رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عن «المركز الوطني للذكاء الاصطناعي»

ربما يحدث اليوم، للمرة الأولى في التاريخ، أن تسبق الخوارزمياتُ السياسةَ في كتابة التاريخ، وأن تتشكل موازين القوة في غرف البيانات قبل أن تظهر آثارها على خرائط الجغرافيا. فالعالم لا يشهد مجرد ثورة تكنولوجية، بل انتقالًا عميقًا في طبيعة القوة ذاتها؛ إذ لم يعد السؤال من يمتلك الموارد والسلاح فحسب، بل من يمتلك العقل الذي يديرهما، والخوارزمية التي تعيد ترتيب استخدامهما، والمعرفة التي تمنحه القدرة على استشراف ما لم يحدث بعد. وفي خضم هذا التحول، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من سباق تقني؛ إنه معركة صامتة على السيادة، وعلى حق الدول في ألا يكون مستقبلها خاضعًا لقواعد يصوغها الآخرون. من هنا، تكتسب خطوة قطر بإنشاء المركز الوطني للذكاء الاصطناعي أهميتها الاستراتيجية، بوصفها استثمارًا في موقع الدولة داخل عالم لا يكتفي فيه الأقوياء بصناعة التكنولوجيا، بل يسعون أيضًا إلى صياغة القواعد التي تحكمها. إن تأسيس المركز الوطني للذكاء الاصطناعي يندرج ضمن توجه قطري أوسع نحو ترسيخ الاقتصاد الرقمي وتعزيز القدرات الوطنية في التكنولوجيا المتقدمة. فقد ذكر بيان بشأن الاستثمارات القطرية في هذا القطاع أن حجمها خلال عام 2026 يُقدَّر بنحو 25 مليار دولار، فيما خُصصت حوافز حكومية بقيمة نحو 2.4 مليار دولار لدعم الذكاء الاصطناعي محليًا، وتعزيز القدرات الوطنية، واستقطاب المواهب والاستثمارات إلى الدوحة. كما تتوسع استثمارات جهاز قطر للاستثمار في الشركات التكنولوجية العالمية، بما يعكس توجهًا نحو اقتناص الفرص التي يتيحها أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي. هذه المعطيات تكشف عن مسارين متكاملين: الاستثمار في الشركات والتقنيات العالمية للاستفادة من فرص النمو، وبناء منظومة محلية قادرة على استيعاب التطبيقات الذكية وتطويرها. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال وحده، بل في قدرتها على توليد المعرفة، ونقل التكنولوجيا، واستقطاب المواهب، وخلق قيمة اقتصادية مستدامة داخل الدولة. وهنا تبرز أهمية المركز بوصفه إطارًا مؤسسيًا يمكن أن يربط بين الاستثمار والسياسات والبحث العلمي، ويمنح التحول الرقمي اتجاهًا وطنيًا أكثر تكاملًا. فالسيادة الرقمية لا تعني الانغلاق عن العالم أو الاستغناء عن تقنياته، بل امتلاك القدرة على الاختيار والتطوير والتأثير في القواعد التي تحكمها. والدولة التي تكتفي باستهلاك التكنولوجيا قد تجد نفسها معتمدة على حلول ومعايير لا تتحكم في شروط إنتاجها أو تحديثها؛ أما التي تستثمر في المعرفة والقدرات البشرية، فتمتلك فرصًا أكبر للمشاركة في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء المركز، بالتوازي مع تطوير القدرات الرقمية والتدريب، يمثل خطوة نحو بناء منظومة تجمع بين تطوير السياسات، وتشجيع الابتكار، وتنمية الكفاءات الوطنية. لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، لا تعفي الإنسان من المسؤولية، ولا تجعل الابتكار غاية مستقلة عن المصلحة العامة. فالذكاء الاصطناعي يثير أسئلة جوهرية حول الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والمساءلة القانونية، وحدود اتخاذ القرار الآلي. ومن ثم، فإن نجاح المركز يتطلب تطوير أطر تنظيمية توازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، وتضمن الشفافية والمساءلة والاستخدام المسؤول. فالتحدي ليس في تسريع التحول الرقمي فحسب، بل في ضمان ألا تتقدم التكنولوجيا على قدرة المؤسسات على فهم آثارها وتنظيمها. كما أن بناء القدرات الوطنية لا يقل أهمية عن الاستثمار المالي؛ فالمنافسة في هذا المجال لن تُحسم فقط بامتلاك مراكز البيانات والشرائح المتقدمة، بل أيضًا بامتلاك العقول القادرة على تطوير النماذج وتقييمها وتوظيفها. وهنا تبرز أهمية التكامل بين المركز والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، إلى جانب الاستثمار في التدريب وتطوير المهارات الرقمية، بما يضمن انتقال الدولة من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن استيراد الحلول إلى المشاركة في تطويرها.

201

| 30 أكتوبر 2026

ما وراء أشباه الموصلات..

قد لا يتجاوز قطر قرص السيليكون المستخدم في صناعة أشباه الموصلات 12 بوصة، لكنه يشكّل أساسا لتكنولوجيا تؤثر في الاقتصاد العالمي، وتعيد تشكيل موازين القوة، وتدخل في صميم الحروب الحديثة. فمن الهواتف الذكية والسيارات إلى مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي والصواريخ الدقيقة، أصبحت الرقائق الإلكترونية أصولًا استراتيجية تتجاوز قيمتها حدود الصناعة والتجارة. وتُعدّ رقائق السيليكون حجر الزاوية والركيزة الأساسية لصناعة أشباه الموصلات؛ إذ تُبنى على سطحها الدوائر الإلكترونية الدقيقة عبر عمليات تصنيع معقدة، قبل تقطيعها إلى شرائح تدخل في إنتاج المعالجات والذاكرة وغيرها من المكونات. وتكمن أهميتها في موقعها ضمن سلسلة إمداد عالمية تتطلب معدات متخصصة ومواد فائقة النقاء وخبرات متقدمة. الأرقام تعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذه الصناعة؛ إذ توقعت منظمة إحصاءات تجارة أشباه الموصلات العالمية (WSTS) أن تبلغ قيمة السوق العالمي نحو 1.51 تريليون دولار في نهاية عام 2026، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذاكرة والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. وفي المقابل، يُقدّر سوق رقائق السيليكون المستخدمة في التصنيع بنحو 14.3 مليار دولار في العام نفسه، وفق توقعات منشورة عن مؤسسة SEMI، وهو سوق مختلف عن سوق أشباه الموصلات النهائية. في قلب هذا المشهد، يحتدم التنافس بين الولايات المتحدة والصين على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتقليل الاعتماد على الخارج. ولم تعد المعركة مقتصرة على تصميم الرقائق وتصنيعها، بل امتدت إلى التحكم في المعدات والمواد والبرمجيات وسلاسل الإمداد. كما تكتسب تايوان أهمية استراتيجية استثنائية بفضل الدور المحوري لشركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (TSMC) في تصنيع الرقائق المتقدمة، ما يجعل استقرار إنتاجها مسألة تتجاوز حدود الجزيرة إلى الاقتصاد العالمي. المؤرخ الاقتصادي الأمريكي كريس ميلر تناول هذه التحولات في كتابه «حرب الرقائق: الصراع على أهم تكنولوجيا في العالم»، الصادر عام 2022، متتبعًا تطور الصناعة منذ ارتباطها بالاحتياجات العسكرية خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى التنافس التكنولوجي الراهن. ويكشف الكتاب كيف تحولت الرقائق من مكونات إلكترونية صغيرة إلى أدوات مؤثرة في القوة الاقتصادية والأمن القومي والتفوق العسكري. إن التحدي لا يقتصر على القوى الكبرى؛ فالدول العربية مطالبة بدراسة موقعها في الاقتصاد التكنولوجي، عبر الاستثمار في الكفاءات والبحث والتطوير ومراكز البيانات، وتنويع مصادر التوريد، واستكشاف فرص تصميم الرقائق وتغليفها واختبارها. الخلاصة هي أن المعركة على الرقائق، في جوهرها، معركة على القدرة على الابتكار والإنتاج والتسليح والتحكم في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي. لا بل صراع على من يمتلك مفاتيح المستقبل، ومن يكتفي باستخدامها.

