رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

426

منى الجهني

«وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود»

02 مايو 2025 , 02:00ص

الآية من سورة البروج (7) تتحدث عن ظلم الكافرين للمؤمنين، فهم يشهدون تعذيبهم وتنكيلهم بهم، أي يحضرون ذلك ويرونه بأعينهم.

وهذا من أقسى صور الطغيان والتجبر، إذ جمعوا بين الكفر بآيات الله ومحاربتها، وتعذيب أهلها عذابًا تقشعر له الأبدان، وهم يشاهدون ذلك بأنفسهم دون أن تتحرك فيهم رحمة. ولم يكن ذنب هؤلاء المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له العزة والقهر، وهو محمود في أقواله وأفعاله وصفاته.

هؤلاء الطغاة لم يكتفوا بإشعال النار وقعودهم حولها، بل كانوا يشهدون التعذيب وهم يتشفّون في المؤمنين، فقوله تعالى “شهود” يحمل معنى الحضور والمشاهدة الفعلية، أو أنهم يشهد بعضهم لبعض أمام حاكمهم الظالم بأنهم نفّذوا أوامره. وهذا يعكس قمة القسوة والظلم، ويبيّن قلوبًا خالية من أي رحمة أو إنسانية.

ومنذ أكثر من عام، يواجه أهل غزة حربًا وحشيةً، يملؤها القتل والظلم والاضطهاد، فضلًا عن الحصار القاسي المستمر الذي سرق منهم أبسط حقوق الحياة اليومية. دُمّرت منازلهم، قُتلت أرواحهم، وشُرّدوا من أرضهم.

وفي وقت يشاهد فيه العالم أجمع هذه الفظائع على الهواء مباشرة عبر وسائل الإعلام، فإن آلة القتل الإسرائيلية تواصل ارتكاب الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين، لدرجة محو عائلات كاملة من السجل المدني. أيمكن أن تصل الوحشية إلى هذا الحد؟! جعلوا حياتهم جحيمًا لا يُطاق. لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل يُعقل أن نكون نحن شهودًا على هذا الظلم ولا نحرك ساكنًا؟! نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء.

إن ما يواجهه الشعب الفلسطيني هو ابتلاء عظيم واختبار ثقيل، لكنه أيضًا صورة عظيمة للصبر والثبات في وجه العدوان الإسرائيلي، رغم كل الدعوات والمظاهرات التي تُنادي في أنحاء العالم لوقف هذا الظلم وحماية مقدسات المسلمين.

ثبات أهل فلسطين، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً، أمام هذا الاحتلال هو أعظم دليل على صدق إيمانهم وقوة عزيمتهم. لقد صاروا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حياة بكرامة في غزة، أو شهادة في سبيل الله إن صبروا واحتسبوا.

وفي هذا السياق، لابد من التأكيد على أن العدوان على غزة ليس مجرد نزاع على أرض أو موارد، بل هو اعتداء مباشر على القدس، قلب العقيدة الإسلامية، مما يجعل من القضية الفلسطينية قضية دينية بامتياز، لا مجرد صراع سياسي. وما يواجهه أهل غزة من قتل وتعذيب وحصار هو معركة دفاع عن العقيدة، والمقدسات، وعن أولى القبلتين ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

لذلك، فإن نصرة القضية الفلسطينية ودعم أهلها واجب على كل مسلم، فهؤلاء يمثلون وجهًا مشرفًا للمقاومة في سبيل الله، ويجسدون التضحية والثبات في سبيل العقيدة.

فالحرب على غزة ليست حربًا على بقعة جغرافية، ولا صراعًا محليًا، بل هي حرب على الإسلام نفسه، وعلى مقدسات الأمة، وعلى المسجد الأقصى، ثالث الحرمين الشريفين، ومهوى قلوب المسلمين.

خلاصة القول: هذا الدين باقٍ ما بقيت الدنيا، والنصر قادم لا محالة للمؤمنين، كما وعد الله، مهما طال الزمن واشتدت المعاناة. والشهداء الذين يسقطون في غزة اليوم، هم امتداد لشهداء بدر وأُحد والخندق، وصولًا إلى يومنا هذا.

وفي الختام، نؤمن بأن القرآن الكريم كلام الله، وهو صالح لكل زمان ومكان. نرى اليوم تجليًا واضحًا للآية الكريمة التي تحدثت عن ظلم الكافرين للمؤمنين، فيما يعيشه أهل غزة من حصار وقتل وقصف وتجويع وحرمان. لكنهم رغم ذلك يواصلون الثبات والصبر، في حين تبقى جرائم الاحتلال شاهدة عليهم، وعلى صمت العالم وتخاذله.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كما شهد الكفار على تعذيب المؤمنين زمنًا مضى، يشهد اليوم العالم - وإن صمت - على ما يُفعل بالمؤمنين في غزة، في مشهد يعيد الآية للحياة من جديد. والفرق أن الله لا يغفل، والدم لا يُنسى، وإن طال الانتظار فالحق عائد لا محالة، وعدًا غير مكذوب. فاللهم انصرهم، وثبّتهم، وارفع رايتهم، ولا تجعلنا من الصامتين.

مساحة إعلانية