رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تهب على منطقة الخليج العربي هذه الأيام رياح الخماسين التي تأتي من صحارى شمال إفريقيا لتمر بسواحل البحر الأبيض المتوسط وجمهورية مصر العربية في طريقها إلى جزيرة العرب. إنها رياح جافة نشطة مؤذية في معظم الأحيان. إنها تحجب الرؤية عند الإنسان، وتؤذي حلاله، وتؤدي إلى إلحاق الضرر بالنبات لشدة جفافها وكثرة رمالها النافرة مع الهبوب لتؤذي العيون.
(2)
وصلت تلك الرياح إلى خليجنا البائس هذه الأيام في نوع جديد رياح خماسين إعلامية لا تحجب الرؤية فحسب بل تمنع الرؤية، الأمر الذي يؤدي بالإنسان إلى عدم رؤيته معالم الطريق، فتقوده إلى الضياع ويهلكه العطش ولا يجد من ينقذه إلا الله عز وجل.
قبل هبوب تلك الرياح الإعلامية العاتية على خليجنا العربي، كنا نتوقع نقلة نوعية إيجابية بعد مؤتمرات القمم الثلاث التي انعقدت في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية في مايو المنصرم، تشمل هذه النقلة النوعية عودة الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور إلى العاصمة صنعاء واندحار الحلف الثنائي المسلح (صالح والحوثي) وتجريد جميع المليشيات في اليمن من السلاح، ولا سلاح يعلو على سلاح الحكومة الشرعية، والقبول العربي الإسلامي بدولة مدنية تعددية ينظم واقعها دستورا يعده أبناء اليمن الشقيق دون تدخل من أي طرف كان، ويقرر المجتمعون في قمة الرياض بالتضامن بإعادة إعمار اليمن بعد الخراب والدمار الذي حاق باليمن، ولا يتركون العبء كله على أهلنا في المملكة السعودية. كنا نتوقع من قمة عربية إسلامية في وجود رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم، الرئيس الأمريكي، أن يرفع الحصار عن قطاع غزة المحاصر من قبل جمهورية مصر ومن إسرائيل ليعيش الفلسطينيين في قطاع غزة حياة طبيعية أسوة ببقية شعوب الأرض خاصة إخوانهم في الضفة الغربية، وإذا بنا نصمت كصمت القبور عندما أعلن الرئيس الأمريكي رونالد ترامب أن حركة / حزب حماس منظمة الإرهابية. كنا نتوقع من مؤتمر قمة عربية إسلامية أمريكية أن تحسم الحرب الطاحنة في سورية الحبيبة لصالح الشعب السوري بطرق ووسائل متعددة وعودة اللاجئين والنازحين إلى مساكنهم رغم الدمار الذي حاق بما يملكون. كنا نتوقع من هذه القمة الكبرى أن تعتبر جميع المليشيات التابعة لإيران وحزب الدعوة في العراق وسورية منظمات إرهابية أسوة بداعش وغيرها من التنظيمات الأخرى.
لقد بذلت القيادة السياسية السعودية العليا قصار جهدها لتحقيق تلك المطالب، لكنها كانت تحتاج إلى رديف إسلامي من رؤساء الدول الإسلامية المشاركين في تلك التظاهرة السياسية النادرة الحدوث، ولكن كانت أبصار معظمهم شاخصة نحو أمور أخرى كما يتضح.
(3)
لأول مرة في تاريخ حياتي أشاهد حربا عربية عربية مدمرة بمعونة أجنبية، كما يحدث في العراق وسورية، وترحيل السكان من بيوتهم وقراهم ولا يسمح لهم بالعودة إليها من قبل تلك الحكومات الظالمة في بغداد ودمشق ولا تتحدث وسائل إعلامنا عن تلك الجرائم إلا همسا.