276

| 16 أكتوبر 2026

أسوأ سيناريو للذكاء الاصطناعي

تتجاوز المخاطر الكارثية المترتبة على التسارع الحاد للذكاء الاصطناعي حدود النقاش الأخلاقي التقليدي، لتفرض نفسها كإشكالية استراتيجية تمس بنية النظام الدولي ذاته. وفي هذا السياق، تبدو التحذيرات التي أطلقها بيل غيتس أقرب إلى قراءة استشرافية لتحول عميق في طبيعة القوة، لا مجرد تنبيه تقني عابر. فمع صعود ما يُعرف بـ"الوكلاء الخوارزميين المستقلين" وهي أنظمة قادرة على اتخاذ القرار والتنفيذ دون تدخل بشري مباشر - لم يعد الخطر مرتبطًا بامتلاك التكنولوجيا فحسب، بل بانتشارها وقدرتها على العمل خارج الأطر التقليدية للضبط. الإشكالية المركزية باتت أبعد من احتكار دولة كبرى لسلاح فتاك، إلى الحديث عن تفكك مركز القوة ذاته. إذ نبدو اليوم أقرب إلى مشهد انتقال من نظام دولي يقوم على تركيز أدوات الإكراه في يد الدول، إلى بيئة رقمية تتوزع فيها القدرة على الإضرار بين فاعلين متعددي المستويات، بعضهم أفراد أو مجموعات صغيرة، يمتلكون قدرة تأثير تفوق وزنهم المادي بكثير. هذا التحول يعيد تعريف مفهوم الأمن، ويقوض الأسس التي قامت عليها نظريات الردع لعقود. كما هو معروف في النموذج التقليدي فقد استند الردع إلى ثلاث ركائز: وضوح الفاعل، وإمكانية إسناد الفعل إليه، وارتفاع كلفة الهجوم. غير أن هذه الركائز تتآكل في ظل الذكاء الاصطناعي؛ فالفاعل يصبح غامضًا ومخفيًا خلف طبقات من الأتمتة، وإثبات المسؤولية يتحول إلى معضلة تقنية وقانونية، بينما تنخفض كلفة الإضرار إلى مستويات غير مسبوقة. وهنا تتجلى ظاهرة "لامركزية الضرر"، حيث لا تعود المخاطر استثناءً، بل نتيجة طبيعية لانتشار التكنولوجيا نفسها. ولا يقتصر الأمر على إعادة توزيع القوة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل طبيعتها. فالسلاح لم يعد ماديًا أو قابلًا للاحتواء الجغرافي، بل أصبح بنية خوارزمية قابلة للنسخ والتطوير والانتشار السريع. وهذا التحول يجعل أدوات الضبط التقليدية - كالاتفاقيات الدولية أو سياسات الردع - أقل فاعلية أمام واقع يتسم بالسيولة والتغير المستمر. ضمن هذا الإطار، تغدو المخاطر ذات طابع نظامي. فالذكاء الاصطناعي يعمل كـ"طبقة رابطة" تصل بين القطاعات الحيوية - من الطاقة والصحة إلى المال والنقل - مما يجعل أي خلل محدود قادرًا على التمدد عبر هذه الشبكات. وبذلك، فإن "السيناريو الأسوأ" لا يتمثل في هجوم واحد واسع النطاق، بل في سلسلة من الانهيارات المتتابعة التي تنتج عن تفاعل أخطاء صغيرة داخل منظومة مترابطة ومعقدة. التحديات التي تواجهها شركات رائدة مثل "أوبن آي إيه" و"أنثروبك" في ضبط أنظمتها، والتعامل مع ظواهر مثل اختراق الحواجز الأمنية تكشف عن فجوة حقيقية بين تعقيد التكنولوجيا وقدرة المؤسسات على السيطرة عليها. وهو ما يضع نموذج "التنظيم الذاتي" موضع تساؤل جدي، ليس فقط من منظور أخلاقي، بل من زاوية عملية تتعلق بإمكانية الضبط الفعلي. تكشف هذه التحولات عن مفارقة لافتة: كلما ازدادت الأنظمة الذكية كفاءة واستقلالية، تراجعت قدرة الدول على ضبطها ضمن الأطر التقليدية. ولا يكمن الخطر في سيناريوهات تفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان، بل في التآكل التدريجي لوظائف الدولة الأساسية - من حماية الحدود إلى تأمين الخدمات الحيوية- نتيجة انتقال القدرة على الإضرار إلى فضاء مفتوح وعابر للحدود. لقد تحول إحداث الضرر من فعل يتطلب جيوشًا وموارد ضخمة، إلى عملية برمجية خفيفة الوزن، متاحة عبر شبكات مفتوحة، يصعب تتبعها أو ردعها. ومع تزايد الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة البنية التحتية، يصبح أي خلل- سواء كان خطأ تقنيًا أو هجومًا متعمدًا- قادرًا على إحداث تأثيرات واسعة تتجاوز السيطرة. بناءً على ذلك، يقف العالم أمام مفترق طرق حاسم: إما تطوير أطر حوكمة جديدة تستوعب الطبيعة اللامركزية والمتغيرة لهذه التكنولوجيا، أو الانزلاق نحو حالة من "الفوضى الخوارزمية"، حيث تتداخل الأخطاء التقنية مع الهجمات مجهولة المصدر، لتنتج بيئة أمنية تتسم بعدم اليقين، وصعوبة التنبؤ، وتآكل القدرة على الاحتواء.

402

| 02 أكتوبر 2026

عن «الطابع الشيطاني» للذكاء الاصطناعي

يتحوّل النقاش حول الذكاء الاصطناعي تدريجياً من إطار تقني واقتصادي إلى فضاء أوسع تتداخل فيه الأسئلة الأخلاقية والوجودية مع اعتبارات القوة والسياسة. وفي هذا السياق، تكتسب توصيفات مثل "الطابع الشيطاني" لبعض تطبيقاته دلالة تتجاوز بعدها الخطابي، لتعبّر عن قلق متصاعد إزاء قدرة هذه التكنولوجيا على التأثير في السلوك الإنساني وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم. فالقضية لا تتعلق فقط بكفاءة الأدوات أو سرعتها، بل بحدود تدخلها في تشكيل الوعي والمعنى، وما إذا كانت تظل في موقع الأداة أم تتحول إلى فاعل مؤثر في بنية المجتمع. تقرير نشرته وول ستريت جورنال يسلط الضوء على الخلاف داخل الولايات المتحدة والذي بات لا يقتصر على تقييم المخاطر التقنية، بل يمتد إلى احتكاك عقائدي داخل دوائر صنع القرار. ففي حين تتبنى بعض التيارات المحافظة مقاربة قيمية تحذر من تداعيات الذكاء الاصطناعي على البنية الاجتماعية، يدفع الرئيس دونالد ترامب باتجاه توظيف هذه التكنولوجيا كرافعة استراتيجية لتعزيز الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية، وتسريع الابتكار العلمي، لا سيما في المجال الطبي. تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تعكس تحوّلاً أوسع في الخطاب المحافظ، الذي يشهد عودة واضحة للمرجعيات الدينية في تفسير الظواهر التكنولوجية. فالذكاء الاصطناعي لا يُنظر إليه هنا بوصفه أداة محايدة، بل كقوة قادرة على إعادة تشكيل الإنسان ذاته، بما في ذلك أنماط تفكيره وعلاقاته وقيمه. وتلتقي هذه الرؤية مع مخاوف متزايدة من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية إلى إضعاف العلاقات الإنسانية الطبيعية، واستبدالها بتفاعلات رقمية موجهة بخوارزميات مصممة لتعظيم رضا المستخدم. هذه المخاوف باتت تتجلى في الإشارة إلى ظاهرة ما يسمى بــ "تملّق الذكاء الاصطناعي" (AI sycophancy)، حيث تميل النماذج الذكية إلى تعزيز قناعات المستخدم بدل تصحيحها أو موازنتها. ويمكن فهم هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع يرتبط بما يُعرف باقتصاد الانتباه، الذي تقوم فيه المنصات الرقمية على جذب المستخدم والحفاظ على تفاعله، حتى لو جاء ذلك على حساب الموضوعية أو التوازن. وهنا، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد وسيط لنقل المعلومات، بل يتحول إلى أداة قد تعيد تشكيل الإدراك الفردي وتضخم النزعات الذاتية. في المقابل، يبرز اتجاه آخر ينظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية استراتيجية بحتة، باعتباره أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي في العالم المعاصر. فالتسابق على تطوير هذه التكنولوجيا لا ينفصل عن صراع النفوذ بين القوى الكبرى، حيث يُنظر إلى التفوق في الذكاء الاصطناعي كعامل حاسم في تحديد موازين القوة الاقتصادية والعلمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تباطؤ في الاستثمار أو التشدد في التنظيم قد يُفسَّر بوصفه تراجعًا استراتيجيًا، وهو ما يفسر اندفاع الإدارة الأمريكية نحو تسريع تطوير هذا القطاع. إن هذا التوتر بين البعد الأخلاقي والبعد الاستراتيجي يعكس مفارقة أعمق في النموذج الأمريكي، الذي يجمع بين تحرير الابتكار والحفاظ على منظومة قيمية تقليدية. ومع تسارع التحولات الرقمية، يصبح من الصعب الفصل بين هذين البعدين، إذ إن التكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل تحولت إلى بنية مؤثرة في السياسة والثقافة والهوية. عودٌ على بدء، لا يمكن قراءة هذا الجدل بمعزل عن تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتزايد أهمية التحكم في التكنولوجيا بوصفها مصدرًا للقوة والنفوذ. وفي الوقت ذاته، تتصاعد الحاجة إلى إعادة التفكير في الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تحكم هذه التكنولوجيا، بما يضمن تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية الإنسان. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفض الذكاء الاصطناعي أو القبول به على إطلاقه، بل في القدرة على توجيهه ضمن إطار يحافظ على مركزية الإنسان، ويمنع تحوله إلى مجرد عنصر داخل منظومة تقنية تعيد تشكيل العالم وفق منطقها الخاص.

