رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

432

منى الجهني

كذلك البر.. كذلك البر

02 أبريل 2025 , 03:02ص

في سورة الإسراء، يقول الله عز وجل في الآية 24: “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”. وقد فسّر العلماء هذه الآية بأنها تأمر بالإحسان إلى الوالدين، لا سيما عند بلوغهما الكِبر، فيجب ألا يضجر المرء منهما، ولا يزجرهما، وألا يكون قاسياً في حديثه معهما، بل يخاطبهما بكلام لطيف وكريم، مع تواضعٍ نابعٍ من الرحمة والتقدير لما قدماه من تربية ورعاية في الصغر.

لقد بيّن الله تعالى لنا في هذه الآية خطوات البر كاملة وواضحة، كما أن للبر ثلاث مراتب؛ أولها أداء الواجب الشرعي من طاعتهما وعدم مخالفتهما، وهي أدنى درجات البر. أما المرتبة الثانية، فهي إدراك رغباتهما دون أن يطلبا، والمبادرة إلى تلبيتها. ثم تأتي المرتبة الأعلى، وهي الإحسان، حيث يقدم الإنسان رغبات والديه على رغباته، متخليًا عن بعض محبوباته لأجلهما.

وفي هذا السياق، فإن البارّ بوالديه لا يخسر ولا يضيع، بل ينال الخير في الدنيا والآخرة، وقد قال سعيد بن المسيب: “من بر والديه لا يموت ميتة السوء”. فالبر الحقيقي ليس مجرد قبلةٍ على الجبين، بل هو خفض الجناح لهما، ولين الحديث، وطيب النفس، والسعي في خدمتهما، وتحقيق مطالبهما، وإدخال البهجة إلى قلبيهما، مع الصبر على مزاجهما وتغير أحوالهما.

* إن الإحسان إلى الوالدين فريضة، وواجب لازم، وقد قرن الله شكرهما بشكره لعظيم فضلهما، وعادةً ما نجد أن الإنسان الموفّق في حياته هو من يقيم الصلاة ويبرّ والديه. مهما بلغ الإنسان من العمر أو المكانة أو الغنى، عليه أن يلهج دائمًا بهذا الدعاء: “رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”. فالخير مُعجَّل، وبركته حاضرة غير مؤجلة، إذ إن البركة والبر وجهان لعملة واحدة، وكل أبواب التوفيق تفتح برضا الوالدين، فرضا الله من رضاهما، والحياة لا تطيب إلا بهما.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ”. لذا، لا بد من الحرص على صحبتهما، فقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على برّ الأم خاصةً، إذ قال: “الْزَمْ قَدَمَيْهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ”.

* ومن البر ألا نثقل صدريهما بالشكوى من تقلبات الحياة، كي لا يحزنا علينا. البر الحقيقي هو أن نبادر بخدمتهما قبل أن يطلبا، وأن يكون ذلك بروحٍ مملوءة بالسعادة والرضا، والابتسامة تعلو وجوهنا، فخدمة الوالدين شرفٌ وليست عبئًا.

أما البر بعد وفاتهما، فهو برٌ صادق لا رياء فيه، وهو أشد ما يحتاجان إليه، سواء بالدعاء، أو التصدق عنهما، أو تنفيذ وصاياهما، وهذا البرّ من أعظم الأعمال التي تصل إليهما بعد رحيلهما.

برّوا والديكم قبل أن يأتي يومٌ تندمون فيه على تقصيركم، وعوّدوا أبناءكم على بركم منذ نعومة أظفارهم، فكما تزرعون البر فيهم، سيحصدونه لكم. ومن الملاحظ أن الوصايا في القرآن والسنة جاءت موجهة للأبناء ببر الوالدين، ولم يُوصَ الوالدان بالإحسان إلى أبنائهما، لأن حبّ الأبناء مغروسٌ في الفطرة، ولا يحتاج إلى توصية.

* “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ” نحن لا ندرك حقيقة معاناة آبائنا وأمهاتنا إلا عندما نكبر ونصبح في موضعهم، حينها فقط نشعر بقدر ما قدموا لنا، رحم الله من رحل منهم، وحفظ من بقي.

برّ الوالدين ليس ساعات معدودة، ولا يومًا في السنة أو الأسبوع، بل هو امتدادٌ للعمر كله، بقاءً ببقائهم، وذكرًا بعد رحيلهم. إنه قصةٌ تكتبها أنت، ويرويها أبناؤك من بعدك، فاجعلها قصةً عظيمة. برّ الوالدين ليس منوبةً بين الأبناء، بل مزاحمة على أبواب الجنة.

وهنا، نذكر رؤية السيدة عائشة رضي الله عنها، حين رأت في المنام الحارث بن النعمان يقرأ القرآن في الجنة، فأخبرت رسول الله بذلك، فقال: “كذلك البر… كذلك البر”.

فهلّا جعلنا البرّ منهجَ حياة؟

وكل هذا بيني وبينكم.

مساحة إعلانية