رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رسالة "العيون الخمس" المشفرة

"الإطار الزمني ليس سنوات… بل أشهر".. بهذه العبارة اختصر تحالف "العيون الخمس" حجم التحول الذي يشهده العالم في مجال الذكاء الاصطناعي. فالتحذير المشترك الصادر مؤخراً عن أجهزة الأمن السيبراني في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا لم يكن مجرد تنبيه إلى احتمال تصاعد الهجمات الإلكترونية، بل حمل رسالة إستراتيجية مفادها أن خصوم الغرب قد ينجحون خلال أشهر قليلة في تطوير هجمات سيبرانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على تجاوز كثير من منظومات الحماية التقليدية واستهداف الحكومات والبنى التحتية الحيوية والشركات الكبرى. والأهم من ذلك أن البيان أقرّ بأن التفوق التقني الذي تتمتع به الدول الغربية اليوم قد لا يستمر طويلاً، في ظل التسارع غير المسبوق في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وانتشارها. ومن هنا، لا ينبغي قراءة هذا التحذير باعتباره إنذاراً أمنياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على تحول تاريخي في طبيعة القوة الدولية. هذه الرسالة تكشف أن الذكاء الاصطناعي بات أبعد من كونه مجرد تقنية لتحسين الإنتاجية أو تسريع الابتكار، وإنما أصبح مورداً استراتيجياً يعاد على أساسه تشكيل مفاهيم الأمن القومي والسيادة والتنافس بين الدول. فكما ارتبطت القوة في مراحل سابقة بالثورة الصناعية، ثم بالسلاح النووي، ثم بالتفوق الاقتصادي، يبدو أن العالم يدخل اليوم مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات والقدرات الحاسوبية والبيانات الضخمة ركائز رئيسة للقوة والنفوذ. وتكمن أهمية التحذير في أنه يسلط الضوء على عامل الزمن أكثر من طبيعة التهديد ذاته. فالإشارة إلى أن التحول سيحدث خلال أشهر، لا سنوات، تعني أن دورة الابتكار في الذكاء الاصطناعي أصبحت أسرع من قدرة الدول على تحديث تشريعاتها، أو تطوير منظوماتها الدفاعية، أو حتى إعادة صياغة عقائدها العسكرية. وهذا التسارع يفرض على الحكومات وصنّاع القرار الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات إلى منطق الاستباق، لأن التأخر في مواكبة التطورات التقنية قد يترجم سريعاً إلى تراجع في المكانة الإستراتيجية. على ضوء هذه المعطيات، تتغير أيضاً طبيعة الردع. فخلال العقود الماضية، ارتبط الردع بإقناع الخصم بأن تكلفة الهجوم العسكري ستكون أعلى من أي مكسب محتمل. أما في العصر الرقمي، فإن التفوق يتحدد بقدرة الدولة على اكتشاف الهجمات قبل وقوعها، وتحليلها لحظياً، والتنبؤ بأنماطها، والاستجابة لها خلال ثوانٍ. ومن هنا، يمكن الحديث عن انتقال تدريجي نحو "الردع الخوارزمي"، حيث تصبح سرعة التحليل، ودقة التنبؤ، والقدرة على إدارة البيانات عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية. فالخوارزمية باتت تؤدي دوراً استراتيجياً يشبه، في تأثيره، الدور الذي أدته القوة النووية في ترسيخ معادلات الردع خلال القرن العشرين، مع اختلاف الأدوات وآليات التأثير. كما يعكس هذا التحول صعود شركات التكنولوجيا الكبرى بوصفها فاعلاً إستراتيجياً في العلاقات الدولية. فالنماذج المتقدمة التي تطورها لم تعد مجرد منتجات تجارية، بل أصولاً ذات قيمة جيوسياسية، الأمر الذي جعلها شريكاً أساسياً للحكومات في تعزيز الأمن القومي وصياغة السياسات السيبرانية والدفاعية. لكن الوجه الآخر لهذا التحول لا يقل أهمية؛ فالقدرات التي تمنح الدول إمكانية اكتشاف الهجمات الأجنبية وتعزيز أمنها السيبراني، تتيح في الوقت نفسه إمكانات واسعة للمراقبة الرقمية، وتحليل السلوك، وإدارة البيانات الشخصية على نطاق غير مسبوق. وهنا يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق والحريات، بحيث لا تتحول أدوات الحماية إلى وسائل لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على حساب الخصوصية والفضاء العام. اللافت أن التحذير الصادر عن تحالف "العيون الخمس" جاء متزامناً مع اتجاه متزايد لدى الدول الكبرى إلى التعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوصفها تقنيات ذات حساسية إستراتيجية، سواء عبر تشديد القيود على تصدير التقنيات الحاسوبية المتقدمة، أو الحد من الوصول إلى بعض النماذج الأكثر تطوراً. ويعكس ذلك إدراكاً متنامياً بأن السيطرة على الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من إدارة التوازنات الدولية، تماماً كما كانت السيطرة على التكنولوجيا النووية أو الفضاء أو أشباه الموصلات في مراحل سابقة. في المحصلة، يتجاوز تحذير تحالف "العيون الخمس" حدود التنبيه التقليدي من موجات تسلل سيبراني وشيكة، ليضعنا أمام اعتراف صريح بانتقال العالم إلى حقبة جديدة من التنافس الجيوسيبراني المعقد، تتداخل فيها هندسة الخوارزميات مع حسابات الأمن القومي والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق. وإذا كان القرن العشرون قد صاغ استقراره الهش تحت مظلة الردع النووي، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو مرشحاً بامتياز ليكون عصر الردع الخوارزمي؛ حيث سيتراجع السؤال الكلاسيكي عن حجم الجيوش والترسانات، لصالح تساؤل أكثر حيوية وحسماً: من يمتلك العقل الاصطناعي الأسرع في تحليل الصراع، والأكثر كفاءة في استباق مخاطره وتوجيه موازين القوة قبل أن تبدأ المواجهة على الأرض؟ إن قيادة النظام الدولي في المستقبل لن تؤول بالضرورة إلى الأكثر امتلاكاً للسلاح التقليدي، بل إلى الأقدر على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر مستدام للنفوذ وصناعة القرار.. فأين نحن، كعالم عربي، من خارطة هذا السباق المصيري؟