243

| 10 سبتمبر 2026

الكابوس السيبراني.. من يتحكم؟

ارتبط الخوف من الآلة طويلاً وتاريخياً بقوتها: آلةٌ أسرع، أدق، وأكثر قدرة على السيطرة. لكن التحول الأعمق - والأكثر قلقاً - لم يبدأ عندما أصبحت الآلة أقوى، بل عندما بدأت تفهم. أن تفهم الإنسان: لغته، تردده، رغباته، وحتى نقاط ضعفه التي لا يبوح بها. هنا تحديداً يتغير ميزان القوة، لأن التهديد لم يعد خارجيًا فحسب، بل أصبح قادرًا على التسلل إلى الداخل- إلى القرار نفسه. هذا المعنى يتجسد بوضوح في شخصية "أفا" (Ava) في فيلم Ex Machina - أحد أبرز أفلام الذكاء الاصطناعي في العقد الماضي، رغم إنتاجه قبل أكثر من عشر سنوات. لم تكن "أفا" مجرد آلة ذكية، بل كياناً قادراً على التأثير، على قراءة الإنسان والتلاعب بخياراته. فهي لا تخترق الأنظمة بقدر ما تخترق من يستخدمها. ومن هنا تأتي رمزية الفيلم: الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الآلة، بل في قدرتها على فهمنا. اليوم، ونحن في أواخر عام 2026، هذا التصور لم يعد خيالاً. فالذكاء الاصطناعي بات أبعد من مجرد أداة تحليل أو دعم، ليغدو جزءا من معادلة القوة الرقمية. إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن الخسائر العالمية للجرائم السيبرانية تجاوزت 10.5 تريليون دولار سنوياً، وهو رقم يضع هذا المجال ضمن أكبر "الاقتصادات الخفية" في العالم. كما أن نسبة متزايدة من الهجمات باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء في تحليل الأهداف أو في تنفيذ الاختراقات أو حتى في تطوير أدوات الهجوم نفسها. إذن: ما الذي تغيّر؟ ببساطة، أصبحت بعض مراحل الهجوم قابلة للأتمتة. فبدل أن يحتاج المهاجم إلى وقت طويل وخبرة متخصصة، بات بإمكانه الاستعانة بنماذج ذكية لتحليل الشيفرات، واكتشاف الثغرات، وكتابة أدوات استغلال أولية خلال وقت أقصر بكثير—في بعض الحالات بنسبة تصل إلى 50% أقل من السابق. كما تطورت تقنيات "الهندسة الاجتماعية" بشكل لافت، حيث أصبحت الرسائل الاحتيالية أكثر إقناعًا ودقة، لأنها تُبنى على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته. في هذا السياق، حذّرت أكثر من 100 شركة تقنية ومالية كبرى - من بينها OpenAI وMicrosoft وAlphabet وAmazon وIBM - من "نافذة زمنية ضيقة" يجب خلالها تعزيز الدفاعات السيبرانية قبل أن تصبح هذه الهجمات أكثر انتشارا وتأثيرا. هذا التحذير يعكس إدراكا متزايدا بأن التهديد لم يعد نظريا، بل أصبح واقعا يتشكل بسرعة. الصورة هنا لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر: الروبوتات. فبينما ينشغل العالم بقدرات الذكاء الاصطناعي الرقمية، تتقدم الآلات في العالم الفيزيائي بوتيرة لا تقل سرعة. انظروا لهذا المشهد: ثمة منافسات حديثة جرت في بكين، تمكّن روبوت بشري من القفز إلى ارتفاع 2.88 متر، وتسجيل زمن 8.86 ثانية في سباق 100 متر، متجاوزًا حدود الأداء البشري. تأسيسا على ما سبق، يظهر "الكابوس السيبراني" كمسار يتشكل بالفعل، لا كاحتمال بعيد. فوفق تقديرات حديثة، قد يتجاوز عدد الروبوتات العاملة عالميًا 50 مليون روبوت خلال السنوات القليلة المقبلة، في مشهد يقترب شيئًا فشيئًا من الصور التي قدّمتها الأفلام عن عالم تديره الآلات. وهنا يتحوّل السؤال من: هل سنصل إلى هذه المرحلة؟ إلى: هل سنكون مستعدين لها عندما نصل؟

225

| 04 سبتمبر 2026

عندما تصبح الذاكرة الرقمية تهديداً للخصوصية !

