رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

333

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الميزان المختل.. من يحمي المستهلك؟

02 مايو 2026 , 10:27م

قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، وهي آية عظيمة لا تقف عند حدود الكيل والوزن بمعناهما التقليدي، بل تحمل رسالة أخلاقية واسعة تؤكد أن العدالة في التعامل أصل من أصول استقامة المجتمع. فالميزان في المفهوم القرآني لا يقتصر على الأسواق القديمة، بل يمتد إلى كل معاملة مالية أو خدمية أو تعاقدية يكون فيها طرف يدفع وآخر يلتزم بالتقديم أو التنفيذ.

في واقع الحياة اليومية، يلاحظ كثير من الناس تفاوتًا واضحًا في الأسعار بين سلعة وأخرى وبين محل وآخر، وأحيانًا يصل الفارق إلى درجات يصعب تفسيرها وفق الجودة أو التكلفة. ومن الأمثلة التي يلمسها المستهلك يوميًا أن بعض السلع الغذائية الأساسية قد تباع في منفذ تجاري بسعر معين ثم توجد في منفذ آخر بسعر أعلى رغم أن المنتج ذاته والمصدر ذاته. كما يحدث أحيانًا في بعض المطاعم أو محال بيع المشروبات أن السعر يختلف بشكل كبير بين منطقة وأخرى دون أن يكون الاختلاف مرتبطًا بمستوى الخدمة أو الجودة بشكل واضح.

هذا التفاوت قد يكون مقبولًا إذا كان مبنيًا على اختلاف حقيقي في الجودة أو الخدمة أو الموقع، لكنه يصبح محل تساؤل عندما لا يجد المستهلك سببًا واضحًا لهذا الفرق الكبير، خصوصًا إذا تعلق الأمر بسلع أساسية أو خدمات يحتاجها الناس باستمرار. وقد يلاحظ المستهلك كذلك اختلافًا في أسعار مواد البناء أو الأدوات المنزلية بين متجر وآخر بفارق ملحوظ، رغم تشابه المنتج والعلامة التجارية، مما يجعل السؤال عن حدود التسعير العادل حاضرًا بقوة.

ولا يقتصر الأمر على الأسعار فقط، بل يمتد إلى صور متعددة من الغش أو التلاعب قد لا تظهر للمستهلك إلا بعد الشراء أو بعد بدء الاستخدام. فقد تُعرض سلعة على أنها ذات جودة مرتفعة ثم يتبين أنها أقل من المواصفات المعلنة، أو تُستخدم عبارات دعائية توحي بمميزات غير موجودة فعليًا، أو تُخفى بعض التفاصيل المهمة المتعلقة بالمصدر أو مدة الصلاحية أو طريقة الاستخدام. وفي بعض الأحيان يفاجأ المستهلك برسوم إضافية لم تكن واضحة منذ البداية، كما يحدث أحيانًا عند طلب بعض الخدمات أو الشراء عبر بعض العروض التي تبدو منخفضة السعر ثم تظهر لاحقًا تكاليف إضافية لم تكن معلنة بوضوح.

التجارة في أصلها تقوم على الربح المشروع، والربح ليس أمرًا مرفوضًا، بل هو أساس النشاط الاقتصادي، لكن الربح يفقد قيمته حين يتحول إلى مغالاة غير مبررة أو استغلال لحاجة الناس. فالسوق الناجحة ليست تلك التي ترتفع فيها الأسعار بلا تفسير، بل السوق التي تقوم على المنافسة العادلة والشفافية والثقة.

ومن صور الاختلال التي أصبحت أكثر حضورًا ما يتعلق بعقود العمل والخدمات، خاصة في مجالات البناء والتعمير والصيانة والخدمات المنزلية والفنية. فكثير من الناس يبرمون عقودًا واضحة على مواصفات محددة، ثم يفاجؤون أثناء التنفيذ بأن الواقع يختلف عن الاتفاق. قد يبدأ المشروع بمواد معينة ثم تُستبدل بمواد أقل جودة، أو يُحدد وقت للتسليم ثم يتأخر التنفيذ دون مبرر، أو يتم تسليم العمل ناقصًا أو بصورة لا تعكس ما تم الاتفاق عليه.