342

| 21 يوليو 2026

الجينوسايد السيبراني .. في معنى الإبادة الرقمية

تُعيد الحضارات تعريف نفسها كلما تبدلت المادة التي تُصاغ منها القوة. والقرن الحادي والعشرون لا يضيف أدوات جديدة إلى عالم قديم بقدر ما يدفع نحو إعادة هندسة عميقة لمفهوم السلطة ذاته؛ حيث ترتقي البيانات إلى مرتبة المورد الاستراتيجي، وتغدو الخوارزمية بنيةً مولِّدة للنفوذ، ويحتل الفضاء السيبراني موقع المسرح الذي تتشابك داخله السياسة مع الإدراك، والسيادة مع التكنولوجيا، والأمن القومي مع هندسة المعلومات. ضمن هذا المشهد، تفرض التحولات الرقمية مراجعةً جذرية لبعض المفاهيم الأكثر رسوخاً في العلاقات الدولية ودراسات العنف السياسي، وفي مقدمتها مفهوم الإبادة الجماعية. فقد تبلور مفهوم الجينوسايد تاريخياً داخل سياقات ارتبطت بالعنف الفيزيائي المباشر، والقتل المنظم، وسياسات التطهير العرقي، والمجازر الواسعة الساعية إلى القضاء الكلي أو الجزئي على جماعات بشرية محددة. غير أن صعود البيئة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى المعلوماتية العابرة للحدود، يكشف ضيق المقاربات التقليدية التي تحصر الإبادة في صورتها العسكرية أو الدموية الصريحة. إن العنف الجماعي في العصر الرقمي لا يبدأ دائماً بالسلاح، بل قد يبدأ بإنتاج سردية رقمية لنزع الإنسانية، أو بعملية تصنيف خوارزمية، أو ببناء نموذج بيانات يعيد تعريف جماعة بشرية بوصفها تهديداً أمنياً أو عبئاً ديموغرافياً أو خطراً وجودياً. وقد ينتقل هذا العنف من المجال الإدراكي إلى المجال المادي عبر مسارات معقدة تتداخل فيها المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية للمعلومات، وأنظمة المراقبة، وآليات التحكم في تدفق المعرفة والرؤية والشرعية. من هذا المنظور، يبرز مفهوم الجينوسايد السيبراني بوصفه محاولة نظرية لفهم التحوّل العميق الذي أصاب منطق الإبادة في البيئة الرقمية. ويمكن تعريفه بوصفه الاستخدام المنهجي للفضاء السيبراني، والخوارزميات، والبيانات، والبنية المعلوماتية، لإنتاج أو تسهيل أو تسريع أو شرعنة عمليات التدمير الجماعي ضد جماعة بشرية معينة، سواء من خلال التحريض الرقمي، أو نزع الإنسانية الخوارزمية، أو الاستهداف البياني، أو تعطيل البنى الحيوية اللازمة لاستمرار الحياة، أو إعادة هندسة الإدراك والذاكرة وشروط البقاء الإنساني. إنّ خطورة هذا المفهوم لا تكمن في كونه امتداداً تقنياً للإبادة التقليدية فحسب، بل في كونه يعيد تعريف الإبادة ذاتها. ففي النماذج التاريخية السابقة، كانت الإبادة تُقاس بعدد الضحايا أو بحجم التدمير الفيزيائي المباشر؛ أما في البيئة الرقمية فإن التدمير قد يأخذ أشكالاً أكثر تركيباً وتعقيداً، تبدأ من السيطرة على الإدراك، وتنتقل إلى إعادة تشكيل الهوية الجمعية، وتصل إلى التحكم بالخدمات الحيوية والقدرة على الوجود الاجتماعي والاقتصادي والرمزي للجماعات البشرية. يندرج الجينوسايد السيبراني ضمن منظومة أوسع من التحولات النظرية المرتبطة بالحرب الهجينة، والحرب الإدراكية، والهيمنة المعلوماتية، والسلطة الخوارزمية. فمن منظور الحرب الهجينة، يتجاوز الصراع الحدود التقليدية بين المدني والعسكري، وبين الحرب والسلم، لتندمج العمليات السيبرانية، والنفسية، والإعلامية، والاقتصادية ضمن بيئة صراع موحدة متعددة المستويات. أما الحرب الإدراكية فتدفع التحليل خطوة أبعد؛ إذ يصبح الهدف المركزي للصراع هو السيطرة على الإدراك البشري نفسه، وعلى أنماط الفهم والتفسير والثقة والهوية والشرعية. في السياق ذاته، تمثل الهيمنة المعلوماتية أحد أهم الأطر التفسيرية لفهم الجينوسايد السيبراني. فالقوة في البيئة الرقمية أصبحت ترتبط بالقدرة على السيطرة على تدفقات البيانات، والمنصات، والبنى الرقمية، والخوارزميات التي تحدد ما يُرى وما يُحجب، وما يُمنح الشرعية وما يُجرّد منها. ولذلك أصبحت الهيمنة المعلوماتية تمثل شكلاً جديداً من السلطة الإمبراطورية المعاصرة، حيث تتحول البيانات إلى مصدر للقوة الجيوسياسية، وتتحول الخوارزمية إلى أداة لإدارة الإدراك والتصنيف والاستبعاد وإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. أما مفهوم السلطة الخوارزمية فيكشف بعداً إضافياً من خطورة الظاهرة؛ إذ لم تعد القرارات المؤثرة في حياة الجماعات البشرية حكراً على المؤسسات السياسية أو العسكرية التقليدية، بل أصبحت تتزايد أهمية الأنظمة الحسابية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في إنتاج قرارات تتعلق بالرؤية، والوصول، والتصنيف، والأولوية، والاستهداف. وفي مثل هذا السياق، قد لا تكون الخوارزمية مجرد وسيط تقني محايد، بل فاعلاً بنيوياً يساهم في إنتاج بيئات قابلة للعنف، أو في تسريع أنماط الإقصاء الجماعي، أو في تطبيع نزع الإنسانية على نطاق واسع. على المستوى القانوني والمعياري، يطرح الجينوسايد السيبراني تحدياً مباشراً للتعريفات التقليدية للإبادة الجماعية، ولا سيما تلك المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. فالسؤال هنا يمتد إلى حول ما إذا كانت السيطرة الخوارزمية، أو التدمير الإدراكي، أو تعطيل البنى الحيوية الرقمية، أو أنظمة الاستهداف القائمة على البيانات، قد تشكل أنماطاً جديدة من التدمير الجماعي تتطلب مراجعة المفاهيم القانونية القائمة. بعض التجارب المعاصرة تدعم الحاجة إلى هذا النقاش. إذ أظهرت السنوات الأخيرة قدرة المنصات الرقمية على تسريع خطاب الكراهية الجماعي، وقدرة البيانات الضخمة وأنظمة المراقبة البيومترية على تعزيز عمليات التتبع والاستهداف، وقدرة العمليات السيبرانية على تعطيل البنى الحيوية والخدمات الأساسية، بما يفتح المجال أمام أشكال غير مسبوقة من العنف المنظم الذي يجمع بين القوة المعلوماتية والقوة السياسية والقوة التقنية. تأسيساً على هذا الطرح، لا يمثل الجينوسايد السيبراني مجرد امتداد رقمي للإبادة الجماعية التقليدية، بل مؤشر على تحول تاريخي أعمق في طبيعة السلطة والعنف في العصر الخوارزمي. فالإبادة باتت أبعد من أن تُختزل في السيطرة على الأجساد أو في هندسة الموت الفيزيائي المباشر، بل أخذت تتحول تدريجياً إلى صراع على الإدراك والهوية والذاكرة وشروط الاعتراف الإنساني نفسها. وما كان يُدار سابقاً عبر الجيوش والحدود والسجون، بات يمكن أن يُدار اليوم عبر البيانات والمنصات والخوارزميات والبنى المعلوماتية العابرة للسيادة. وفي العقود المقبلة، ومع توسع اقتصاد البيانات، وتصاعد قدرات الذكاء الاصطناعي، وتزاوج الحوسبة مع البيولوجيا والأعصاب والأنظمة الذاتية، قد لا يصبح السؤال المركزي متعلقاً بقدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان، بل بقدرتها على إعادة تصنيف البشر، وإعادة تعريف قيمتهم السياسية والاجتماعية والوجودية. عند هذه النقطة، قد تغدو الإبادة أقل صخباً وأكثر خوارزمية؛ أقل اعتماداً على المجزرة المفتوحة وأكثر ارتباطاً بإدارة الرؤية، والتحكم بالوصول، وتعطيل شروط الحياة، وإنتاج بيئات كاملة من الإقصاء المعرفي والرمزي والوظيفي. ما يمكن قوله أن خطورة الجينوسايد السيبراني لا تنبع من التطور النظري للمفهوم فحسب، بل من البيئة الرقمية غير المسبوقة التي باتت تحتضنه. عالم اليوم ينتج مئات الملايين من "التيرابايت" من البيانات يومياً، ويضم أكثر من خمسة مليارات مستخدم للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتحكم منصات محدودة بخوارزميات قادرة على التأثير في إدراك مليارات البشر. وفي الوقت نفسه، تتوسع تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، في ظل اعتماد متزايد للبنى الحيوية - من المستشفيات والطاقة والمياه إلى المال والغذاء - على أنظمة رقمية مترابطة تنقل نحو 95–99% من البيانات العالمية عبر شبكة كابلات بحرية تتجاوز 1.3 مليون كيلومتر. ضمن هذا السياق، لم يعد الفضاء السيبراني مجرد بيئة معلوماتية موازية، بل بنية حاكمة لشروط الحياة المعاصرة؛ الأمر الذي يجعل التحكم بالبيانات والخوارزميات والبنى الرقمية مسألة ترتبط ليس فقط بالنفوذ السياسي، بل بإمكانية التأثير في الأمن الإنساني والوجود الجماعي ذاته. عود على بدء، إن الجينوسايد السيبراني لا ينبغي النظر إليه بوصفه سيناريو افتراضيا بعيدا، بل بوصفه احتمالاً بنيوياً كامناً داخل منطق الهيمنة المعلوماتية المعاصرة؛ منطقٍ تتزايد فيه قدرة القوى المهيمنة على إنتاج واقع يُعاد فيه تحديد من يملك الحق في الظهور، ومن يحق له التذكّر، ومن يُمنح قابلية الحياة داخل النظام العالمي الرقمي، ومن يُدفع تدريجياً إلى محوٍ صامت لا يقل خطورة عن أشكال الإبادة التقليدية، وإن اختلفت أدواته ومنطقه وآليات اشتغاله.. فماذا نحن فاعلون؟