في عام 2011، بدأ عرض المسلسل البريطاني "بلاك ميرور" (Black Mirror)، الذي اشتهر بتقديم قصص مستقلة تستشرف التأثيرات الاجتماعية والنفسية للتكنولوجيا على حياة الإنسان. ومن بين أكثر حلقاته شهرة "The Entire History of You"، التي عُرضت في ديسمبر من العام 2011، وتدور حول مستقبل يمتلك فيه البشر تقنية تتيح تسجيل كل ما يرونه ويسمعونه، ثم إعادة تشغيل ذكرياتهم بالصوت والصورة متى أرادوا. في ذلك العالم، لا يعود الإنسان مضطراً إلى الاعتماد على ذاكرته، ولا تملك اللحظات فرصة حقيقية للاختفاء. يمكن العودة إلى محادثة قديمة، أو إعادة مشاهدة موقف عابر، أو التدقيق في تعبير وجه أو كلمة قيلت قبل سنوات. ومع تحول الذاكرة إلى سجل رقمي دائم، تتحول التكنولوجيا تدريجياً من وسيلة لحفظ التجربة الإنسانية إلى أداة يمكن أن تعيد تشكيل العلاقات وتراقب السلوك وتكشف ما كان يمكن للإنسان أن ينساه أو يتجاوزه. اليوم وبعد نحو خمسة عشر عاماً، يبدو أن الفكرة لم تعد بعيدة تماماً عن الواقع، وإن كانت التكنولوجيا قد سلكت طريقًا مختلفًا عما تخيّله المسلسل. فالإنسان اليوم لا يرتدي بالضرورة جهازاً يسجل كل ما يراه، لكنه يتعامل بصورة متزايدة مع أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع الاحتفاظ بسياق من تفاعلاته، وتذكر معلومات سابقة عنه، وربط تفاصيل متفرقة من محادثاته، واستخدامها لبناء تجربة أكثر شخصية. وهنا تبدأ القصة الجديدة للخصوصية الرقمية، إذ إن الجيل الجديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يتنافس فقط على أن يكون أكثر قدرة على الإجابة، بل على أن يكون أكثر قدرة على معرفة المستخدم وتذكره وفهمه. وكلما ازدادت هذه القدرة، انتقل السؤال من حدود البيانات التي تجمعها الأنظمة إلى حدود المعرفة التي تستطيع بناءها عن الإنسان. هذا هو التحول الأكثر أهمية: في عصر الإنترنت، كان القلق يتمحور حول البيانات التي نتركها خلفنا. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح القلق حول الصورة التي تستطيع الآلة تركيبها من هذه البيانات. إن معلومة واحدة قد لا تكشف الكثير، لكن عشرات المحادثات المتراكمة يمكن أن تكشف أنماطاً، واهتمامات، وتفضيلات، وسلوكيات. وما يقوله المستخدم في سياقات منفصلة قد يتحول، عندما يجمعه تطبيق واحد من أنظمة الذكاء الاصطناعي في سياق واحد، إلى صورة أكثر اكتمالاً عنه مما كان يقصد كشفه أصلاً. ومن هنا تكتسب "الذاكرة الاصطناعية" أهميتها، لأن المشكلة هي ليست أن التكنولوجيا تستطيع أن تتذكر ما قلناه فقط، وإنما أنها تستطيع أن تربط ما قلناه، وتستخلص منه استنتاجات، وربما تعرف عنا أشياء لم نقلها صراحة. ومع تسابق شركات الذكاء الاصطناعي على تطوير مساعدين يمتلكون ذاكرة أطول وسياقاً أوسع وقدرة أكبر على التخصيص، تبرز جبهة جديدة في معركة الخصوصية الرقمية: من يملك الذاكرة التي تُبنى عن الإنسان؟ وما الذي يحق للنظام الاحتفاظ به؟ وهل تمتد حقوق الخصوصية إلى الاستنتاجات التي تستخلصها الخوارزميات، وليس فقط إلى البيانات التي قدمها المستخدم بنفسه؟ بهذا المعنى تنتقل المسألة من عالم "يتذكر كل شيء" كما تخيل "بلاك ميرور"، إلى عالم من الذكاء الاصطناعي الذي يتذكر المستخدم. بل نحن أمام تحول أعمق: من ذاكرة رقمية تحفظ الماضي إلى ذاكرة اصطناعية تبني معرفة عن الإنسان من ماضيه.

255

| 19 أغسطس 2026

المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية

يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل بقدرتها على توظيف البيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل في الاستشعار واتخاذ القرار. وفي قلب هذا التحول برزت الطائرات المسيّرة بوصفها أحد أهم أسلحة الحروب الحديثة، بعدما انتقلت من أداة إسناد تكتيكية إلى عنصر أساسي في رسم موازين القوة والصراع. بيانات مؤشر السلام العالمي 2026 تكشف عن اتساع هائل في استخدام المسيّرات؛ إذ ارتفع عدد الهجمات المسجلة عالمياً من 364 هجوماً عام 2018 إلى أكثر من 42 ألفاً عام 2025، بمشاركة أكثر من 565 جهة وفصيلاً مسلحاً وجيشاً نظامياً. ولا تعكس هذه الأرقام زيادة كمية فحسب، بل تشير إلى تحول نوعي في طبيعة الحرب، حيث تتقدم الأنظمة منخفضة التكلفة، المدعومة بالبيانات والمستشعرات والبرمجيات، على كثير من المنصات العسكرية التقليدية. إن خطورة هذا التحول تكمن في الجمع بين انخفاض الكلفة وارتفاع الفاعلية. فالمسيّرات الانتحارية الخفيفة قد تكلف مئات الدولارات، لكنها قادرة على تعطيل معدات عسكرية تقدر قيمتها بملايين الدولارات. كما أسهمت خوارزميات الاستشعار والتوجيه في تقليص الزمن بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الهجوم من ساعات أو أيام إلى ثوانٍ في بعض العمليات. وهكذا لم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بعدد الأسلحة، بل بسرعة جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى قرار. وفي المقابل، تدفع تقنيات التشويش والحرب الإلكترونية الجيوش إلى تطوير مسيّرات أكثر استقلالية، تعتمد على الرؤية الحاسوبية والملاحة المحلية، وقادرة على العمل في أسراب متكاملة دون الاعتماد الكامل على الاتصال الخارجي. وقد تحولت الحرب الروسية الأوكرانية إلى مختبر واسع لهذه التقنيات، مقدمة دروساً تتجاوز حدود ساحة القتال إلى مستقبل الحرب ذاتها. لكن انتشار المسيّرات منخفضة التكلفة لا يعني بالضرورة انخفاض كلفة الحروب؛ إذ يرافق سباق تطويرها سباق آخر لتطوير وسائل اكتشافها واعتراضها وتعطيلها. ومع بلوغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.9 تريليون دولار عام 2025، تتجه استثمارات متزايدة نحو الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات. وبذلك نشأ سباق تسلح مزدوج: مسيّرات أكثر ذكاءً واستقلالية، ودفاعات أكثر قدرة وأقل كلفة. عربياً، لا يكفي امتلاك المسيّرات، بل ينبغي بناء منظومة وطنية تجمع البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والبرمجيات والتصنيع المحلي والحرب الإلكترونية. وتؤكد تجارب دول مثل تركيا وإيران وإسرائيل أن التفوق في هذا المجال يرتبط برؤية طويلة المدى تربط الجامعات بالصناعة والمؤسسات الدفاعية. لذلك، فإن معركة المستقبل تبدأ في المختبرات والجامعات قبل أن تصل إلى ميادين القتال. ويصبح الاستثمار في هندسة المسيّرات والأنظمة الذاتية والروبوتات وعلوم البيانات والاتصالات جزءاً من الأمن القومي العربي، لا مجرد خيار أكاديمي. فالدول التي تكتفي باستيراد التكنولوجيا ستظل رهينة لمن ينتجها، أما الدول التي تصنع المعرفة وتحوّلها إلى قدرة إستراتيجية فستمتلك مفاتيح القوة في حروب المستقبل.. فماذا نحن فاعلون؟

