رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل تجد اليوم من يتجرأ مثلاً ويتحرش بالولايات المتحدة أو الصين أو روسيا؟ بالطبع لن تجد أحداً، يحسب خطواته وسياساته ويدير دولته بحكمة ووعي، يتحرش بتلك القوى وما شابهها من قوى أخرى في هذا العالم. لماذا؟ لأنها دول متمكنة وصلبة في قوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها من قوى ومجالات عديدة، وصارت تعززها بشكل مستمر بالجديد والمتطور، كي تكون لها كلمتها على الصعيد الدولي، أو إن شئت القول: لتفعل ما تشاء دون كثير اعتبار لرأي ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو القوانين الدولية، كما الحاصل الآن وأبرزها العدوان الهمجي الصهيوني المستمر، والمدعوم أمريكياً وغربياً على أهلنا في غزة.
أليس هذا هو الواقع الذي نعيشه؟
لن أبالغ إن قلت بأن الآخرين من غير ملتنا، كأنما درسوا واستوعبوا آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أكثر منا نحن أمة محمد، بل وتعمقوا في فهم معانيها ومقاصدها، حتى صارت دولهم مرهوبة الجانب، لها مكانتها وتقديرها في العالم. بينما وسوس شياطينهم لنا بأن الاقتداء بهم في المسلك نفسه هو دعم وتخطيط لإرهاب، بالمعنى والصورة الخبيثة التي رسمها بوش ومن بعده، حتى صار كثيرون منا كالببغاء يردد الكلمة بالفهم الأمريكي، فيما المعنى القرآني لكلمة (ترهبون) أوضح من أن نشرحه ويعني (أن تعد العدة والقوة لترهب أعداءك من التطاول أو الاعتداء عليك). هكذا بكل وضوح. فأين نحن من هذا الفهم؟ ولماذا استوعبه الغرب ولم نستوعبه نحن أصحاب سورة الأنفال؟! الغرب اليوم، بعد أن صدّع رؤوسنا بقيمه ومبادئه طوال عقود عديدة، وجدناه في أول اختبار حقيقي مهدد لمصالحه، أو مصالح رموزه ومؤسساته الاقتصادية المنتفعة الانتهازية - إن أردت دقة المعلومة والوصف - يضع كل تلكم القيم والمبادئ جانباً، بل ويكشّر عن أنيابه في صورة فاضحة بشعة. هذا الغرب منذ أن تمكّن من بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً، وعلى رأسه الولايات المتحدة، صار يتحرك بمنطق القوي ذي البأس في هذا العالم، الذي هو من وضع نظامه وفرضه على الجميع، سواء أكان مقبولاً أم مرفوضاً من الغالبية البشرية.
الغرب ومنطق الاستبداد
منطق الغرب هذا دفعه مبكراً للتحرك وفق ما تقتضي مصالحه، لا يهمه إن كانت تحركاته تتوافق أو تتعارض مع غيره، حتى وإن بدا ظاهرياً أنه يسير وفق أو ضمن منظومة واحدة هي الأمم المتحدة، والتي هو نفسه من وضع أسسها ونظمها وقوانينها لتخدمه أولاً قبل غيره، قبل أن تنهض الأمم الأخرى في قادم السنوات ! ولعل أبرز أمثلة تسلط الغرب على الأمم المتحدة، أو إن شئت القول: التسلط على العالم غير الغربي، هو حق النقض أو الفيتو، الذي يملك الغرب ثلاثة أصوات من أصل خمسة ! وبهذا الحق، قام ولا يزال يقوم، بإجهاض وتضييع حقوق العباد والبلاد.
الغرب إذن يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة آخرين - وليس في ذلك ما يعيب من الناحية النظرية – فإن قوته في غالب المجالات الحياتية تسمح له باتخاذ القرار المطلوب لتحقيق مصالحه، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، ولا عيب في ذلك، ما لم يكن استبدادياً. فنحن كأمة مسلمة، كنا في زمن سابق، حين كانت لنا دولة واحدة مرهوبة الجانب، نتحرك ونحمي ديننا ومصالح المسلمين أينما كانت، ولكن وفق ضوابط من الدين والأخلاق والقيم، دون استبداد، إلا ما ندر وصدر عن البعض القليل.. فليس عيباً أن تحمي مصالحك بكل ما أوتيت من قوة، دون استبداد وظلم.