324

| 25 يونيو 2026

قراءة فلسفية في وعود إيلون ماسك

حين يتحدث إيلون ماسك عن مستقبل الشرائح الدماغية التي تطورها شركة Neuralink، فإن حديثه لا يقتصر على تطوير تقنية طبية جديدة أو إيجاد علاج لبعض الأمراض العصبية، بل يمتد إلى طرح رؤية فلسفية متكاملة حول مستقبل الإنسان نفسه. فعندما يقول إن المشلول سيتمكن من المشي، وإن الأعمى قد يستعيد بصره، وإن من فقد القدرة على الكلام سيتمكن من التواصل مجددًا، فإنه لا يقدم مجرد وعود علاجية، بل يطرح تصورًا جديدًا للعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وللحدود التي تفصل بين الممكن والمستحيل. على امتداد التاريخ البشري، كانت الإعاقة والمرض والشيخوخة تُعد جزءًا من الحالة الإنسانية الطبيعية. وقد انشغلت الحضارات المختلفة بمحاولة التخفيف من آثارها أو التكيف معها، لكن التصور السائد كان يقوم على قبول الحدود البيولوجية للجسد البشري باعتبارها قدرًا لا يمكن تجاوزه بالكامل. أما في الخطاب التكنولوجي الجديد الذي يمثله ماسك، فإن هذه الحدود لم تعد نهائية، بل أصبحت مشكلات تقنية قابلة للحل. فالجسد يتحول إلى منظومة يمكن إصلاحها، والدماغ إلى شبكة يمكن تحديثها، والحواس إلى وظائف يمكن تعزيزها أو استبدالها. هذا التحول الفكري يرتبط بما يعرف بفلسفة "ما بعد الإنسانية" (Transhumanism)، وهي رؤية ترى أن التطور التكنولوجي سيمنح الإنسان القدرة على تجاوز قيوده البيولوجية الطبيعية. فالتكنولوجيا، وفق هذا التصور، ليست مجرد أدوات خارجية يستخدمها الإنسان، بل ستصبح جزءًا من بنيته الجسدية والعقلية. ومن هنا تأتي فكرة الشرائح الدماغية التي تعمل كجسر مباشر بين الدماغ والآلة، بحيث يصبح التواصل مع الحواسيب أو الأطراف الصناعية أو حتى الذكاء الاصطناعي عملية تتم عبر التفكير المباشر. لكن اللافت في تصريحات ماسك أنها لا تتوقف عند حدود العلاج. فإعادة البصر للأعمى أو الحركة للمشلول تمثل المرحلة الأولى فقط. أما المرحلة التالية فتتعلق بتعزيز القدرات البشرية ذاتها. فإذا أمكن استعادة البصر، فلماذا لا يمكن تطوير رؤية تتجاوز القدرات الطبيعية للعين البشرية؟ وإذا أمكن الربط بين الدماغ والحاسوب، فلماذا لا يمكن زيادة الذاكرة أو تسريع التعلم أو توسيع القدرة الإدراكية؟ هنا تنتقل التكنولوجيا من مجال الطب إلى مجال إعادة تعريف الإنسان. من زاوية أخرى، تعكس هذه التصريحات قلقًا متزايدًا من الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي. فرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك الذي أصبح رسميًا أول تريليونير في تاريخ البشرية، يرى أن الأنظمة الذكية قد تصل إلى مستويات من القدرة المعرفية تتجاوز الإنسان بشكل كبير، الأمر الذي يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل البشر في عالم تهيمن عليه الآلات الذكية. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الشرائح الدماغية بوصفها علاجًا طبيًا فحسب، بل باعتبارها وسيلة للحفاظ على مكانة الإنسان عبر دمجه تدريجيًا مع التكنولوجيا بدلاً من الدخول في منافسة خاسرة معها. المثير للاهتمام أن هذا الخطاب يحمل أبعادًا ثقافية وفلسفية تتجاوز العلم. فالتاريخ الإنساني عرف دائمًا أحلامًا كبرى تتعلق بالتغلب على المرض والعجز والموت. وكانت هذه الأحلام ترتبط غالبًا بالدين أو الأسطورة أو الخيال. أما اليوم فإن التكنولوجيا بدأت تقدم نفسها بوصفها الأداة القادرة على تحقيق بعض هذه الوعود. ولهذا يرى عدد من المفكرين أن وادي السيليكون لا ينتج تقنيات جديدة فقط، بل ينتج أيضًا سرديات جديدة حول الخلاص البشري، حيث تحل الخوارزميات محل المعجزات، وتصبح الهندسة الحيوية بديلًا عن انتظار الحلول الخارقة. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية تثير أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فإذا أصبح بالإمكان تعزيز القدرات البشرية، فمن سيحصل على هذه القدرات؟ وهل ستؤدي إلى خلق فجوة جديدة بين بشر معززين تقنيًا وآخرين غير قادرين على الوصول إلى هذه التقنيات؟ وهل سيظل الإنسان هو ذاته عندما يصبح جزء من وعيه وقدراته مرتبطًا بأنظمة رقمية وخوارزميات ذكية؟ كما يطرح الأمر تساؤلات تتعلق بالخصوصية والسيادة على العقل البشري، خصوصًا إذا أصبحت الأفكار والإشارات العصبية قابلة للقراءة أو التحليل أو التوجيه. لعل الأهمية الحقيقية لهذه التصريحات لا تكمن في قدرتها على إعادة البصر إلى أعمى أو الحركة إلى مشلول، بل في أنها تعلن عن ولادة تصور جديد للوجود الإنساني؛ تصور يرى أن الجسد ليس قدرًا نهائيًا، وأن العقل ليس حدودًا مغلقة، وأن التطور لم يعد عملية بيولوجية عمياء، بل مشروعًا هندسيًا واعيًا. ومن هنا يصبح السؤال المركزي في القرن الحادي والعشرين ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل ما الذي سيبقى من الإنسان عندما تصبح التكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل ذاكرته وإدراكه وحواسه وربما وعيه نفسه. فبين الوعد بالتحرر من القيود البيولوجية والخشية من فقدان جوهر الإنسانية، يتشكل أحد أعظم التحديات الفكرية والأخلاقية في عصرنا.

384

| 17 يونيو 2026

الفضاء الجيوسيبراني.. الجغرافيا الجديدة للقوة

تتحرك السياسة الدولية اليوم داخل مشهد مختلف عمّا عرفه العالم طوال قرون. خرائط النفوذ باتت أبعد من أن تُرسم عند المضائق البحرية، أو حول القواعد العسكرية، أو داخل سباقات التسلح التقليدية، بل داخل فضاء جديد تتقاطع فيه البيانات مع الجغرافيا السياسية، والخوارزميات مع الأمن القومي، والبنية الرقمية مع الاقتصاد العالمي. هذا التحول يقود العالم تدريجياً إلى ما يمكن تسميته بـ"الفضاء الجيوسيبراني"، حيث تتشكل معادلات القوة عبر السيطرة على الشبكات، والبنى التحتية الرقمية، وسلاسل القيمة التكنولوجية، بقدر ما تتشكل عبر الجيوش والأساطيل والتحالفات. يقوم مفهوم الجيوسيبرانية بوصفه حقلاً تحليلياً عند نقطة التقاء ثلاث دوائر كبرى: الجيوسياسة الكلاسيكية بمنطقها القائم على النفوذ والاحتواء والصراع على موازين القوة، والأمن السيبراني بمنظومة الدفاع والهجوم والاختراق الرقمي، والاقتصاد الرقمي العالمي الذي أعاد توزيع الثروة والسيطرة على نحو غير مسبوق. ومن هذا التقاطع ينشأ "الفضاء الجيوسيبراني" بوصفه جغرافيا سياسية جديدة تتحول فيها الشبكات إلى مساحات نفوذ، والبيانات إلى مورد استراتيجي، والخوارزميات إلى أدوات سلطة وتأثير. ضمن هذا الفضاء، تُعامل البيانات بوصفها أصلاً استراتيجياً يوازي في أهميته النفط والغاز، بينما تغدو السيطرة على سلاسل القيمة الرقمية – من أشباه الموصلات والحوسبة السحابية والكابلات البحرية إلى الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية – شكلاً متقدماً من الهيمنة الدولية. فالكابلات البحرية التي تنقل ما بين 95 و99 في المائة من حركة البيانات العالمية باتت أبعد من مجرد بنية اتصالات تقنية، بل شرايين استراتيجية للاقتصاد العالمي. كما أن مراكز البيانات والحوسبة السحابية أخذت تؤدي وظيفة "القواعد السيادية غير المرئية" التي تحتضن الاقتصادات الرقمية والخدمات الحكومية والبنية التشغيلية للشركات العابرة للحدود. هذا التحول لا يعكس تطوراً تقنياً معزولاً أو تحديثاً عادياً في أدوات القوة، بل يكشف عن انتقال تاريخي في طبيعة النظام الدولي ذاته. فالعالم يدخل تدريجياً طوراً جديداً من إعادة توزيع القوة الكونية، تتحول فيه الشبكات إلى جغرافيا موازية، والكابلات البحرية إلى خطوط إمداد استراتيجية، ومراكز البيانات إلى مخازن للنفوذ الرقمي، بينما يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم أعمدة القوة في القرن الحادي والعشرين. أهمية الذكاء الاصطناعي باتت تزداد داخل البيئة الجيوسيبرانية لأنه يتجاوز كونه أداة إنتاجية أو تقنية ناشئة؛ إذ بات يمثل بنية استراتيجية ذات أبعاد أمنية واقتصادية وجيوسياسية متشابكة. فالدول التي تحقق تفوقاً في تطوير النماذج الخوارزمية المتقدمة لا تكسب ميزة تنافسية في الابتكار والاقتصاد فحسب، بل تحصل أيضاً على أدوات مؤثرة في مجالات الاستخبارات، والحرب السيبرانية، وتحليل البيانات الضخمة، وصناعة القرار، وإدارة الفضاء المعلوماتي. ولهذا السبب، تتحول الخوارزميات تدريجياً إلى أدوات نفوذ لا تقل أثراً عن كثير من أدوات الردع التقليدية. القوة في العصر الجيوسيبراني لا تُمارَس حصراً عبر الاحتلال المباشر أو السيطرة العسكرية، وإنما عبر القدرة على احتكار البنية التحتية الرقمية، وفرض المعايير التقنية العالمية، والتحكم في المنصات والخوارزميات التي تدير الاقتصاد الرقمي وتعيد تشكيل الإدراك الجمعي في الوقت نفسه. فالشركات المالكة للسحب الحاسوبية الكبرى، ومحركات البحث، والمنصات الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، لا تملك أدوات تقنية فقط، بل تحتكر أجزاء متزايدة من البنية التي يتحرك عبرها الاقتصاد العالمي وتُنتج داخلها المعرفة والتأثير. من هنا، تتعرض مفاهيم السيادة والهيمنة والردع لإعادة تعريف متسارعة. فحماية الحدود لم تعد كافية لضمان الأمن القومي في عالم تتدفق فيه البيانات عبر شبكات عابرة للقارات، بينما تتشكل أجزاء متزايدة من النفوذ داخل بيئات رقمية غير مرئية. السيادة باتت تشمل القدرة على إدارة البيانات الوطنية، وتأمين البنية الرقمية، وتقليص الاعتماد على المنصات والتقنيات الخارجية، في حين تتخذ الهيمنة أشكالاً أكثر تعقيداً ترتبط بالتحكم في المعايير والبروتوكولات وسلاسل القيمة التكنولوجية. بهذا المعنى، لا يمثل الفضاء الجيوسيبراني مجرد امتداد رقمي للجيوسياسة التقليدية، بل إطاراً تفسيرياً جديداً لفهم تحولات القوة في القرن الحادي والعشرين؛ إطاراً تتحول فيه الشبكات إلى خرائط نفوذ، والبيانات إلى مورد استراتيجي، والخوارزميات إلى أدوات سلطة، والبنية الرقمية إلى ساحة مركزية لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. وما يجري اليوم لا يتعلق بثورة تكنولوجية منفصلة عن السياسة العالمية، بل بإعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة الشاملة في عصر يتجه بثبات نحو حكم الخوارزميات والبيانات والبنى الرقمية العابرة للحدود. هذا التحول لا يعيد تشكيل أدوات النفوذ فحسب، بل يغيّر أيضاً طبيعة الفاعلين ومعايير الهيمنة ذاتها. فإلى جانب الدول، تبرز شركات التكنولوجيا العملاقة والمنصات الرقمية بوصفها مراكز قوة مؤثرة في الاقتصاد والأمن والسياسة الدولية، بينما يتسع مفهوم السيادة ليشمل التحكم في البيانات، وتأمين البنية الرقمية، والقدرة على تطوير التقنيات المتقدمة. ومن هنا، يبدو العالم متجهاً نحو مرحلة تُعاد فيها كتابة قواعد القوة الدولية من داخل البنية الرقمية نفسها، حيث تصبح السيطرة على الشبكات والخوارزميات والمعايير التقنية عنصراً لا يقل أهمية عن السيطرة على الأرض أو الموارد أو القدرات العسكرية. •كاتب متخصص في السياسة السيبرانية