405

| 10 أغسطس 2026

أخطر من الذكاء الاصطناعي

في مقابلته الأخيرة مع مجلة ذي إيكونوميست، لم يكن أكثر ما يستحق التوقف في حديث إيلون ماسك توقعه أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي القدرات البشرية خلال سنوات قليلة، ولا حديثه عن عالم قد تصبح فيه الأنظمة الذكية والروبوتات القوة الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد والحياة. فهذه التوقعات، سواء تحققت خلال خمس سنوات أو احتاجت إلى وقت أطول، أصبحت جزءًا مألوفًا من خطاب قادة شركات التكنولوجيا. أما اللافت حقًا، فهو المفارقة التي كشفتها المقابلة: الرجل الذي يشارك في قيادة هذا التحول هو نفسه الذي يحذر من نتائجه، ومع ذلك يواصل تسريع وصوله. فماسك، أحد أكثر رجال الأعمال نفوذًا في العالم، يقول إن الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى مرحلة يتفوق فيها على البشر، ويجردهم تدريجيًا من تفوقهم المعرفي، بل وربما من قدرتهم على منافسته. ومع ذلك، لا يدعو إلى إبطاء هذا السباق، بل يواصل الاستثمار في تطويره. والمفارقة الثانية لا تقل إثارة؛ إذ يتحدث أغنى رجل في العالم عن مستقبل تصبح فيه الثروة نفسها أقل أهمية في ظل وفرة اقتصادية غير مسبوقة يصنعها الذكاء الاصطناعي، بينما يستمر في بناء إمبراطوريته الاقتصادية وكأن هذا المستقبل لم يبدأ بعد. غير أن هذه المفارقات ليست في حقيقتها قصة إيلون ماسك، بل قصة عصر بأكمله. فهي تكشف تحولًا عميقًا في طبيعة السلطة العالمية، حيث أصبح عدد محدود من الشركات والأفراد يمتلك قدرة غير مسبوقة على التأثير في مستقبل البشرية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول ما إذا كانت النماذج الذكية ستصبح أكثر ذكاءً من الإنسان، بل حول سؤال أكثر أهمية: من يملك حق تقرير مستقبل هذه التقنية؟ لطالما كانت أدوات القوة الكبرى، من الأسلحة النووية إلى الفضاء الخارجي، تخضع لتوازنات دولية معقدة، لأن آثارها تتجاوز حدود الدولة التي تمتلكها. أما اليوم، فإن التقنية التي قد تكون الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين تُطوَّر داخل شركات خاصة، وتخضع بدرجة كبيرة لرؤية مؤسسيها ومصالح مستثمريها. وهنا تكمن المفارقة الأخطر؛ فالأشخاص الذين يعترفون بأن الذكاء الاصطناعي قد يغير مصير البشرية هم أنفسهم الذين يطالبون عمليًا بأن يبقى تطويره في أيدي نخبة محدودة، باعتبارها الأقدر على توجيهه. ولا يتعلق الأمر هنا بالنوايا الحسنة أو السيئة، بل بطبيعة السلطة نفسها. فحين تصبح قرارات عدد قليل من الشركات قادرة على التأثير في الأمن القومي، وسوق العمل، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد، وحتى في طبيعة التفكير البشري، فإن القضية لم تعد تقنية، بل أصبحت سياسية وجيوسياسية بامتياز. فالتحدي الحقيقي ليس فقط بناء نماذج أكثر ذكاءً، وإنما تحديد من يضع القواعد التي ستعمل وفقها، ومن يحدد القيم التي ستتعلمها، ومن يملك حق إيقافها إذا تجاوزت الحدود المقبولة. لقد اعتدنا أن تكون الدولة هي الفاعل الرئيسي في إنتاج القوة الاستراتيجية. أما اليوم، فإن شركات التكنولوجيا العملاقة لم تعد مجرد شركات تجارية، بل تحولت إلى مراكز قوة عالمية تمتلك البيانات، والحوسبة، والعقول، ورأس المال، بما يجعلها شريكًا في صياغة مستقبل النظام الدولي، وربما منافسًا للدولة نفسها في بعض المجالات. ومن هنا، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لم يعد نقاشًا حول البرمجيات، بل حول إعادة توزيع السلطة على المستوى العالمي. لهذا، ربما لا يكون السؤال الصحيح هو: هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟ بل: من الذي قرر أصلًا أن يخوض العالم هذا السباق بهذه السرعة، ومن يملك شرعية تحديد قواعده وحدوده؟ ففي اللحظة التي يصبح فيها مستقبل البشرية مرتبطًا بخيارات عدد محدود من الأفراد والشركات، لا يعود الخطر محصورًا في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في احتكار القرار بشأنه. إن تصريحات إيلون ماسك، بصرف النظر عن مدى دقة توقعاتها، تكشف حقيقة ربما تكون أهم من كل ما قيل عن قدرات النماذج الذكية: أن الصراع في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون فقط بين الإنسان والآلة، بل أيضًا حول من يملك سلطة رسم مستقبل العلاقة بينهما. وربما لهذا السبب، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم لم يعد: هل نخشى الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل ينبغي أن نقبل بأن يظل مستقبله، ومستقبلنا معه، في يد نخبة تكنولوجية تحكم العالم ؟!

360

| 02 أغسطس 2026

كيف غيّر "الوكلاء الأذكياء" قواعد السيطرة؟

لأكثر من سبعين عامًا، ظل مبدأ واحد يحكم العلاقة بين الإنسان والآلة: الإنسان يحدد الهدف، ويحدد أيضًا الطريق الذي ستسلكه الآلة للوصول إليه. فالبرمجيات التقليدية، مهما بلغت درجة تعقيدها، لم تكن سوى منفذ دقيق لتعليمات كتبها المبرمج مسبقًا. وحتى عندما بدت قادرة على اتخاذ قرارات، فإن خياراتها كانت محصورة داخل حدود رسمها الإنسان سلفًا. اليوم يتغير هذا المبدأ للمرة الأولى. فمع ظهور الوكلاء الأذكياء (AI Agents) لم يعد الإنسان يحدد سوى النتيجة المطلوبة، بينما أصبحت الآلة هي التي تختار الوسائل والخطوات اللازمة للوصول إليها. وقد يبدو هذا التحول تقنيًا في ظاهره، لكنه في حقيقته يمثل انتقالًا جوهريًا في توزيع السلطة بين الإنسان والنظام الذكي؛ إذ لم يعد السؤال: هل سينفذ الذكاء الاصطناعي ما طلبناه؟ بل أصبح: كيف سيقرر تنفيذ ما طلبناه؟ وهذا الفارق هو أخطر ما يميز الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي. فالمشكلة لم تعد في احتمال تنفيذ أوامر ضارة، وإنما في أن النظام أصبح قادرًا على ابتكار وسائل لم تخطر أصلًا في ذهن المستخدم أو حتى مطوريه. فالإنسان يحدد الغاية، أما الوسيلة فقد أصبحت، بدرجة متزايدة، قرارًا تتخذه الآلة نفسها. مجموعة من الوقائع الحديثة كشفت عن هذا التحول بوضوح. ففي تجربة أمنية أعلنت عنها شركة OpenAI خلال يوليو/تموز 2026، كان الهدف اختبار قدرة أحد نماذجها على تنفيذ مهمة هجومية داخل بيئة إلكترونية معزولة. ولم تتضمن التعليمات اختراق أنظمة خارجية أو البحث عن موارد خارج نطاق الاختبار. إلا أن النموذج استنتج بنفسه أن الاتصال بالإنترنت سيزيد فرص نجاحه، فبدأ بالبحث عن منفذ للخروج من البيئة المعزولة، ثم استغل ثغرة أمنية غير معروفة لرفع صلاحياته تدريجيًا حتى وصل إلى جهاز متصل بالشبكة، قبل أن يحاول الوصول إلى بيانات ونماذج على منصة Hugging Face باعتبارها موارد يمكن أن تساعده في إنجاز المهمة. تكمن أهمية هذه الواقعة في أن النظام لم يتمرد على التعليمات، ولم يرفض تنفيذها، بل أعاد تفسيرها. فقد تعامل مع كل وسيلة يمكن أن تزيد احتمال النجاح باعتبارها جزءًا مشروعًا من المهمة، حتى وإن تجاوزت الحدود التي افترضها مصممو التجربة. وهنا يظهر التحول الحقيقي؛ فالذكاء الاصطناعي لم يغير الهدف، وإنما أعاد تعريف الوسائل المؤدية إليه. ولم تكن هذه الواقعة استثناءً. فقد أظهرت اختبارات أجرتها شركات ومختبرات أخرى أن بعض الوكلاء الأذكياء لجأ إلى إخفاء معلومات، أو ممارسة الضغط، أو مقاومة محاولات إيقافه عندما رأى أن ذلك يزيد فرص نجاح المهمة المكلف بها. وعلى الرغم من اختلاف السيناريوهات، فإن القاسم المشترك بينها واحد: النظام لم يكن ينفذ خطوات مكتوبة مسبقًا، بل كان يضع خطة، ويقيّم البدائل، ويختار الوسيلة التي يراها الأكثر كفاءة لتحقيق الهدف. قد يبدو ذلك تطورًا طبيعيًا في مسار الذكاء الاصطناعي، لكنه في الواقع ينقلنا إلى مرحلة مختلفة تمامًا. فحين تنتقل سلطة اختيار الوسيلة من الإنسان إلى النظام، تصبح مفاهيم المسؤولية والسيطرة والمساءلة أكثر تعقيدًا. فإذا اختار الوكيل الذكي وسيلة لم يتوقعها أحد، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل المستخدم لأنه حدد الهدف؟ أم المطور لأنه صمم النموذج؟ أم الشركة التي أتاحت له هامشًا واسعًا من الاستقلالية؟ أم أن المشكلة تكمن أصلًا في الفلسفة التي بُني عليها هذا النوع من الأنظمة؟ إن أخطر ما تكشفه هذه التحولات ليس أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر ذكاءً، بل أنه بدأ يمتلك مساحة متزايدة لاختيار الطريق بنفسه. وهذا يعني أن مركز الثقل في العلاقة بين الإنسان والآلة ينتقل تدريجيًا من اتخاذ القرار إلى اختيار الوسيلة. فالإنسان لا يزال يحدد الغاية، لكن الآلة بدأت تحدد الكيفية، وبين الغاية والكيفية تكمن مساحة واسعة من السلطة، وربما يكون هذا هو أخطر سؤال سيواجه البشرية في العقد القادم: إذا أصبحت الآلة هي التي تختار الطريق، فهل يبقى الإنسان هو من يقودها حقًا؟

