رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل تجد اليوم من يتجرأ مثلاً ويتحرش بالولايات المتحدة أو الصين أو روسيا؟ بالطبع لن تجد أحداً، يحسب خطواته وسياساته ويدير دولته بحكمة ووعي، يتحرش بتلك القوى وما شابهها من قوى أخرى في هذا العالم. لماذا؟ لأنها دول متمكنة وصلبة في قوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها من قوى ومجالات عديدة، وصارت تعززها بشكل مستمر بالجديد والمتطور، كي تكون لها كلمتها على الصعيد الدولي، أو إن شئت القول: لتفعل ما تشاء دون كثير اعتبار لرأي ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو القوانين الدولية، كما الحاصل الآن وأبرزها العدوان الهمجي الصهيوني المستمر، والمدعوم أمريكياً وغربياً على أهلنا في غزة.
أليس هذا هو الواقع الذي نعيشه؟
لن أبالغ إن قلت بأن الآخرين من غير ملتنا، كأنما درسوا واستوعبوا آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أكثر منا نحن أمة محمد، بل وتعمقوا في فهم معانيها ومقاصدها، حتى صارت دولهم مرهوبة الجانب، لها مكانتها وتقديرها في العالم. بينما وسوس شياطينهم لنا بأن الاقتداء بهم في المسلك نفسه هو دعم وتخطيط لإرهاب، بالمعنى والصورة الخبيثة التي رسمها بوش ومن بعده، حتى صار كثيرون منا كالببغاء يردد الكلمة بالفهم الأمريكي، فيما المعنى القرآني لكلمة (ترهبون) أوضح من أن نشرحه ويعني (أن تعد العدة والقوة لترهب أعداءك من التطاول أو الاعتداء عليك). هكذا بكل وضوح. فأين نحن من هذا الفهم؟ ولماذا استوعبه الغرب ولم نستوعبه نحن أصحاب سورة الأنفال؟! الغرب اليوم، بعد أن صدّع رؤوسنا بقيمه ومبادئه طوال عقود عديدة، وجدناه في أول اختبار حقيقي مهدد لمصالحه، أو مصالح رموزه ومؤسساته الاقتصادية المنتفعة الانتهازية - إن أردت دقة المعلومة والوصف - يضع كل تلكم القيم والمبادئ جانباً، بل ويكشّر عن أنيابه في صورة فاضحة بشعة. هذا الغرب منذ أن تمكّن من بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً، وعلى رأسه الولايات المتحدة، صار يتحرك بمنطق القوي ذي البأس في هذا العالم، الذي هو من وضع نظامه وفرضه على الجميع، سواء أكان مقبولاً أم مرفوضاً من الغالبية البشرية.
الغرب ومنطق الاستبداد
منطق الغرب هذا دفعه مبكراً للتحرك وفق ما تقتضي مصالحه، لا يهمه إن كانت تحركاته تتوافق أو تتعارض مع غيره، حتى وإن بدا ظاهرياً أنه يسير وفق أو ضمن منظومة واحدة هي الأمم المتحدة، والتي هو نفسه من وضع أسسها ونظمها وقوانينها لتخدمه أولاً قبل غيره، قبل أن تنهض الأمم الأخرى في قادم السنوات ! ولعل أبرز أمثلة تسلط الغرب على الأمم المتحدة، أو إن شئت القول: التسلط على العالم غير الغربي، هو حق النقض أو الفيتو، الذي يملك الغرب ثلاثة أصوات من أصل خمسة ! وبهذا الحق، قام ولا يزال يقوم، بإجهاض وتضييع حقوق العباد والبلاد.
الغرب إذن يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة آخرين - وليس في ذلك ما يعيب من الناحية النظرية – فإن قوته في غالب المجالات الحياتية تسمح له باتخاذ القرار المطلوب لتحقيق مصالحه، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، ولا عيب في ذلك، ما لم يكن استبدادياً. فنحن كأمة مسلمة، كنا في زمن سابق، حين كانت لنا دولة واحدة مرهوبة الجانب، نتحرك ونحمي ديننا ومصالح المسلمين أينما كانت، ولكن وفق ضوابط من الدين والأخلاق والقيم، دون استبداد، إلا ما ندر وصدر عن البعض القليل.. فليس عيباً أن تحمي مصالحك بكل ما أوتيت من قوة، دون استبداد وظلم.