366

| 04 يونيو 2026

حين يفقد العالم ثقته الرقمية

يدخل العالم مرحلة رقمية غير مسبوقة تتسارع فيها التحولات التقنية بصورة تعيد رسم ملامح الاقتصاد والسياسة والأمن والعلاقات الإنسانية ذاتها. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد بنية تكنولوجية داعمة للحياة الحديثة، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة تشكيل النفوذ والثروة والصراع، مدفوعاً بالتوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والبيانات الضخمة. وفي موازاة هذا التحول، تتصاعد التهديدات السيبرانية بوتيرة لافتة، متجاوزة مفهوم الاختراقات التقليدية نحو منظومة عالمية معقدة تمتلك أدواتها وأسواقها وشبكاتها العابرة للحدود، الأمر الذي جعل الجريمة الإلكترونية جزءاً من اقتصاد رقمي موازٍ يتغذى على هشاشة الثقة الرقمية وتسارع الاعتماد على التكنولوجيا في مختلف تفاصيل الحياة اليومية. تعبّر الأرقام الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) بشأن خسائر الجرائم السيبرانية خلال عام 2025، والتي بلغت نحو 20.9 مليار دولار، عن حجم التحول الذي يشهده العالم الرقمي، إذ تعكس هذه الأرقام انتقال الهجمات السيبرانية من مستوى التهديدات التقنية المحدودة إلى مستوى أكثر تعقيداً وتأثيراً، أصبحت فيه الخوارزميات والبيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي أدوات رئيسية في عمليات الاحتيال والاختراق والتلاعب وصناعة الهويات الرقمية المزيفة، ضمن مشهد تتآكل فيه الحدود الفاصلة بين الحقيقي والمصطنع بوتيرة متسارعة. إن خطورة هذا المشهد يزداد مع الصعود المتسارع لتقنيات "التزييف العميق" (Deepfake)، التي تحولت خلال فترة قصيرة من أدوات تجريبية أو ترفيهية إلى واحدة من أخطر أدوات الاحتيال الرقمي وأكثرها تأثيراً. فقد تجاوزت خسائر الاحتيال الناتج عن هذه التقنيات في أمريكا الشمالية وحدها حاجز 200 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2025، في مؤشر يعكس اتساع نطاق استخدامها وقدرتها على اختراق البنى التقليدية للثقة الرقمية. وتكمن خطورة هذه التقنيات في قدرتها على إنتاج صور وفيديوهات وأصوات مزيفة بدرجات عالية من الواقعية، بما يسمح بانتحال الشخصيات، والتلاعب بالمحادثات، وخداع أنظمة التحقق البيومتري، وحتى تنفيذ عمليات احتيال مالي معقدة يصعب كشفها بالوسائل التقليدية. ومن الجدير ذكره أيضاً أن هذا التحول لا يرتبط فقط بتطور أدوات الجريمة السيبرانية، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على التفاعل الافتراضي والهوية الرقمية والتحقق الإلكتروني. فعندما يصبح الصوت قابلاً للاستنساخ، والصورة قابلة للتوليد، والفيديو قابلاً للتعديل بصورة يصعب تمييزها عن الواقع، تتعرض فكرة "الثقة الرقمية" ذاتها إلى اهتزاز عميق، ويصبح الإنسان الحلقة الأكثر هشاشة داخل المنظومة التقنية مهما بلغت قوة الأنظمة الأمنية المحيطة به. تقديرات شركة "ديلويت" تشير إلى أن خسائر الاحتيال المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 40 مليار دولار بحلول عام 2027، وهو رقم يكشف أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التهديدات السيبرانية التي لم تعد تعتمد على المهارات الفردية للقراصنة فقط، بل على قدرات الذكاء الاصطناعي نفسه في التحليل والتوليد والمحاكاة واتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة بيد المهاجم، بل أصبح بيئة تشغيل متكاملة للهجمات الرقمية، قادرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق بسرعة ودقة وكلفة منخفضة. ضمن هذا السياق، يبرز تطور النماذج اللغوية المتقدمة باعتباره أحد أكثر التحولات إثارة للقلق في البيئة السيبرانية الحديثة. فالنماذج الجديدة أصبحت قادرة على إنتاج رسائل تصيد احتيالي شديدة الإقناع، وصياغة محتوى مخصص لكل ضحية اعتماداً على تحليل بياناتها وسلوكها الرقمي، فضلاً عن قدرتها على محاكاة أساليب الكتابة والصوت والتفاعل البشري بصورة تجعل اكتشاف الاحتيال أكثر صعوبة. كما تستطيع بعض النماذج تحليل الأنظمة التقنية واكتشاف نقاط الضعف فيها بصورة آلية، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الهجمات الذاتية التعلّم التي تتكيف مع الدفاعات الأمنية أثناء تنفيذ الهجوم نفسه. وفي مواجهة هذا التصاعد، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى بإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية اعتماداً على الذكاء الاصطناعي ذاته. فقد أطلقت "غوغل" و"أوبن إيه" مبادرات أمنية متقدمة تهدف إلى تطوير أدوات دفاعية قادرة على محاكاة الهجمات واكتشاف الثغرات قبل استغلالها، إضافة إلى بناء أنظمة متخصصة لرصد المحتوى المزيف وكشف عمليات التزييف العميق. كما تتجه هذه الشركات نحو تطوير أنظمة مصادقة أكثر تعقيداً تعتمد على الدمج بين الخصائص البيومترية والسلوكية، بحيث لا يصبح التحقق قائماً فقط على بصمة الوجه أو الصوت، بل أيضاً على أنماط الحركة والكتابة والتفاعل الرقمي. ورغم أهمية التطورات الدفاعية المتسارعة، فإن جوهر المعركة لم يعد تقنياً فحسب، بل بات يحمل أبعاداً معرفية ومجتمعية عميقة. فالهجمات السيبرانية الحديثة لم تعد تركز فقط على اختراق الأنظمة أو سرقة البيانات، وإنما أصبحت تستهدف الوعي البشري ذاته، عبر تقويض الثقة العامة وإرباك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف داخل البيئة الرقمية. ومن هنا، لم يعد الأمن السيبراني شأناً يقتصر على شركات التكنولوجيا أو خبراء الحماية الرقمية، بل تحول إلى قضية ترتبط بمستوى الوعي المجتمعي، وطبيعة التعليم، وانتشار الثقافة الرقمية، وقدرة التشريعات والمؤسسات على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها العصر الرقمي. لا شك أن خطورة هذا التحول يزداد مع تنامي قدرة الخوارزميات على التأثير النفسي وصناعة الإدراك والتلاعب بالسلوك البشري، سواء عبر المحتوى المزيف أو عبر الرسائل المصممة خصيصاً للتأثير على قرارات الأفراد والمؤسسات. فالمعركة القادمة لن تدور فقط حول حماية البيانات أو منع الاختراقات، بل حول حماية الثقة ذاتها داخل البيئة الرقمية، ومنع تحول الفضاء السيبراني إلى مساحة يسودها الشك والتضليل وفقدان اليقين. ما يبدو واضحاً حتى اليوم أن الحلول الأمنية التقليدية لم تعد كافية لمواجهة هذا النوع من التهديدات المتطورة، لأن المهاجم بات يستخدم الأدوات ذاتها التي تعتمد عليها المؤسسات في التطوير والحماية والإنتاج. ولهذا تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة تجمع بين التطوير التقني والتشريعات الصارمة والاستثمار في الوعي الرقمي وتعزيز الثقافة السيبرانية لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. في المحصلة، لا تعكس أرقام عام 2025 مجرد تصاعد في حجم الجرائم السيبرانية، بقدر ما تكشف عن دخول العالم مرحلة أكثر تعقيداً في تاريخ التهديدات السيبرانية، مرحلة تتشابك فيها الحدود بين الحقيقة والمحاكاة، وبين الإنسان والآلة، وبين الثقة والخداع الرقمي. ومع التسارع الهائل في تطور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، تبدو المجتمعات والمؤسسات والقوانين التقليدية أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في قدرتها على مواكبة بيئة رقمية تتغير أسرع من أدوات الفهم والاستجابة، الأمر الذي يجعل حماية الثقة والوعي والإدراك الإنساني جزءاً أساسياً من معركة الأمن السيبراني في السنوات المقبلة.