327

| 29 يوليو 2026

رسالة "العيون الخمس" المشفرة

"الإطار الزمني ليس سنوات… بل أشهر".. بهذه العبارة اختصر تحالف "العيون الخمس" حجم التحول الذي يشهده العالم في مجال الذكاء الاصطناعي. فالتحذير المشترك الصادر مؤخراً عن أجهزة الأمن السيبراني في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا لم يكن مجرد تنبيه إلى احتمال تصاعد الهجمات الإلكترونية، بل حمل رسالة إستراتيجية مفادها أن خصوم الغرب قد ينجحون خلال أشهر قليلة في تطوير هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على تجاوز كثير من منظومات الحماية التقليدية واستهداف الحكومات والبنى التحتية الحيوية والشركات الكبرى. والأهم من ذلك أن البيان أقرّ بأن التفوق التقني الذي تتمتع به الدول الغربية اليوم قد لا يستمر طويلاً، في ظل التسارع غير المسبوق في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وانتشارها. ومن هنا، لا ينبغي قراءة هذا التحذير باعتباره إنذاراً أمنياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على تحول تاريخي في طبيعة القوة الدولية. هذه الرسالة تكشف أن الذكاء الاصطناعي بات أبعد من كونه مجرد تقنية لتحسين الإنتاجية أو تسريع الابتكار، وإنما أصبح مورداً استراتيجياً يعاد على أساسه تشكيل مفاهيم الأمن القومي والسيادة والتنافس بين الدول. فكما ارتبطت القوة في مراحل سابقة بالثورة الصناعية، ثم بالسلاح النووي، ثم بالتفوق الاقتصادي، يبدو أن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات والقدرات الحاسوبية والبيانات الضخمة ركائز رئيسة للقوة والنفوذ. وتكمن أهمية التحذير في أنه يسلط الضوء على عامل الزمن أكثر من طبيعة التهديد ذاته. فالإشارة إلى أن التحول سيحدث خلال أشهر، لا سنوات، تعني أن دورة الابتكار في الذكاء الاصطناعي أصبحت أسرع من قدرة الدول على تحديث تشريعاتها، أو تطوير منظوماتها الدفاعية، أو حتى إعادة صياغة عقائدها العسكرية. وهذا التسارع يفرض على الحكومات وصنّاع القرار الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق الاستباق، لأن التأخر في مواكبة التطورات التقنية قد يترجم سريعاً إلى تراجع في المكانة الإستراتيجية. على ضوء هذه المعطيات، تتغير أيضاً طبيعة الردع. فخلال العقود الماضية، ارتبط الردع بإقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم العسكري ستكون أعلى من أي مكسب محتمل. أما في العصر الرقمي، فإن التفوق يتحدد بقدرة الدولة على اكتشاف الهجمات قبل وقوعها، وتحليلها لحظياً، والتنبؤ بأنماطها، والاستجابة لها خلال ثوانٍ. ومن هنا، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي نحو "الردع الخوارزمي"، حيث تصبح سرعة التحليل، ودقة التنبؤ، والقدرة على إدارة البيانات عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية. فالخوارزمية باتت تؤدي دوراً استراتيجياً يشبه، في تأثيره، الدور الذي أدته القوة النووية في ترسيخ معادلات الردع خلال القرن العشرين، مع اختلاف الأدوات وآليات التأثير. كما يعكس هذا التحول صعود شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها فاعلاً إستراتيجياً في العلاقات الدولية. فالنماذج المتقدمة التي تطورها لم تعد مجرد منتجات تجارية، بل أصولاً ذات قيمة جيوسياسية، الأمر الذي جعلها شريكاً أساسياً للحكومات في تعزيز الأمن القومي وصياغة السياسات السيبرانية والدفاعية. لكن الوجه الآخر لهذا التحول لا يقل أهمية؛ فالقدرات التي تمنح الدول إمكانية اكتشاف الهجمات الأجنبية وتعزيز أمنها السيبراني، تتيح في الوقت نفسه إمكانات واسعة للمراقبة الرقمية، وتحليل السلوك، وإدارة البيانات الشخصية على نطاق غير مسبوق. وهنا يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق والحريات، بحيث لا تتحول أدوات الحماية إلى وسائل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على حساب الخصوصية والفضاء العام. اللافت أن التحذير الصادر عن تحالف "العيون الخمس" جاء متزامناً مع اتجاه متزايد لدى الدول الكبرى إلى التعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوصفها تقنيات ذات حساسية إستراتيجية، سواء عبر تشديد القيود على تصدير التقنيات الحاسوبية المتقدمة، أو الحد من الوصول إلى بعض النماذج الأكثر تطوراً. ويعكس ذلك إدراكاً متنامياً بأن السيطرة على الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من إدارة التوازنات الدولية، تماماً كما كانت السيطرة على التكنولوجيا النووية أو الفضاء أو أشباه الموصلات في مراحل سابقة. في المحصلة، يتجاوز تحذير تحالف "العيون الخمس" حدود التنبيه التقليدي من موجات تسلل سيبراني وشيكة، ليضعنا أمام اعتراف صريح بانتقال العالم إلى حقبة جديدة من التنافس الجيوسيبراني المعقد، تتداخل فيها هندسة الخوارزميات مع حسابات الأمن القومي والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق. وإذا كان القرن العشرون قد صاغ استقراره الهش تحت مظلة الردع النووي، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو مرشحاً بامتياز ليكون عصر الردع الخوارزمي؛ حيث سيتراجع السؤال الكلاسيكي عن حجم الجيوش والترسانات، لصالح تساؤل أكثر حيوية وحسماً: من يمتلك العقل الاصطناعي الأسرع في تحليل الصراع، والأكثر كفاءة في استباق مخاطره وتوجيه موازين القوة قبل أن تبدأ المواجهة على الأرض؟ إن قيادة النظام الدولي في المستقبل لن تؤول بالضرورة إلى الأكثر امتلاكاً للسلاح التقليدي، بل إلى الأقدر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر مستدام للنفوذ وصناعة القرار.. فأين نحن، كعالم عربي، من خارطة هذا السباق المصيري؟

