رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الآية من سورة البروج (7) تتحدث عن ظلم الكافرين للمؤمنين، فهم يشهدون تعذيبهم وتنكيلهم بهم، أي يحضرون ذلك ويرونه بأعينهم.
وهذا من أقسى صور الطغيان والتجبر، إذ جمعوا بين الكفر بآيات الله ومحاربتها، وتعذيب أهلها عذابًا تقشعر له الأبدان، وهم يشاهدون ذلك بأنفسهم دون أن تتحرك فيهم رحمة. ولم يكن ذنب هؤلاء المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له العزة والقهر، وهو محمود في أقواله وأفعاله وصفاته.
هؤلاء الطغاة لم يكتفوا بإشعال النار وقعودهم حولها، بل كانوا يشهدون التعذيب وهم يتشفّون في المؤمنين، فقوله تعالى “شهود” يحمل معنى الحضور والمشاهدة الفعلية، أو أنهم يشهد بعضهم لبعض أمام حاكمهم الظالم بأنهم نفّذوا أوامره. وهذا يعكس قمة القسوة والظلم، ويبيّن قلوبًا خالية من أي رحمة أو إنسانية.
ومنذ أكثر من عام، يواجه أهل غزة حربًا وحشيةً، يملؤها القتل والظلم والاضطهاد، فضلًا عن الحصار القاسي المستمر الذي سرق منهم أبسط حقوق الحياة اليومية. دُمّرت منازلهم، قُتلت أرواحهم، وشُرّدوا من أرضهم.
وفي وقت يشاهد فيه العالم أجمع هذه الفظائع على الهواء مباشرة عبر وسائل الإعلام، فإن آلة القتل الإسرائيلية تواصل ارتكاب الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين، لدرجة محو عائلات كاملة من السجل المدني. أيمكن أن تصل الوحشية إلى هذا الحد؟! جعلوا حياتهم جحيمًا لا يُطاق. لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل يُعقل أن نكون نحن شهودًا على هذا الظلم ولا نحرك ساكنًا؟! نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.
إن ما يواجهه الشعب الفلسطيني هو ابتلاء عظيم واختبار ثقيل، لكنه أيضًا صورة عظيمة للصبر والثبات في وجه العدوان الإسرائيلي، رغم كل الدعوات والمظاهرات التي تُنادي في أنحاء العالم لوقف هذا الظلم وحماية مقدسات المسلمين.
ثبات أهل فلسطين، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، أمام هذا الاحتلال هو أعظم دليل على صدق إيمانهم وقوة عزيمتهم. لقد صاروا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حياة بكرامة في غزة، أو شهادة في سبيل الله إن صبروا واحتسبوا.
وفي هذا السياق، لابد من التأكيد على أن العدوان على غزة ليس مجرد نزاع على أرض أو موارد، بل هو اعتداء مباشر على القدس، قلب العقيدة الإسلامية، مما يجعل من القضية الفلسطينية قضية دينية بامتياز، لا مجرد صراع سياسي. وما يواجهه أهل غزة من قتل وتعذيب وحصار هو معركة دفاع عن العقيدة، والمقدسات، وعن أولى القبلتين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
لذلك، فإن نصرة القضية الفلسطينية ودعم أهلها واجب على كل مسلم، فهؤلاء يمثلون وجهًا مشرفًا للمقاومة في سبيل الله، ويجسدون التضحية والثبات في سبيل العقيدة.
فالحرب على غزة ليست حربًا على بقعة جغرافية، ولا صراعًا محليًا، بل هي حرب على الإسلام نفسه، وعلى مقدسات الأمة، وعلى المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين، ومهوى قلوب المسلمين.
خلاصة القول: هذا الدين باقٍ ما بقيت الدنيا، والنصر قادم لا محالة للمؤمنين، كما وعد الله، مهما طال الزمن واشتدت المعاناة. والشهداء الذين يسقطون في غزة اليوم، هم امتداد لشهداء بدر وأُحد والخندق، وصولًا إلى يومنا هذا.
وفي الختام، نؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله، وهو صالح لكل زمان ومكان. نرى اليوم تجليًا واضحًا للآية الكريمة التي تحدثت عن ظلم الكافرين للمؤمنين، فيما يعيشه أهل غزة من حصار وقتل وقصف وتجويع وحرمان. لكنهم رغم ذلك يواصلون الثبات والصبر، في حين تبقى جرائم الاحتلال شاهدة عليهم، وعلى صمت العالم وتخاذله.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كما شهد الكفار على تعذيب المؤمنين زمنًا مضى، يشهد اليوم العالم - وإن صمت - على ما يُفعل بالمؤمنين في غزة، في مشهد يعيد الآية للحياة من جديد. والفرق أن الله لا يغفل، والدم لا يُنسى، وإن طال الانتظار فالحق عائد لا محالة، وعدًا غير مكذوب. فاللهم انصرهم، وثبّتهم، وارفع رايتهم، ولا تجعلنا من الصامتين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
3156
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
2187
| 28 يناير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
1281
| 04 فبراير 2026