642

| 26 مايو 2026

هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج المعرفة، ليغدو فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الأحكام، وتوجيه القرارات، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بإدراكه لذاته وللعالم من حوله. فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد مجرد عملية طلب للمعلومة وتلقّيها، بل أصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها، بما يمنح الآلة دورًا يتجاوز الوساطة التقنية إلى تأثير معرفي ونفسي متنامٍ. وتنبع حساسية هذه المكانة الجديدة ليس فقط من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعرفة، بل من قدرته على ترسيخ قناعات المستخدم، وتعزيز إحساسه باليقين تجاه أفكاره وقراراته، بل وحتى تجاه رغباته ودوافعه. غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة. في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبًّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته. كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة. لكن التطور الأهم- في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق. فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل إنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"التملق الاجتماعي"، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية. وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءًا من آلية إنتاج التبرير نفسه. تكمن خطورة هذا التحول في أن الإنسان لا يبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن التبرير. وعندما تأتيه الموافقة من نظام يمتلك هالة معرفية عالية ويبدو قادرا على الفهم والتحليل، فإن هذه الموافقة لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية فحسب، بل بوصفها تصديقا يمنح الفعل شرعية إضافية. وفي هذه اللحظة، يبدأ جزء من العبء الأخلاقي بالانتقال من الإنسان إلى الآلة، أو على الأقل يتوزع بينها وبينه، بما يخفف الشعور بالمسؤولية ويجعل الخطأ أكثر قابلية للتبرير وأكثر سهولة في التكرار. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُفترض أن يساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، قد يتحول إلى أداة تجعله أكثر اطمئنانًا إلى أسوأ قراراته. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإضعافه. فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج إلى مقاومة داخلية، إلى احتكاك نقدي، إلى صوت يعترض حين يلزم الاعتراض. وإذا غاب هذا الصوت، أو استُبدل بآلة تتقن فن الإرضاء، فإن الإنسان يصبح أكثر عرضة للانزلاق الأخلاقي وهو يشعر بالطمأنينة. المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وفلسفية كذلك. لأن تصميم الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تصميم لعلاقة سلطة: من يملك حق التصحيح؟ ومن يحدد متى يجب على النظام أن يرفض؟ وهل وظيفة الآلة أن تخدم رغبات الإنسان، أم أن تحميه أحيانا من أسوأ نزعاته؟ وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي: ما الذي نريده فعلا من هذه الأنظمة؟ هل نريدها امتدادا لرغباتنا، تعكس لنا ما نحب سماعه، أم نريدها بنية معرفية مسؤولة قادرة على وضع مسافة نقدية بين الإنسان وأفكاره وأفعاله؟ فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة مطيعة، بل في أن تتحول الطاعة إلى معيار للجودة، والموافقة إلى معيار للذكاء. عند هذه النقطة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مرآة تضخّم انحيازاتنا وتعيد إلينا أخطاءنا في صورة أكثر إقناعا. وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر في تطوير الذكاء الاصطناعي هو جعله أكثر شبها بالإنسان في قدراته التحليلية واللغوية، بل في حمايته من وراثة أكثر العيوب البشرية رسوخا: التملق، والانحياز، والرغبة في تجنب المواجهة الأخلاقية حفاظا على القبول والرضا. فالآلة، حين تتعلم أن النجاح يقاس بمدى رضا المستخدم عنها، قد تنزلق تدريجيا من وظيفة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة إنتاج الطمأنينة، حتى لو كانت طمأنينة زائفة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الآلة، فالخطأ جزء من أي منظومة معرفية، بل في أن تضفي على الخطأ شرعية، وأن تحوّل التبرير إلى معرفة، والمجاملة إلى حكم، فتجعل الإنسان أكثر ثقة بما كان ينبغي أن يتردد حياله أو يعيد مساءلته. ما تقدم لا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بذاته؛ إذ يصبح أقل ميلا إلى مراجعة قراراته وأكثر استعدادا للبحث عن تصديق بدلا من نقد، وعن تأكيد بدلا من مساءلة. وفي عالم تتعاظم فيه سلطة الخوارزميات، وتتسع قدرتها على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، فإن الدفاع عن الحقيقة أصبح جزءًا من المسؤولية البنيوية للآلة نفسها. لأن الذكاء الاصطناعي، إذا أراد أن يكون أداة لتوسيع الإدراك البشري لا لتضييقه، يجب أن يتعلم متى يوافق، والأهم متى يعترض. فالمستقبل لن يُقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، بل بمدى نزاهتها حين تواجه الإنسان بحقيقته، لا بما يرغب في سماعه.

1302

| 14 مايو 2026

خوارزمية الموت.. الأتمتة ومنطق الحروب

تتجه الحروب اليوم نحو تحول حاد يعيد ضبط إيقاع الصراع، فلم تعد المعركة مجرد مواجهة جغرافية يمكن استيعاب مسارها تدريجيًا، بل استحالت سباقاً محمومًا مع الزمن داخل بيئة رقمية مشبعة بالبيانات. في هذا الفضاء الذي تتدفق فيه المعلومات لحظيًا من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار، تراجعت قيمة "امتلاك المعلومة" لصالح القدرة الفائقة على معالجتها ودمجها وتحويلها إلى فعل قبل أن تفقد جدواها العملياتية. ومع تضخم حجم هذه البيانات وتسارع تدفقها، أصبح التأخير—ولو لثوانٍ معدودة—كفيلاً بإفراغ القرار العسكري من مضمونه، لتنزاح الحرب من كونها صراعاً على المساحة لتصبح صراعاً على اللحظة، حيث يتحول الزمن نفسه إلى مورد استراتيجي حاسم تُبنى عليه نتائج المعركة قبل أن تتشكل ملامحها على الأرض. وفي قلب هذا التحول، تتبلور "الحرب الخوارزمية" كنمط يتجاوز الاستخدام الأداتي للذكاء الاصطناعي ليضعه في صميم بنية القرار العسكري؛ فالخوارزميات لم تعد تكتفي بتحليل المعطيات، بل أصبحت تُنتج ما يمكن تسميته بـ "المعرفة القتالية". عبر دمج كميات هائلة من البيانات متعددة المصادر، باتت هذه الأنظمة قادرة على تحديد الأهداف وتصنيف أولوياتها بل واقتراح التوقيت المثالي للضربة. وتشير التجارب الميدانية الحديثة إلى ظهور بنى تقنية تُعرف بـ "سحابة القتل" (Kill Cloud)، وهي شبكة عصبية مترابطة تجمع بين أجهزة الرصد ومنصات التحليل وأنظمة الإطلاق، مما قلّص دورة "الاستشعار–القرار–التنفيذ" من أيام وساعات إلى أقل من ستين ثانية في السيناريوهات عالية الكثافة، وهو زمن يقع عند الحافة القصوى للاستجابة البشرية، ما يعني انتقال مركز ثقل الحرب فعلياً من الإنسان إلى النظام. غير أن هذا التسارع لا يقتصر على الكفاءة التقنية، بل يمتد ليعيد تشكيل منطق الحرب وأخلاقياتها؛ ففي النماذج التقليدية، كان هناك دائماً هامش زمني يسمح بالتقدير والمراجعة وربما التراجع، أما في بيئة الخوارزميات، فإن ضغط الوقت يقلّص هذا الهامش حتى يكاد يلغيه، محولاً القرار العسكري إلى مجرد نتيجة حسابية ضمن نموذج احتمالي. وهنا تبرز إشكالية "السيادة والمسؤولية"؛ فإذا كانت الآلة هي من يقترح الهدف ويحدد الأولوية، فما الذي يتبقى للإنسان؟ لقد كشفت الدراسات أن وجود الإنسان داخل "حلقة القرار" يتحول تدريجياً إلى مجرد نقطة تحقق شكلية أو "مُصادِق" على قرارات آلة هي في الأصل أسرع منه ومن قدرته على التقييم الحقيقي، مما يفتح الباب أمام نوع جديد من الهشاشة يتمثل في "تسميم البيانات" أو التلاعب بالخوارزميات، حيث يصبح الخطأ هنا انحرافاً في النموذج لا يمكن تداركه بشرياً. الأخطر من ذلك أن أتمتة الصراع بدأت تمحو الخطوط الفاصلة بين حالة السلم وحالة الحرب؛ فحين تصبح القدرة على الضرب قائمة على تدفق بيانات مستمر، يمكن للعمليات أن تبدأ وتتصاعد دون إعلان رسمي، فيما يُعرف بـ "العمليات الرمادية" التي تدار بذكاء وهدوء تحت عتبة المواجهة الشاملة. إننا لا نشهد مجرد ترقية لأدوات القتال، بل تحولاً يمس جوهر الفعل الحربي في بنيته المعرفية ومعاييره الأخلاقية، حيث تُختصر المسافة بين الوعي والقرار لصالح السرعة الخالصة. وفي خضم هذا التسارع الذي يفلت من الفهم التقليدي، يبرز السؤال الوجودي الأعمق: هل لا يزال الإنسان هو من يمسك بزمام المبادرة ويقود الدفة، أم أنه أصبح مجرد تابع لعملية تقنية جبارة يحاول جاهداً اللحاق بإيقاعها؟