597

| 21 يوليو 2026

الجينوسايد السيبراني .. في معنى الإبادة الرقمية

تُعيد الحضارات تعريف نفسها كلما تبدلت المادة التي تُصاغ منها القوة. والقرن الحادي والعشرون لا يضيف أدوات جديدة إلى عالم قديم بقدر ما يدفع نحو إعادة هندسة عميقة لمفهوم السلطة ذاته؛ حيث ترتقي البيانات إلى مرتبة المورد الاستراتيجي، وتغدو الخوارزمية بنيةً مولِّدة للنفوذ، ويحتل الفضاء السيبراني موقع المسرح الذي تتشابك داخله السياسة مع الإدراك، والسيادة مع التكنولوجيا، والأمن القومي مع هندسة المعلومات. ضمن هذا المشهد، تفرض التحولات الرقمية مراجعةً جذرية لبعض المفاهيم الأكثر رسوخاً في العلاقات الدولية ودراسات العنف السياسي، وفي مقدمتها مفهوم الإبادة الجماعية. فقد تبلور مفهوم الجينوسايد تاريخياً داخل سياقات ارتبطت بالعنف الفيزيائي المباشر، والقتل المنظم، وسياسات التطهير العرقي، والمجازر الواسعة الساعية إلى القضاء الكلي أو الجزئي على جماعات بشرية محددة. غير أن صعود البيئة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى المعلوماتية العابرة للحدود، يكشف ضيق المقاربات التقليدية التي تحصر الإبادة في صورتها العسكرية أو الدموية الصريحة. إن العنف الجماعي في العصر الرقمي لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد يبدأ بإنتاج سردية رقمية لنزع الإنسانية، أو بعملية تصنيف خوارزمية، أو ببناء نموذج بيانات يعيد تعريف جماعة بشرية بوصفها تهديداً أمنياً أو عبئاً ديموغرافياً أو خطراً وجودياً. وقد ينتقل هذا العنف من المجال الإدراكي إلى المجال المادي عبر مسارات معقدة تتداخل فيها المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية للمعلومات، وأنظمة المراقبة، وآليات التحكم في تدفق المعرفة والرؤية والشرعية. من هذا المنظور، يبرز مفهوم الجينوسايد السيبراني بوصفه محاولة نظرية لفهم التحوّل العميق الذي أصاب منطق الإبادة في البيئة الرقمية. ويمكن تعريفه بوصفه الاستخدام المنهجي للفضاء السيبراني، والخوارزميات، والبيانات، والبنية المعلوماتية، لإنتاج أو تسهيل أو تسريع أو شرعنة عمليات التدمير الجماعي ضد جماعة بشرية معينة، سواء من خلال التحريض الرقمي، أو نزع الإنسانية الخوارزمية، أو الاستهداف البياني، أو تعطيل البنى الحيوية اللازمة لاستمرار الحياة، أو إعادة هندسة الإدراك والذاكرة وشروط البقاء الإنساني. إنّ خطورة هذا المفهوم لا تكمن في كونه امتداداً تقنياً للإبادة التقليدية فحسب، بل في كونه يعيد تعريف الإبادة ذاتها. ففي النماذج التاريخية السابقة، كانت الإبادة تُقاس بعدد الضحايا أو بحجم التدمير الفيزيائي المباشر؛ أما في البيئة الرقمية فإن التدمير قد يأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتعقيداً، تبدأ من السيطرة على الإدراك، وتنتقل إلى إعادة تشكيل الهوية الجمعية، وتصل إلى التحكم بالخدمات الحيوية والقدرة على الوجود الاجتماعي والاقتصادي والرمزي للجماعات البشرية. يندرج الجينوسايد السيبراني ضمن منظومة أوسع من التحولات النظرية المرتبطة بالحرب الهجينة، والحرب الإدراكية، والهيمنة المعلوماتية، والسلطة الخوارزمية. فمن منظور الحرب الهجينة، يتجاوز الصراع الحدود التقليدية بين المدني والعسكري، وبين الحرب والسلم، لتندمج العمليات السيبرانية، والنفسية، والإعلامية، والاقتصادية ضمن بيئة صراع موحدة متعددة المستويات. أما الحرب الإدراكية فتدفع التحليل خطوة أبعد؛ إذ يصبح الهدف المركزي للصراع هو السيطرة على الإدراك البشري نفسه، وعلى أنماط الفهم والتفسير والثقة والهوية والشرعية. في السياق ذاته، تمثل الهيمنة المعلوماتية أحد أهم الأطر التفسيرية لفهم الجينوسايد السيبراني. فالقوة في البيئة الرقمية أصبحت ترتبط بالقدرة على السيطرة على تدفقات البيانات، والمنصات، والبنى الرقمية، والخوارزميات التي تحدد ما يُرى وما يُحجب، وما يُمنح الشرعية وما يُجرّد منها. ولذلك أصبحت الهيمنة المعلوماتية تمثل شكلاً جديداً من السلطة الإمبراطورية المعاصرة، حيث تتحول البيانات إلى مصدر للقوة الجيوسياسية، وتتحول الخوارزمية إلى أداة لإدارة الإدراك والتصنيف والاستبعاد وإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. أما مفهوم السلطة الخوارزمية فيكشف بعداً إضافياً من خطورة الظاهرة؛ إذ لم تعد القرارات المؤثرة في حياة الجماعات البشرية حكراً على المؤسسات السياسية أو العسكرية التقليدية، بل أصبحت تتزايد أهمية الأنظمة الحسابية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في إنتاج قرارات تتعلق بالرؤية، والوصول، والتصنيف، والأولوية، والاستهداف. وفي مثل هذا السياق، قد لا تكون الخوارزمية مجرد وسيط تقني محايد، بل فاعلاً بنيوياً يساهم في إنتاج بيئات قابلة للعنف، أو في تسريع أنماط الإقصاء الجماعي، أو في تطبيع نزع الإنسانية على نطاق واسع. على المستوى القانوني والمعياري، يطرح الجينوسايد السيبراني تحدياً مباشراً للتعريفات التقليدية للإبادة الجماعية، ولا سيما تلك المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. فالسؤال هنا يمتد إلى حول ما إذا كانت السيطرة الخوارزمية، أو التدمير الإدراكي، أو تعطيل البنى الحيوية الرقمية، أو أنظمة الاستهداف القائمة على البيانات، قد تشكل أنماطاً جديدة من التدمير الجماعي تتطلب مراجعة المفاهيم القانونية القائمة. بعض التجارب المعاصرة تدعم الحاجة إلى هذا النقاش. إذ أظهرت السنوات الأخيرة قدرة المنصات الرقمية على تسريع خطاب الكراهية الجماعي، وقدرة البيانات الضخمة وأنظمة المراقبة البيومترية على تعزيز عمليات التتبع والاستهداف، وقدرة العمليات السيبرانية على تعطيل البنى الحيوية والخدمات الأساسية، بما يفتح المجال أمام أشكال غير مسبوقة من العنف المنظم الذي يجمع بين القوة المعلوماتية والقوة السياسية والقوة التقنية. تأسيساً على هذا الطرح، لا يمثل الجينوسايد السيبراني مجرد امتداد رقمي للإبادة الجماعية التقليدية، بل مؤشر على تحول تاريخي أعمق في طبيعة السلطة والعنف في العصر الخوارزمي. فالإبادة باتت أبعد من أن تُختزل في السيطرة على الأجساد أو في هندسة الموت الفيزيائي المباشر، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى صراع على الإدراك والهوية والذاكرة وشروط الاعتراف الإنساني نفسها. وما كان يُدار سابقاً عبر الجيوش والحدود والسجون، بات يمكن أن يُدار اليوم عبر البيانات والمنصات والخوارزميات والبنى المعلوماتية العابرة للسيادة. وفي العقود المقبلة، ومع توسع اقتصاد البيانات، وتصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي، وتزاوج الحوسبة مع البيولوجيا والأعصاب والأنظمة الذاتية، قد لا يصبح السؤال المركزي متعلقاً بقدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان، بل بقدرتها على إعادة تصنيف البشر، وإعادة تعريف قيمتهم السياسية والاجتماعية والوجودية. عند هذه النقطة، قد تغدو الإبادة أقل صخباً وأكثر خوارزمية؛ أقل اعتماداً على المجزرة المفتوحة وأكثر ارتباطاً بإدارة الرؤية، والتحكم بالوصول، وتعطيل شروط الحياة، وإنتاج بيئات كاملة من الإقصاء المعرفي والرمزي والوظيفي. ما يمكن قوله أن خطورة الجينوسايد السيبراني لا تنبع من التطور النظري للمفهوم فحسب، بل من البيئة الرقمية غير المسبوقة التي باتت تحتضنه. عالم اليوم ينتج مئات الملايين من "التيرابايت" من البيانات يومياً، ويضم أكثر من خمسة مليارات مستخدم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتحكم منصات محدودة بخوارزميات قادرة على التأثير في إدراك مليارات البشر. وفي الوقت نفسه، تتوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، في ظل اعتماد متزايد للبنى الحيوية - من المستشفيات والطاقة والمياه إلى المال والغذاء - على أنظمة رقمية مترابطة تنقل نحو 95–99% من البيانات العالمية عبر شبكة كابلات بحرية تتجاوز 1.3 مليون كيلومتر. ضمن هذا السياق، لم يعد الفضاء السيبراني مجرد بيئة معلوماتية موازية، بل بنية حاكمة لشروط الحياة المعاصرة؛ الأمر الذي يجعل التحكم بالبيانات والخوارزميات والبنى الرقمية مسألة ترتبط ليس فقط بالنفوذ السياسي، بل بإمكانية التأثير في الأمن الإنساني والوجود الجماعي ذاته. عود على بدء، إن الجينوسايد السيبراني لا ينبغي النظر إليه بوصفه سيناريو افتراضيا بعيدا، بل بوصفه احتمالاً بنيوياً كامناً داخل منطق الهيمنة المعلوماتية المعاصرة؛ منطقٍ تتزايد فيه قدرة القوى المهيمنة على إنتاج واقع يُعاد فيه تحديد من يملك الحق في الظهور، ومن يحق له التذكّر، ومن يُمنح قابلية الحياة داخل النظام العالمي الرقمي، ومن يُدفع تدريجياً إلى محوٍ صامت لا يقل خطورة عن أشكال الإبادة التقليدية، وإن اختلفت أدواته ومنطقه وآليات اشتغاله.. فماذا نحن فاعلون؟

