رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

327

د. خالد وليد محمود

وعيٌ في زمن الآلة.. بين متاهات الإدراك وهندسة العقل

02 يونيو 2025 , 02:00ص

في عالمٍ يُبَجَّل فيه «الذكاء الاصطناعي» و»التحول الرقمي» كعلاماتٍ على التقدّم، يبدو الإنسان أكثر حريةً من أي وقتٍ مضى في اختياراته. لكن الواقع يُخفي شيئًا آخر: نحن نعيش داخل منظومةٍ رقميةٍ معقّدة تُعيد تشكيل وعينا دون أن ندري.

فلم يعد السؤال اليوم: «هل هناك من يتحكم بعقولنا؟» بل تحوّل إلى: «إلى أي حدٍّ نستطيع مقاومة هذا التحكم؟»

صارت التكنولوجيا واجهةً للوجود المعاصر، لكنها تحمل في طيّاتها آلياتٍ خفيّة للسيطرة، تبدأ من الإعلام الموجَّه، وتمرّ عبر الخوارزميات الذكية، وتنتهي بالتلاعب العاطفي عبر منصات التواصل.

يشعر الإنسان أحيانًا وكأنه يعيش داخل لعبةٍ هائلة، تُعاد كتابة قواعدها باستمرار، وتُوجَّه مساراته دون أن يدرك. في هذه اللعبة، ليست كل «الحقائق» حقيقية، وليس كل ما نسمعه صادقًا. فـ”الواقع” نفسه يُصنع رقميًّا عبر آليات السيطرة الرمزية التي يتقنها الإعلام المعاصر. وبينما يظن الفرد أنه يختار بحرية، يكون قد تمّ اختياره مسبقًا عبر تحليلات البيانات، والاستهداف السلوكي، والتلاعب النفسي.

المتاهة الرقمية: حين يصبح الواقع لعبةً لا نعرف قواعدها

يشعر المرء أحيانًا بأنه يدور في متاهةٍ لا نهاية لها: كلما ظنّ أنه فهم اللعبة، اكتشف أن القواعد قد تغيّرت.

هذه التجربة ليست مجرد “نظرية مؤامرة”، بل هي نتاج بنية الإعلام الرقمي الحديث، الذي يجمع بين الترفيه، الهيمنة، وتشكيل الرأي العام في آنٍ واحد. وإذا كان التضليل الإعلامي قديمًا يعتمد على الأخبار المزيفة أو الخطاب التحريضي، فإنه اليوم أصبح أكثر دقةً وتخفيًا بفضل الذكاء الاصطناعي.

فالخوارزميات لا تقدم لك ما «تريده» فحسب، بل تُحدّد لك ما «يجب أن تريده»، وتصنع واقعًا بديلًا يتشكّل وفق بياناتك، وميولك، وتاريخك الرقمي.

إنها حربٌ ناعمة لا تُستخدم فيها الرصاصات، بل “الأسلحة الصامتة” كما وصفها المفكر نعوم تشومسكي.

أسلحة الصمت: كيف يُهندس الإعلام وعي الجماهير؟

في وثيقةٍ غامضة تعود إلى الثمانينيات بعنوان “الأسلحة الصامتة لحرب هادئة”، كشف تشومسكي عن إستراتيجيات الإعلام في التحكم بالمجتمعات عبر أدواتٍ تبدو بريئة، لكنها تحمل أجنداتٍ خفيّة. ومن أبرز هذه الإستراتيجيات:

1. خلق الأزمات وفرض الحلول الجاهزة: تُصَنَّع الأزمات (اقتصادية، سياسية، صحية) لتمرير حلولٍ مسبقة التخطيط.

2. التدرّج في فرض التغييرات: تُنفّذ السياسات الاستبدادية على مراحل كي لا يشعر الناس بحدّتها.

3. تبسيط الخطاب لتمرير الأجندات: يُخاطب العامة كالأطفال لضمان استيعاب الرسائل دون تمحيص.

4. إستراتيجية الإلهاء: تُغرَق الجماهير في قضايا هامشية (فضائح، رياضة، مسلسلات) لصرف انتباههم عن القرارات المصيرية.

وفي العصر الرقمي، لم تعد هذه الإستراتيجيات حكرًا على الإعلام التقليدي، بل تم تطويرها بآلياتٍ أكثر تعقيدًا:

• الذكاء الاصطناعي يوجّه المحتوى حسب سلوك المستخدم لتعزيز الانحياز الفكري.

• الترندات المصطنعة تُضخَّم وفق أجندات سياسية أو تجارية.

• الفقاعات المعلوماتية تُغلق المستخدم في عالمٍ من الأفكار المتشابهة، مما يقتل التعددية الفكرية.

لم يعد الإعلام مجرد ناقلٍ للأخبار، بل تحوّل إلى مصنعٍ للواقع، يُنتج “الحقائق” ويُشكّل الوعي الجمعي.

فتحت شعار “الحرية الرقمية”، نجد أشكالًا جديدة من الرقابة الذكية:

• لا أحد يمنعك من الكلام، لكن الخوارزميات تمنع صوتك من الوصول.

• لا توجد رقابة صارخة، لكن هناك تضخيمًا للضوضاء لإغراق أي صوتٍ مخالف.

• تُقدَّم لك “حرية الاختيار”، لكن ضمن خياراتٍ مُعدّة مسبقًا.

كما قال تشومسكي: “السيطرة الحقيقية لا تُمارَس بالقوة، بل بالإقناع الخفي”.

الخلاصة: لسنا ضد التكنولوجيا، ولا ضد الإعلام، لكن من الضروري إعادة النظر في علاقتنا بهما. فكلما تطوّرت أدوات التحكم، زادت الحاجة إلى اليقظة النقدية. وكلما ادّعى العالم أنه أصبح أكثر “ذكاءً”، ازدادت ضرورة التمسّك بغريزة الشكّ التي تميّز بين الحقيقة والزيف، وبين الاختيار الحرّ والخداع المُمنهج. فالسؤال اليوم لم يعد: كيف نوقف التكنولوجيا؟ بل: كيف نمنعها من استخدامنا دون أن نشعر؟

مساحة إعلانية