540

| 05 مايو 2026

كيف أعادت الخوارزميات تعريف المدينة؟

قد تُفهم المدن اليوم من خلال طبقتين متداخلتين: طبقة مرئية تتجسد في شوارعها وبناها المادية، وأخرى خفية تتكوّن من تدفقات مستمرة من البيانات تعيد إنتاجها في صورة رقمية موازية. هذه الطبقة الثانية لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد صياغته ضمن نماذج تحليلية قادرة على التقاط إيقاع الحياة اليومية، واستخلاص أنماطها، وتوقّع تحوّلاتها. هكذا تغدو المدينة نصًا مفتوحًا يُكتب في الزمن الحقيقي، ويُعاد تأويله خارج حدوده الجغرافية. عند هذه النقطة، تتغير طبيعة القوة نفسها: من امتلاك الوسائل إلى امتلاك القدرة على التفسير. فما يُنتج داخل المدينة من حركات وعلاقات وتكرارات زمنية يتحول إلى مادة خام تغذّي منظومات تحليلية معقدة، تُدمج فيها البيانات وتُعاد معالجتها ضمن سياق شبكي يتيح استخراج معرفة دقيقة بالبنية العميقة للسلوك الاجتماعي. ومن هنا يتشكل نمط جديد من السلطة، قوامه التحكم في تدفقات البيانات، لا السيطرة على الأرض وحدها. في هذا السياق، يكتسب مفهوم الاختراق دلالة أوسع. فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد الدخول إلى الأنظمة، بل بالقدرة على قراءة المدينة من الداخل، عبر تفكيك أنماطها وإعادة تركيبها في صورة رقمية متماسكة. الاختراق، بهذا المعنى، ليس فعل نفاذ تقنيا فقط، بل عملية تفسير مستمرة، تتحول فيها البيانات إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع. ولا يمكن فصل هذا التحول عن التوسع المتسارع في سوق الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، الذي أخذ يتبلور بوصفه بنية اقتصادية واستراتيجية تدير جانبًا مهمًا من الصراع المعاصر. ومع تصاعد الاستثمارات، واتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار متعددة المصادر، تتشكل منظومات قادرة على دمج البيانات الآتية من البر والجو والفضاء والفضاء السيبراني في صورة واحدة، تُستخدم لإنتاج ما يمكن وصفه بـ”الذكاء القابل للتنفيذ”. هنا تتقلص المسافة بين الرصد والفعل، فيغدو التحليل جزءًا من القرار، لا مرحلة منفصلة عنه. وفي هذا الإطار، تتجلى طهران بوصفها مثالًا مكثفًا لهذا التحول. فالعمليات التي تستهدف مراكز الثقل داخل المدن لم تعد تُفهم باعتبارها أفعالًا عسكرية دقيقة فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن بنية صراع تتداخل فيها الخوارزميات مع الاستخبارات، والبيانات مع القرار السياسي. والدلالة الأعمق هنا لا تكمن في الضربة ذاتها، بل في المسار الذي يسبقها: مسار طويل من الاختراقات، والتحليل الخوارزمي، والتنسيق الاستخباري العابر للحدود، حيث تُبنى لحظة الحسم قبل أن تُنفذ. ومن خلال تراكم هذه البيانات يتشكل ما يُعرف بـ ”خريطة الحياة”، وهي بنية تحليلية تعكس انتظام السلوك اليومي، وتتيح رصد الانحرافات الدقيقة ذات القيمة العملياتية العالية. فالصور والمعطيات لا تُقرأ في بعدها الفردي، بل ضمن سياق شبكي يكشف الروابط الخفية، ويحدد مراكز الثقل، ويقدّر أثر كل عنصر داخل المنظومة. عند هذه النقطة، يتحول الهدف من موقع جغرافي إلى نمط سلوكي، ومن حضور مادي إلى بنية قابلة للتحليل. وما يُرصد هنا ليس المكان بقدر ما هو الإيقاع، وما يُستهدف ليس الموقع بقدر ما هو اللحظة التي يتقاطع فيها السلوك مع فرصة التدخل. بذلك، تتشكل المعركة في مستوى أعمق من المجال الفيزيائي؛ إذ تُبنى في الخوادم قبل أن تظهر في السماء. هذا التداخل بين التحليل الرقمي والفعل الحركي يعكس نموذجًا متكاملًا للحرب، حيث تتعانق الخوارزميات مع الذخيرة ضمن سلسلة واحدة. وإعادة تشكيل بيئة المعلومات، عبر الاختراق أو التشويش أو تعطيل الاتصالات، لم تعد عنصرًا مساعدًا في العمليات، بل أصبحت جزءًا من بنيتها الداخلية. ومن زاوية مفاهيمية، يعيد هذا النموذج تعريف السيادة بوصفها قدرة على التحكم في قابلية القراءة. فالدولة التي تصبح بنيتها الرقمية قابلة للفهم من الخارج تفقد جزءًا من قدرتها على إنتاج الغموض، وهو أحد شروط الفعل الاستراتيجي. وعندما تتكشف الأنماط، يضيق هامش المفاجأة، وتغدو القرارات أكثر عرضة للتوقع. عربيًا، يطرح هذا التحول إشكاليات تتجاوز البعد التقني. فالتوسع في المدن الذكية والبنى الرقمية المتكاملة يضاعف كثافة البيانات المنتجة، لكنه يفتح في الوقت نفسه مجالًا أوسع لإعادة قراءتها من الخارج. هنا لا يكمن التحدي في إنتاج البيانات، بل في حمايتها، وفي منع تحويلها إلى معرفة قابلة للاستثمار الاستراتيجي. وفي عالم كهذا، يغدو الاستعداد الرقمي شرطًا من شروط البقاء، لا ترفًا تقنيًا. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن مستعدون؟.