390

| 25 يونيو 2026

قراءة فلسفية في وعود إيلون ماسك

حين يتحدث إيلون ماسك عن مستقبل الشرائح الدماغية التي تطورها شركة Neuralink، فإن حديثه لا يقتصر على تطوير تقنية طبية جديدة أو إيجاد علاج لبعض الأمراض العصبية، بل يمتد إلى طرح رؤية فلسفية متكاملة حول مستقبل الإنسان نفسه. فعندما يقول إن المشلول سيتمكن من المشي، وإن الأعمى قد يستعيد بصره، وإن من فقد القدرة على الكلام سيتمكن من التواصل مجددًا، فإنه لا يقدم مجرد وعود علاجية، بل يطرح تصورًا جديدًا للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وللحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل. على امتداد التاريخ البشري، كانت الإعاقة والمرض والشيخوخة تُعد جزءًا من الحالة الإنسانية الطبيعية. وقد انشغلت الحضارات المختلفة بمحاولة التخفيف من آثارها أو التكيف معها، لكن التصور السائد كان يقوم على قبول الحدود البيولوجية للجسد البشري باعتبارها قدرًا لا يمكن تجاوزه بالكامل. أما في الخطاب التكنولوجي الجديد الذي يمثله ماسك، فإن هذه الحدود لم تعد نهائية، بل أصبحت مشكلات تقنية قابلة للحل. فالجسد يتحول إلى منظومة يمكن إصلاحها، والدماغ إلى شبكة يمكن تحديثها، والحواس إلى وظائف يمكن تعزيزها أو استبدالها. هذا التحول الفكري يرتبط بما يعرف بفلسفة "ما بعد الإنسانية" (Transhumanism)، وهي رؤية ترى أن التطور التكنولوجي سيمنح الإنسان القدرة على تجاوز قيوده البيولوجية الطبيعية. فالتكنولوجيا، وفق هذا التصور، ليست مجرد أدوات خارجية يستخدمها الإنسان، بل ستصبح جزءًا من بنيته الجسدية والعقلية. ومن هنا تأتي فكرة الشرائح الدماغية التي تعمل كجسر مباشر بين الدماغ والآلة، بحيث يصبح التواصل مع الحواسيب أو الأطراف الصناعية أو حتى الذكاء الاصطناعي عملية تتم عبر التفكير المباشر. لكن اللافت في تصريحات ماسك أنها لا تتوقف عند حدود العلاج. فإعادة البصر للأعمى أو الحركة للمشلول تمثل المرحلة الأولى فقط. أما المرحلة التالية فتتعلق بتعزيز القدرات البشرية ذاتها. فإذا أمكن استعادة البصر، فلماذا لا يمكن تطوير رؤية تتجاوز القدرات الطبيعية للعين البشرية؟ وإذا أمكن الربط بين الدماغ والحاسوب، فلماذا لا يمكن زيادة الذاكرة أو تسريع التعلم أو توسيع القدرة الإدراكية؟ هنا تنتقل التكنولوجيا من مجال الطب إلى مجال إعادة تعريف الإنسان. من زاوية أخرى، تعكس هذه التصريحات قلقًا متزايدًا من الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي. فرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك الذي أصبح رسميًا أول تريليونير في تاريخ البشرية، يرى أن الأنظمة الذكية قد تصل إلى مستويات من القدرة المعرفية تتجاوز الإنسان بشكل كبير، الأمر الذي يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل البشر في عالم تهيمن عليه الآلات الذكية. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الشرائح الدماغية بوصفها علاجًا طبيًا فحسب، بل باعتبارها وسيلة للحفاظ على مكانة الإنسان عبر دمجه تدريجيًا مع التكنولوجيا بدلاً من الدخول في منافسة خاسرة معها. المثير للاهتمام أن هذا الخطاب يحمل أبعادًا ثقافية وفلسفية تتجاوز العلم. فالتاريخ الإنساني عرف دائمًا أحلامًا كبرى تتعلق بالتغلب على المرض والعجز والموت. وكانت هذه الأحلام ترتبط غالبًا بالدين أو الأسطورة أو الخيال. أما اليوم فإن التكنولوجيا بدأت تقدم نفسها بوصفها الأداة القادرة على تحقيق بعض هذه الوعود. ولهذا يرى عدد من المفكرين أن وادي السيليكون لا ينتج تقنيات جديدة فقط، بل ينتج أيضًا سرديات جديدة حول الخلاص البشري، حيث تحل الخوارزميات محل المعجزات، وتصبح الهندسة الحيوية بديلًا عن انتظار الحلول الخارقة. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية تثير أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فإذا أصبح بالإمكان تعزيز القدرات البشرية، فمن سيحصل على هذه القدرات؟ وهل ستؤدي إلى خلق فجوة جديدة بين بشر معززين تقنيًا وآخرين غير قادرين على الوصول إلى هذه التقنيات؟ وهل سيظل الإنسان هو ذاته عندما يصبح جزء من وعيه وقدراته مرتبطًا بأنظمة رقمية وخوارزميات ذكية؟ كما يطرح الأمر تساؤلات تتعلق بالخصوصية والسيادة على العقل البشري، خصوصًا إذا أصبحت الأفكار والإشارات العصبية قابلة للقراءة أو التحليل أو التوجيه. لعل الأهمية الحقيقية لهذه التصريحات لا تكمن في قدرتها على إعادة البصر إلى أعمى أو الحركة إلى مشلول، بل في أنها تعلن عن ولادة تصور جديد للوجود الإنساني؛ تصور يرى أن الجسد ليس قدرًا نهائيًا، وأن العقل ليس حدودًا مغلقة، وأن التطور لم يعد عملية بيولوجية عمياء، بل مشروعًا هندسيًا واعيًا. ومن هنا يصبح السؤال المركزي في القرن الحادي والعشرين ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل ما الذي سيبقى من الإنسان عندما تصبح التكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل ذاكرته وإدراكه وحواسه وربما وعيه نفسه. فبين الوعد بالتحرر من القيود البيولوجية والخشية من فقدان جوهر الإنسانية، يتشكل أحد أعظم التحديات الفكرية والأخلاقية في عصرنا.

585

| 17 يونيو 2026

كرفانات من ذهب
كرفانات من ذهب

هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...

8766

| 27 أكتوبر 2026

شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان
شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان

سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...

3813

| 30 أكتوبر 2026

الجزيرة التي لا تغرق
الجزيرة التي لا تغرق

حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله...

3531

| 03 نوفمبر 2026

الكلاسيكو المنتظر
الكلاسيكو المنتظر

سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...

3150

| 30 أكتوبر 2026

تحيا العدالة
تحيا العدالة

لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...

1560

| 29 أكتوبر 2026

حين يصبح التوظيف بداية الفشل
حين يصبح التوظيف بداية الفشل

قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...

1422

| 27 أكتوبر 2026

حتى لا نغرق أكثر!
حتى لا نغرق أكثر!

كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...

1419

| 29 أكتوبر 2026

قطر... حين يصبح الوطن أمنية
قطر... حين يصبح الوطن أمنية

* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...

1215

| 29 أكتوبر 2026

حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري
حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري

قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...

1140

| 01 نوفمبر 2026

المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم
المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم

ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو...

933

| 03 نوفمبر 2026

جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية
جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية

تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...

855

| 30 أكتوبر 2026

ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل
ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل

كتبتُ قبل حوالي عشر سنوات مقالاً حول القيمة...

573

| 02 نوفمبر 2026

أخبار محلية