إنّ العيب الذي أقصده في مسألة التحرك بقوتك لحماية مصالحك، أن يكون التحرك دون ضوابط أو أخلاقيات، وهذا هو الحاصل قولاً وفعلاً عند الغرب منذ أن تمكن إلى يوم الناس هذا، رغم حرصه إظهار نفسه للعالم أنه صاحب مبادئ وقوانين وقيم.. لكن مع تزايد الأحداث في العالم، انكشفت كل البواطن أو المساوئ التي حرص هذا الغرب على ألا تظهر علانية. ولعل طوفان الأقصى كشف ما تبقى من سوءاتهم للعالم كله.
إذن لا عيب أن تتحرك وفق مصالحك، وتعد القوة اللازمة لذلك إن كان على أساس من العدل واحترام حقوق الآخرين في العيش بسلام وأمان، وألا تكون حماية مصالحك على حساب مصالح الآخرين، وهذا هو تحديداً ما يفتقده الغرب منذ أن بدأ يصعد ويعلو على الساحة الدولية بقوة ساعده وسلاحه وعلمه، ذلك أن جل التحركات وحماية المصالح، كانت وما زالت بعيدة عن المبادئ والأخلاقيات والقيم الدينية والإنسانية وغيرها.
غزة وإعداد القوة
مفهوم إعداد القوة، وإن غاب عند غالبية جغرافياتنا المسلمة كما أسلفنا، إلا أنه اتضح كثيراً عند الأتراك في العقود الثلاثة الأخيرة، حتى رأيت قواهم تتنوع وتتسع وتزداد، وصارت تركيا اليوم مرهوبة الجانب بنسبة معقولة مطمئنة. تركيا اليوم تعامل الغرب بنفس منطقه، خاصة بعد امتلاكها الكثير من المؤهلات اللازمة للتعامل مع الأقوياء بنفس منطقهم، منطق القوة، وإن كان الفرق بينها وبينهم أن منطق تعاملها وفق مبادئها وقيمها المستمدة من عقيدتها الإسلامية. هي اليوم ربما قاب قوسين أو أدنى أن تصل إلى النقطة الآمنة، التي ستكون بعدها صاحبة قرار مستقل لا يعتمد على قرارات آخرين، إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها بالدرجة الأولى. ولعل هذا سر امتعاض الغرب منها، وكثرة تحرشاتهم بها، ومحاولة عرقلة سيرها الجاد نحو التمكين. غزة مثال بارز آخر بعد الأتراك في مسألة إعداد القوة لإرهاب العدو. فما رأيناه حتى ساعة الناس هذه منذ بدء طوفان الأقصى المبارك، يدل على أن رجال المقاومة هناك اتخذوا مبكراً الآية الكريمة شعاراً لهم في استراتيجية التحرير ودحر العدو، والواقع الميداني يشهد على ذلك، فالأخبار والتقارير والمشاهد اليومية عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، تشرح لك ذلك بكل وضوح. إنك أيها المسلم في ختام هذا الحديث، حين تصنع سلاحك ودواءك وتنتج غذاءك، تكون ملكت قرارك واقتربت من نقطة التمكين، من بعد التوكل على الله وطلب العون منه سبحانه. أما أن تفتقد إلى كل تلك العوامل وتدعو بسذاجة واضحة للتعايش مع الأقوياء، وترفع شعارات التسامح وما شابهها من شعارات جوفاء، فكل ذلك يعني باختصار شديد أنك تدعو للتعايش مع أقوياء أو ذئاب العالم وفق منطقهم وشروطهم ورؤاهم هم، وكذلك وفق مصالحهم هم.
خلاصة ما أريد الوصول إليه، إنه لا شيء معيباً أن تكون قوياً مرهوب الجانب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. تحمي بقوتك مصالحك المختلفة، وترهب بها أعداءك المتربصين، ليس من الاعتداء عليك فحسب، بل من مجرد التفكير بمباشرة الاعتداء. وأن يكون استخدام تلك القوة وفق عدالة السماء، وأخلاقيات الأنبياء، كي تعيش مرهوب الجانب بين الأقوياء. وما تكاتف العالم الغربي بقواه المتنوعة ضد غزة، ووقوفه المشين مع شذاذ الآفاق، إلا لشعور عميق بقوة المقاومة وخشيته من احتمالات تفوقها على ربيبته الخبيثة، وتحول المقاومة إلى ورقة صعبة الهضم. وهذا هو تمام هدف الآية الكريمة من دعوة إعداد القوة. أن يعيش المسلم معتزاً بدينه، مرهوب الجانب، مرفوع الهامة.
ومن ينصر الله ينصره، ويثبت أقدامه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026