في قطاع البناء تحديدًا، تظهر أحيانًا شكاوى من عدم الالتزام بالمخططات أو بالمواصفات أو بالجودة المطلوبة، رغم أن العقد واضح بين الطرفين. ومن الأمثلة المتكررة أن يتفق صاحب المنزل مع المقاول على نوع معين من الحديد أو العزل أو الدهانات، ثم يكتشف أثناء التنفيذ أو بعده استخدام مواد مختلفة أقل جودة. وقد يحدث أيضًا أن يتفق الطرفان على إنهاء مرحلة معينة خلال مدة محددة، لكن العمل يتأخر لأشهر دون تفسير مقنع، بينما تبقى الالتزامات المالية قائمة.

وقد يدفع صاحب المشروع مبالغ كبيرة على أساس الثقة، ثم يكتشف لاحقًا أن بعض الأعمال لم تنفذ كما يجب أو أن المواد المستخدمة تختلف عما تم الاتفاق عليه. وهنا لا يكون الضرر ماليًا فقط، بل يمتد إلى مشكلات مستقبلية قد تظهر بعد مدة من الزمن مثل تشققات الجدران أو ضعف العزل أو الحاجة إلى إعادة الإصلاح.

وفي قطاع الخدمات كذلك، قد يتفق المستهلك مع جهة معينة على خدمة محددة ثم يجد أن مستوى التنفيذ أقل من المتوقع، أو أن الالتزامات لا تُنفذ كاملة، أو أن التواصل بعد الدفع يصبح أقل وضوحًا. وقد يظهر ذلك في بعض أعمال الصيانة المنزلية أو خدمات التنظيف أو التوريد، حيث يكون الاتفاق واضحًا في البداية ثم تختلف النتيجة النهائية عن المتوقع.

لذلك فإن حماية المستهلك لا ينبغي أن تُفهم فقط على أنها حماية عند شراء سلعة، بل أيضًا حماية عند التعاقد على خدمة أو تنفيذ أو مشروع. العقد ليس مجرد ورقة توقع، بل هو التزام أخلاقي وقانوني. وإذا لم ينفذ العقد بصدق وأمانة، فإن المتضرر يحتاج إلى جهة تحمي حقه وتعيد له التوازن.

وهنا تبرز أهمية الجهات المختصة وفي مقدمتها وزارة التجارة والصناعة ممثلة في إدارة حماية المستهلك، التي يقع على عاتقها استقبال الشكاوى ومتابعة المخالفات والتأكد من التزام المنشآت التجارية والخدمية بالقوانين والأنظمة.

كما أن وجود القوانين وحده لا يكفي إذا لم تصاحبه رقابة عملية فعالة وسرعة في معالجة البلاغات. فالمستهلك يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك جهة تستمع إليه وتحمي حقه عندما يتعرض لغش أو تضليل أو إخلال بالعقد. وكلما كانت الإجراءات واضحة وسريعة، زادت الثقة بالسوق وقلت فرص الاستغلال.

القطاع الخاص أيضًا شريك مهم في هذه المعادلة، لأن المؤسسة التي تفكر في الاستمرار تدرك أن السمعة الجيدة أهم من الربح السريع، وأن العميل حين يشعر بالعدل يعود مرة أخرى، أما حين يشعر بالغبن فإنه ينقل تجربته للآخرين وتضعف الثقة تدريجيًا.

أما المستهلك نفسه، فله دور أساسي لا يمكن تجاهله، من خلال قراءة العقود بعناية، والاحتفاظ بالفواتير، وطلب توضيح كل بند قبل الاتفاق، وعدم التردد في تقديم شكوى عند حدوث مخالفة. فالوعي الاستهلاكي هو جزء من قوة السوق، لأن المستهلك الواعي يحد من فرص التلاعب.

إن الميزان المختل لا يظهر فقط في سعر سلعة، بل قد يظهر في عقد لا يُنفذ كما يجب، وفي مادة أقل من المتفق عليها، وفي خدمة لا تعكس قيمة ما دفعه المستهلك. أما الميزان العادل فهو الذي يحفظ الحقوق، ويجعل الثقة أساسًا للعلاقة بين البائع والمشتري، وبين مقدم الخدمة والمتعامل معه. ويبقى السؤال حاضرًا: من يحمي المستهلك؟ والإجابة تبدأ حين تتكامل الرقابة، وتُحترم العقود، وتترسخ الأمانة في كل تعامل.

مساحة إعلانية