المسيرة. الكلمة الطيبة التي تكتبها، والفرصة التي تكتشفها، واليد التي تمدها بالدعم، كلها روافد لنهر عطائك. السؤال الذي يجب أن يشغل بال كل سالك في طريق الفكر ليس كم أخذت من العلم، بل كم أحييت به من النفوس وبنيت به من الأوطان؟ إن صفحة واحدة نترجمها إلى عمل صالح ونفع متعدٍّ قد تغيّر مسار إنسان أو تتوج جهد أمة.

في نهاية المطاف، المعرفة عبور وليس استقرارًا؛ تضيء عقولنا لتنعكس نورًا وعملاً وأثرًا باقيًا. لم نخلق لنكون أوعية مغلقة، بل جُعلنا أنهارًا تتدفق بالخير، وكلما أحيينا غيرنا سرت الحياة فينا.

مساحة إعلانية