والحق أنها المرة الأولى في تاريخنا المعاصر خاصة منذ تأسيس دول مجلس التعاون الخليجي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي أن أشاهد وأقرأ هجمة إعلامية لا أخلاقية شرسة على دولة من دول التعاون الخليجي واتهامها "بأنها نكثت بعهودها وعدم الوفاء بها"، كما ورد في عدد من صحف سعودية أعتبرها شخصيا صحفا رزينة لا تقبل الخطأ. السؤال هل اطلع أحد الكتاب أو رؤساء تحرير تلك الصحف القائلة بذلك القول على تلك العهود مكتوبة؟ أم أنها أحاديث يرددها البعض دون سند يعتمد عليه، هل اطلع أحد رؤساء تلك الصحف على محاضر جلسات حكامنا ومحادثاتهم البينية؟ أتمنى أن يكون ذلك، لكني أجزم بأنهم يرددون أقوالا ليست موثقة. وأنها تضر الكل ولا تنفع أحدا.
يتساءل أحد كتاب إعلام الأزمات في صحيفة سعودية يقول: "القصة الكبرى هي لماذا تكرهنا ياسمو الأمير ولماذا تعادي قيادتنا وتتحالف مع أعدائنا؟" (يقصد أمير دولة قطر) أعتقد أن صاحبنا مغيب عن الواقع، فلا أحد في قطر يكره المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا، فقواتنا المسلحة تعمل جنبا إلى جنب مع جيش المملكة السعودية في جبهة القتال في نجران، وشرب صعيد المملكة من الدم القطري، ولنا شهداء هناك، فلو كان هناك كراهية لما تواجدت قواتنا المسلحة جنبا إلى جنب مع إخوانهم السعوديين في جبهة القتال. ولو كانت هناك كراهية كما تقول لما تكاثرت زيارات أولي الأمر فينا لإخوانهم قادة المملكة في كل مناسبة فرحا أو حزنا، تحالفنا مع السعودية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن ولم نتحالف مع سواهم، فقط اختلفت قطر مع السعودية في شأن الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي قفز إلى الحكم عن طريق القوة، وهذا الخلاف حق من حقوق السيادة، وخلاف قطر مع السعودية في شأن مصر لا يضر السعودية في شيء، واعلم حق العلم أن المملكة اختلفت مع النظام المصري أكثر من مرة، وأعتقد أن الاختلاف مع مصر مرشح للعودة لأي سبب.
(4)
أتوجه الآن بحديثي إلى عقلاء الخليج وأصحاب الأقلام الشريفة وأهل الرأي وهيئة كبار العلماء أن يدلوا بدلوهم في فض هذا الاشتباك الإعلامي اللا أخلاقي وإيجاد آلية للتوفيق بين الأشقاء.
في الماضي شكلت هيئة علماء المسلمين من أكثر من دولة إسلامية وفدا توجهوا إلى أفغانستان عام 2001 لإنقاذ تماثيل بوذا المنقوشة على صخور في أحد أودية أفغانستان من التفجير، وعليهم الآن دور يجب أن يؤدونه تجاه الأمة العربية الإسلامية في شهر رمضان الكريم تجاه لوأد الفتنة القائمة اليوم بين دول مجلس التعاون قبل أن ينفرط الزمام من أيدينا. وفي ذات السياق أدعو العقلاء وهم كثر في خليجنا العربي وأستأذنكم في تسمية البعض على سبيل المثال لا الحصر منهم السيد أحمد خليفة السويدي أحد أبرز رجال اتحاد الإمارات والدكتور علي فخرو المعروف بحكمته وعلمه، وهو من رجالات البحرين، والسيد ناصر الدويلة من الكويت ولا يحتاج مني إلى التعريف به، هذا لايعني تجاهل الغير لكني أوردت الأسماء على سبيل المثال لا الحصر فهل من مستجيب.
آخر القول: انقذوا الخليج من الضياع، الأعداء يتربصون بنا من كل اتجاه، فهبوا يا عقلاء وياحكام وياعلماء الأمة لإنقاذنا قبل فوات الأوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12153
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10272
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3483
| 22 أكتوبر 2026