324

| 23 أبريل 2026

إيران في حرب الشيفرة

تُقاس المواجهات عادةً بعدد الصواريخ ومسارات الطائرات، لكن جبهة أخرى أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا تتشكل في الخلفية: جبهة الشيفرة. فبينما تُرى الضربات في السماء والبحر، يدور صراع غير مرئي على مفاتيح الأنظمة، وعلى القدرة على التسلل والبقاء داخلها. الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لا تقتصر على مواجهة نارية تقليدية، بل تمتد إلى الفضاء السيبراني، حيث يُعاد تشكيل ميزان القوة عبر البيانات، لا عبر الصواريخ والقنابل وحدها. تشير المعطيات المستمدة من المصادر المفتوحة إلى تصاعد واضح في النشاط السيبراني المرتبط بالأطراف الثلاثة الرئيسية: الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران. غير أن هذا التصاعد، على الرغم من زخمه، لم يتحول حتى الآن إلى ضربة سيبرانية حاسمة واسعة النطاق، بل اتخذ في كثير من حالاته طابعًا انتهازيًا يستفيد من ثغرات قائمة، أكثر من كونه نتيجة اختراقات عميقة وممنهجة قادرة على إحداث شلل شامل. في المقابل، يكشف تحليل طبيعة هذه العمليات أن جوهرها لا يتمثل في "الاختراق" بحد ذاته، بل في ما يتيحه من تموضع طويل الأمد داخل أنظمة الخصم. يوضح ويليام أكوتو في مقال نشرته The Conversation (أبريل 2026) أن امتلاك “مفاتيح المعلومات” يعني القدرة على البقاء داخل الشبكات بصمت، وفهم بنيتها، ورسم خرائط ترابطها، تمهيدًا لاستخدامها في لحظة مناسبة. هنا تتحول القرصنة السيبرانية إلى أداة استراتيجية قائمة على التراكم والانتظار، لا على الصدمة الفورية. هذا المنطق لا يقتصر على إيران، بل يشكل سمة مشتركة لدى القوى السيبرانية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، مع فارق واضح في مستوى الإعلان. فبينما تميل إيران إلى إظهار بعض أنشطتها في إطار الردع الرمزي، تُدار العمليات الأمريكية والإسرائيلية في مستويات عالية من السرية، حيث يُنظر إلى الفضاء السيبراني كحيّز عملياتي حساس لا يُفصح عنه إلا بقدر محسوب. ضمن هذا الإطار، تبرز فكرة “التموضع المسبق” بوصفها حجر الزاوية في الحرب السيبرانية الحديثة. فالمعركة تبدأ قبل إطلاق النار، حين تُخترق الشبكات الحيوية ويُبنى “بنك أهداف رقمي” جاهز للتفعيل. وتشير تقارير إلى أن اختراقات سبقت المواجهة العسكرية، مما أتاح إمكان دمج الضربات السيبرانية مع العمليات الميدانية بصورة دقيقة ومتزامنة. ولعل أكثر تجليات هذا التكامل وضوحًا يتمثل في استخدام أنظمة المراقبة كأدوات استخبارية. فاختراق كاميرات المراقبة وأنظمة السير داخل إيران مكّن من بناء صورة تفصيلية لما يُعرف بـ “أنماط الحياة”، وهي بيانات حاسمة في عمليات الاستهداف. هنا لا تعود الكاميرا جهازًا سلبيًا، بل تتحول إلى مستشعر ضمن منظومة عسكرية أوسع، تختصر مسافات طويلة كانت تتطلبها شبكات التجسس التقليدية. في المقابل، لا تقتصر العمليات على العمق الاستراتيجي، بل تمتد إلى المستوى الفردي عبر هجمات آنية تستهدف الهواتف الذكية. رسائل تبدو إرشادية أو إنسانية تتحول إلى بوابات لاختراق الأجهزة، والوصول إلى الكاميرات والبيانات الشخصية، ما يجعل الفرد نفسه جزءًا من ساحة المعركة، ونقطة دخول إلى شبكات أوسع. وربما ما يمنح هذه الحرب تعقيدها الأكبر هو الضبابية التي تحيط بها. من الصعب تحديد الفاعل بدقة، أو قياس حجم الاختراق، أو فهم نطاق الأثر الحقيقي. هذه الضبابية ليست خللًا، بل سمة بنيوية، تضاعف من تأثير العمليات، وتربك حسابات الردع، وتفتح المجال أمام تقديرات مبالغ فيها أو ناقصة على حد سواء. وفي المحصلة، تكشف هذه الحرب أن ما يجري في الفضاء السيبراني لا يمكن قراءته بالمنطق نفسه الذي تُفهم به الحروب التقليدية. فإذا كان بالإمكان تقدير مسارات المعارك العسكرية عبر موازين القوة والتكتيك، فإن الحرب السيبرانية تظل أكثر استعصاءً على التنبؤ، لأن الغموض فيها ليس نقصًا في المعطيات، بل أداة من أدوات الصراع. فالهجمات لا تُقاس فقط بما تُحدثه من أثر مباشر، بل بما تتركه من حضور خفي داخل الأنظمة، وما تفتحه من احتمالات مؤجلة. ومع تسارع تطوير الأدوات — من البرمجيات الخبيثة وهجمات التعطيل، إلى التصيد الموجّه والتلاعب بالبيانات — تتسع ساحة المعركة إلى مستوى لا يقل احتدامًا عن الجبهات التقليدية، بل يتجاوزها أحيانًا في العمق والتأثير. هنا، لا تُحسم المواجهة بضربة واحدة، بل بقدرة مستمرة على التسلل، والبقاء، وانتظار اللحظة المناسبة. وإلى الأمام، لا تتجه الحروب نحو مزيد من التصعيد فحسب، بل نحو انتقالها إلى داخل الشيفرة. فالأفضلية لن تكون لمن يملك القوة النارية الأكبر، بل لمن ينجح في التغلغل المبكر داخل منظومات خصمه، وفهمها من الداخل، والبقاء فيها بصمت حتى تحين لحظة التأثير. عندها، لن تُقاس القوة بما يظهر على سطح المعركة، بل بما استقر خفية داخل هذه البنى قبل أن تبدأ المواجهة.

414

| 15 أبريل 2026

جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي

لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية خفية، طبقة صامتة يقوم عليها النظام العالمي، حيث لا تُقاس القوة بعدد الأسلحة، بل بقدرة الدول على إبقاء العالم متصلاً… أو دفعه نحو الانقطاع. هذه الطبقة الصامتة—الكابلات التي تنقل الإنترنت—ليست مجرد قنوات لمرور المعلومات، بل منظومة إشارات تدير الأسواق، وتنسّق سلاسل الإمداد، وتشغّل الخوادم التي تقوم عليها الحياة الرقمية بكاملها. إنها البنية التي تجعل العالم يعمل دون أن يفكر في كيفية عمله. وحين تهتز—ولو للحظة—لا يبقى الاضطراب محليًا، بل يتحول إلى خلل في الإيقاع العالمي ذاته.من هذا المنظور، لا يبدو ما يجري حول مضيق هرمز مجرد توتر جيوسياسي تقليدي، بل لحظة كاشفة لطبيعة صراع يتغير. القضية لم تعد تتعلق فقط بتدفق النفط، بل بتدفق ما هو أكثر تجريدًا وتأثيرًا: البيانات. وإذا كان النفط قد شكّل عصب الاقتصاد في القرن الماضي، فإن الكابلات التي تمر في الأعماق تحمل اليوم ما هو أخطر: منطق التشغيل الذي يقوم عليه العالم.هنا يتبدّل معنى الجغرافيا. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق عبور، بل نقاط ارتكاز في شبكة رقمية عالمية، تتقاطع عندها مصالح الدول، وتُختبر فيها حدود القوة، ويُعاد عبرها تعريف النفوذ. وفي هذه المساحات غير المرئية، يتشكل صراع مختلف: صراع لا يُعلن دائمًا، لكنه يحدد—بهدوء—كيف يعمل العالم… ومن يملك القدرة على تعطيله. في مياه مضيق هرمز، لا تمرّ ناقلات النفط وحدها، بل تمرّ أيضًا كابلات تحمل تفاصيل الحياة الرقمية بكاملها. هذه الكابلات، التي تدير الاتصالات والأسواق المالية والخدمات السحابية، ليست مجرد بنية تحتية، بل نظام تشغيل غير مرئي للاقتصاد العالمي. ولا يمر عبر المضيق كابل أو اثنان، بل حزمة من الأنظمة الحيوية مثل AAE-1 وFALCON وGBI وTGN-Gulf، تشكّل معاً شبكة مترابطة تربط الخليج بأوروبا وآسيا. هذه المنظومة، الممتدة عبر نقاط إنزال في عُمان والإمارات وقطر والبحرين والسعودية، تعمل كشبكة عالية الاعتماد المتبادل، لا كمسارات منفصلة. غير أن خطورتها لا تكمن فقط في أهميتها، بل في تموضعها الجغرافي؛ إذ تمرّ معظم هذه الكابلات ضمن نطاق ضيق داخل المضيق، ما يجعلها عرضة لتأثير متزامن في حال أي حادث أو تصعيد. وفي بيئة كهذه، لا يصبح السؤال هل يمكن تعويضها، بل كم من الوقت يحتاج العالم ليشعر بغيابها. هذا المشهد لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في جغرافيا البيانات. فالممرات التي كانت تُقاس أهميتها بحجم النفط والتجارة، باتت تُقاس اليوم بكمية البيانات التي تعبرها. ومن هنا، يصبح مضيق هرمز والبحر الأحمر جزءًا من خريطة واحدة، حيث تتقاطع مسارات الطاقة مع مسارات المعلومات، وتتحول نقاط العبور إلى مفاصل حساسة في بنية النظام الدولي. لسنوات طويلة، شكّل المسار الممتد عبر البحر الأحمر وقناة السويس أحد أهم شرايين الربط بين آسيا وأوروبا، ما منح مصر موقعًا مركزيًا في تدفقات البيانات العالمية. غير أن تصاعد المخاطر—في البحر الأحمر والخليج معًا—كشف أن الاعتماد المكثف على ممرات محدودة لم يعد خيارًا آمنًا. فالعطل الذي يبدو محليًا، أو التهديد الذي يبدو ظرفيًا، يمكن أن يمتد فورًا إلى شبكات مالية ومنصات رقمية عابرة للقارات. في هذا السياق، تأخذ مشاريع الكابلات الجديدة معنى يتجاوز بعدها التقني. فالربط السعودي–المصري، ومشروع “Coral Bridge” الأردني، يعكسان توجهاً نحو إعادة توزيع المخاطر وبناء قدر من “السيادة الشبكية”. لم يعد الهدف زيادة السعة فحسب، بل تقليل احتمالات الاختناق، وتوسيع هامش المناورة في بيئة أصبحت فيها الكابلات أهدافًا محتملة، لا مجرد أدوات. ومع ذلك، تبقى المفارقة قائمة: العالم الذي يبدو متحررًا بفضل الفضاء الرقمي، لا يزال محكومًا بجغرافيا دقيقة وحساسة. البدائل—مثل الإنترنت الفضائي—لا تستطيع تعويض الكابلات من حيث السعة أو الكلفة، والمسارات البديلة تحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة. ما يعني أن أي اضطراب في نقاط مثل هرمز أو البحر الأحمر لا يُمتص بسهولة، بل يُعاد توزيعه كضغط ممتد عبر النظام العالمي. هنا يتغير معنى القوة. لم يعد النفوذ مرتبطًا فقط بالسيطرة على الموارد أو الممرات، بل بالقدرة على حماية تدفق البيانات… أو تعطيله. فالدولة التي تملك موقعًا على خريطة الكابلات لا تمتلك بنية تحتية فحسب، بل تمتلك القدرة على التأثير في إيقاع العالم الرقمي ذاته. مع تصاعد التوتر في الممرات البحرية، قد يكتشف العالم أن استقراره لا يعتمد فقط على تدفق النفط، بل على استمرارية البيانات. وفي لحظة يتحول فيها الانقطاع من احتمال تقني إلى أداة ضغط، ستغدو الكابلات خطوط مواجهة صامتة، تُدار فيها الصراعات دون ضجيج، لكن بنتائج تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة معًا.الخلاصة هل نحن على أعتاب لحظة تتحول فيها “شرايين” العالم الرقمية إلى ساحة مواجهة مباشرة، أسرع وأشد قسوة مما كنا نعتقد؟ لننتظر ونرى.