إنّ العيب الذي أقصده في مسألة التحرك بقوتك لحماية مصالحك، أن يكون التحرك دون ضوابط أو أخلاقيات، وهذا هو الحاصل قولاً وفعلاً عند الغرب منذ أن تمكن إلى يوم الناس هذا، رغم حرصه إظهار نفسه للعالم أنه صاحب مبادئ وقوانين وقيم.. لكن مع تزايد الأحداث في العالم، انكشفت كل البواطن أو المساوئ التي حرص هذا الغرب على ألا تظهر علانية. ولعل طوفان الأقصى كشف ما تبقى من سوءاتهم للعالم كله.
إذن لا عيب أن تتحرك وفق مصالحك، وتعد القوة اللازمة لذلك إن كان على أساس من العدل واحترام حقوق الآخرين في العيش بسلام وأمان، وألا تكون حماية مصالحك على حساب مصالح الآخرين، وهذا هو تحديداً ما يفتقده الغرب منذ أن بدأ يصعد ويعلو على الساحة الدولية بقوة ساعده وسلاحه وعلمه، ذلك أن جل التحركات وحماية المصالح، كانت وما زالت بعيدة عن المبادئ والأخلاقيات والقيم الدينية والإنسانية وغيرها.
غزة وإعداد القوة
مفهوم إعداد القوة، وإن غاب عند غالبية جغرافياتنا المسلمة كما أسلفنا، إلا أنه اتضح كثيراً عند الأتراك في العقود الثلاثة الأخيرة، حتى رأيت قواهم تتنوع وتتسع وتزداد، وصارت تركيا اليوم مرهوبة الجانب بنسبة معقولة مطمئنة. تركيا اليوم تعامل الغرب بنفس منطقه، خاصة بعد امتلاكها الكثير من المؤهلات اللازمة للتعامل مع الأقوياء بنفس منطقهم، منطق القوة، وإن كان الفرق بينها وبينهم أن منطق تعاملها وفق مبادئها وقيمها المستمدة من عقيدتها الإسلامية. هي اليوم ربما قاب قوسين أو أدنى أن تصل إلى النقطة الآمنة، التي ستكون بعدها صاحبة قرار مستقل لا يعتمد على قرارات آخرين، إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها بالدرجة الأولى. ولعل هذا سر امتعاض الغرب منها، وكثرة تحرشاتهم بها، ومحاولة عرقلة سيرها الجاد نحو التمكين. غزة مثال بارز آخر بعد الأتراك في مسألة إعداد القوة لإرهاب العدو. فما رأيناه حتى ساعة الناس هذه منذ بدء طوفان الأقصى المبارك، يدل على أن رجال المقاومة هناك اتخذوا مبكراً الآية الكريمة شعاراً لهم في استراتيجية التحرير ودحر العدو، والواقع الميداني يشهد على ذلك، فالأخبار والتقارير والمشاهد اليومية عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، تشرح لك ذلك بكل وضوح. إنك أيها المسلم في ختام هذا الحديث، حين تصنع سلاحك ودواءك وتنتج غذاءك، تكون ملكت قرارك واقتربت من نقطة التمكين، من بعد التوكل على الله وطلب العون منه سبحانه. أما أن تفتقد إلى كل تلك العوامل وتدعو بسذاجة واضحة للتعايش مع الأقوياء، وترفع شعارات التسامح وما شابهها من شعارات جوفاء، فكل ذلك يعني باختصار شديد أنك تدعو للتعايش مع أقوياء أو ذئاب العالم وفق منطقهم وشروطهم ورؤاهم هم، وكذلك وفق مصالحهم هم.
خلاصة ما أريد الوصول إليه، إنه لا شيء معيباً أن تكون قوياً مرهوب الجانب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. تحمي بقوتك مصالحك المختلفة، وترهب بها أعداءك المتربصين، ليس من الاعتداء عليك فحسب، بل من مجرد التفكير بمباشرة الاعتداء. وأن يكون استخدام تلك القوة وفق عدالة السماء، وأخلاقيات الأنبياء، كي تعيش مرهوب الجانب بين الأقوياء. وما تكاتف العالم الغربي بقواه المتنوعة ضد غزة، ووقوفه المشين مع شذاذ الآفاق، إلا لشعور عميق بقوة المقاومة وخشيته من احتمالات تفوقها على ربيبته الخبيثة، وتحول المقاومة إلى ورقة صعبة الهضم. وهذا هو تمام هدف الآية الكريمة من دعوة إعداد القوة. أن يعيش المسلم معتزاً بدينه، مرهوب الجانب، مرفوع الهامة.
ومن ينصر الله ينصره، ويثبت أقدامه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
15318
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2580
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2106
| 25 فبراير 2026