رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

258

منى الجهني

تعلم متى تغادر؟

04 فبراير 2026 , 02:27ص

مهران كريمي ناصري، إيراني الجنسية، وصل عام 1988 الى مطار شارل ديغول في باريس في طريقه الى لندن، وفي المطار فقد أوراقه الخاصة باللجوء السياسي والتي أصدرتها الأمم المتحدة له. فرفضت السلطات البريطانية استقباله والسماح له الدخول الى أراضيها من دون هذه الأوراق، وفي الوقت نفسه رفضت السلطات الفرنسية مغادرته المطار من دونها. فكان في وضع معقد لا يحسد عليه.

الأمر الذي كان بسيطا جدا في البداية تحول الى إقامة امتدت طويلا لسنوات في مطار شارل ديغول. ظل ناصري عالقا هناك في صالة رقم واحد في المطار وبمرور الوقت بدأ بالتأقلم هناك معتمدا على المساعدات المقدمة له من موظفي المطار والمسافرين، بل صار معروفا لدى الجميع ويعرفون حكايته.

 ظل عالقا في صالة المطار لمدة ثمانية عشر عاما، من سنة 1988 الى سنة 2006. ذلك المسافر الذي ظل عالقا كل هذا السنوات ولم يكن يعلم انه سيقضي حياته بين هاتين البوابتين في قصة إنسانية نادرة. والغريب في قصته أنه عاش عزلة شديدة في أكثر الأماكن ازدحامًا. قصة ناصري تكشف هشاشة هوية الانسان امام تعقيدات القوانين التي قد تجعله معلقا بين الأرض والسماء. 

 ولكن الى جانب ذلك فالحقيقة الأكثر قسوة أن تقضي حياتك خلف أبواب كنت تظن أنها نجاة، ولكنها تتحول الى سلسلة من القيود المؤلمة. 

 فثقل الدين والقروض التزامات مالية كان يعتقد الانسان انها نجاة، ولكنها أثقل من القيد على الروح. أحيانا تكون القيود بداخل الانسان نفسه خوف قلق التردد، أقوى بكثير من أي عوامل خارجية. فالشجاعة أكثر الحاحا من البقاء الذي لا هو كعدمه، فالبقاء غريزة والشجاعة اختيار، فالشجاعة الا تكون نسخة مقلدة.

والتوقيع الذي حسبته بوابة جديدة للحياة، قد يتحول ليضيق عليك خطوات تحقيق احلامك وطموحاتك. ولكن ورغم قسوة الفكرة يظل هناك دائما هامش للنجاة لحياة أخرى، فالهروب ليس خوفا ولا ضعفا، بل هي شجاعة في اتخاذ القرار السليم، فيقول الخليفة عمر بن الخطاب» نفر من قدر الله الى قدر الله».

وفي هذا السياق عندما يكون المطار على سبيل المثال وظيفة، لا تتقدم فيها أو حياة تسحب منك، الكثير كلها صالات انتظار في المطار غير مرئية. وليست المشكلة ان تعيش في صالات انتظار، ولكن المأساة ان يمر العالم بك دون أن يراك. ليس مطلوبا منك ان تتأقلم بقدر ما هو مطلوب الاختيار. ليس عليك ان تكون عالقا في أحد المطارات بالضرورة، ولكن يكفي أن تكون عالقا في دور لا يشبهك.

 فالوعي أمر مهم وضروري قبل الدخول في أي عقود وتوقيعات، لما لذلك من آثار قد تكون سلبية مستقبلا. وتقييم الخطوات القادمة هل هي ملائمة للفترة القادمة ام قد يكون ضررها أكبر أو سأواجه خسارة أكبر؟

تقبل فكرة التغيير فذلك ليس فشلا أبدا انما هو بداية جديدة بمهارات جديدة لاستعادة الذات. ولكن بعض صور الاعتياد التي تأتي تشبه استقرارا ليست سوى استنزافا بطيئا الى تكون غير الشخص الذي تعرفه.

الى جانب ذلك أيضا لا ننسى قد يحتاج البعض إعادة ترتيب الأولويات بشكل يدعم الانسان وروحه وكرامته، فالمال ليس كل شيء. 

الاستخارة والاستشارة وجهان لعملة واحدة وهي الوصول الى القرار الصائب بدلا من البقاء طويلا في وقت يكون العبور أمرا لازما بالإضافة الى انه أفضل. انها دعوة للحياة، لذلك لا تؤجل حياتك في الانتظار طويلا على هامش الايام. «وكان امر الله قدرا مقدورا» كل هذا وبيني وبينكم.

مساحة إعلانية