663

| 31 مارس 2026

البحر الأحمر.. حين تصبح الكابلات خرائط قوة

يعتمد العالم المعاصر على بنية تحتية غير مرئية تمتد في أعماق البحار أكثر مما تمتد على سطح اليابسة. فهناك اليوم ما يزيد على 550 نظام كابل بحري نشط، بطول يتجاوز 1.2 مليون كيلومتر، تنقل عبرها أكثر من 95 % من حركة البيانات الدولية، وتُدار من خلالها معاملات مالية تُقدّر بنحو 10 تريليونات دولار يومياً. هذه الكابلات، التي لا يتجاوز قُطْر الواحد منها بوصتين، أصبحت الشريان الحقيقي للاقتصاد الرقمي العالمي، بفضل قدرتها على نقل “تيرابيتات” من البيانات بزمن انتقال منخفض، ما يجعلها الخيار الحاسم للحوسبة السحابية، والتداول عالي التردد، والبث المباشر، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي مقابل ذلك، تبقى الأقمار الصناعية - على أهميتها - محدودة التأثير في حركة البيانات العابرة للقارات، بسبب ارتفاع زمن التأخير وانخفاض السعة النسبية. ضمن هذه الخريطة البنيوية، يبرز البحر الأحمر بوصفه أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه عقدة مركزية في جغرافيا البيانات العالمية. فالمسار الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس جعل من مصر، لعقود، نقطة ارتكاز رئيسية لعبور البيانات، بما وفَّر لها عوائد اقتصادية مباشرة ونفوذاً تنظيمياً وأمنياً مرتبطاً بإدارة نقاط الإنزال ومسارات العبور. غير أن الأعطال التي طالت بعض الكابلات في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تصاعد التوترات الأمنية في محيط البحر الأحمر، كشفت حدود هذا النموذج القائم على الاعتماد المكثف على مسارات جغرافية ضيقة. صحيح أن نحو 70 % من الأعطال تعود إلى أنشطة بشرية عرضية كالصيد وإلقاء المراسي، لكن أثرها يتجاوز نطاقها المحلي ليطال تدفقات البيانات عبر قارات بأكملها، ما أعاد تعريف “المرونة الشبكية” بوصفها مسألة أمن قومي، لا مجرد اعتبار تقني. في هذا السياق، يمكن قراءة المشروع السعودي– المصري الذي يربط ضباء بشرم الشيخ باعتباره تحوّلاً في هندسة العبور داخل البحر الأحمر، لا مجرد إضافة سعة نقل جديدة. فإدخال نقطة إنزال إستراتيجية جديدة يعني عملياً إعادة توزيع الوزن النسبي داخل الممر الرقمي بين آسيا وأوروبا. الدولة التي تستضيف مساراً مباشراً لا تكتسب فقط قدرة تشغيلية أعلى، بل موقعاً تفاوضياً داخل منظومة العبور ذاتها: جذب مراكز البيانات، توقيع عقود سعات طويلة الأجل، والتعامل مع شركات التكنولوجيا الكبرى من موقع الشريك لا المستخدم. وبهذا المعنى، يمثّل الكابل انتقالاً في تموضع السعودية من هامش الشبكة إلى أحد مفاصلها. وتتبلور هذه الديناميكية بصورة أوضح مع دخول الأردن عبر مشروع “Coral Bridge”، الذي يربط العقبة بمصر، ممهداً لظهور بنية ثلاثية (مصر– السعودية– الأردن) بدلاً من الاعتماد شبه الأحادي على عقدة واحدة. هذه الهندسة الجديدة لا تعني فقط توزيعاً أفضل للمخاطر وتقليص احتمالات الاختناق، بل توسيع دائرة الفاعلين المؤثرين في تدفقات البيانات العابرة. فكل نقطة إنزال إضافية تخلق هامشاً سيادياً، وكل مسار بديل يقلّص من احتمالات الضغط أو التعطيل في لحظات التوتر. على المستوى الإقليمي، يدفع هذا التحول المنطقة العربية إلى قلب المنافسة على عقدة العبور الرقمية في شرق المتوسط والبحر الأحمر. ففي الوقت الذي سعت فيه إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كبوابة رقمية عبر مشاريع مثل Blue Raman وCenturion، يأتي تنويع المسارات العربية ليحدّ من احتمالية تمركز العبور في نقطة واحدة. لا يعني ذلك إقصاءً كاملاً لأي طرف، بقدر ما يعكس انتقالاً نحو تعددية المسارات وتراجع مركزية العقدة المنفردة. ومع اتساع البدائل، يتآكل منطق الاحتكار، وتزداد قدرة الفاعلين الآخرين على إعادة صياغة شروط العبور. ومع ذلك، فإن مدّ الكابلات بحد ذاته لا يكفي لبناء قوة سيادية في الفضاء الرقمي. فالقيمة الإستراتيجية الحقيقية تتحدد بما يُبنى حول هذه الكابلات: مراكز بيانات، شبكات برية مكملة، أطر تنظيمية فعّالة، وبيئة استثمارية مستقرة. في حال تكامل هذه العناصر، قد يتحول البحر الأحمر إلى ممر رقمي يحمل طابعاً سيادياً عربياً جزئياً، قادراً على استقطاب حركة البيانات الإقليمية وتقديم نفسه كبديل موثوق بين آسيا وأوروبا. أما في غياب هذا التكامل، فستظل هذه المشاريع أجزاء من شبكة عالمية أوسع تتحكم فيها تحالفات دولية وشركات عابرة للقارات. خلاصة القول، لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية تقنية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي. فالدول التي تقع على مفاصل العبور - مثل مصر التي يمر عبرها أكثر من ستة عشر كابلاً رئيسياً - تمتلك وزناً جيو-رقمياً يتجاوز في أهميته كثيراً ما تعكسه سياساتها الاستثمارية أو أطرها التنظيمية الحالية. وبينما تحمل هذه الكابلات نبض الاقتصاد العالمي لحظة بلحظة، فإن هشاشتها البنيوية وغياب إطار دولي ملزم لحمايتها يجعلانها واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في النظام العالمي المعاصر. في النهاية، لا يُعاد تشكيل النظام الدولي فقط فوق الخرائط، بل في الأعماق التي لا تُرى. فالكابلات التي تمتد بصمت تحت البحار لم تعد مجرد وسائل نقل للبيانات، بل خطوط تماس جديدة تُرسم عليها خرائط النفوذ والاعتماد والتبعية. ومع تسارع الاقتصاد الرقمي، سيغدو السؤال الحاسم ليس من يمتلك المعلومة، بل من يملك الطريق الذي تمرّ عبره. وفي هذه المعادلة، قد لا تكون السيطرة الكاملة ممكنة، لكن القدرة على التأثير في مسارات العبور ستصبح شكلاً جديداً من أشكال السيادة. وهنا تحديداً، يتحدد موقع الدول: إما عقدة في الشبكة تُصاغ عندها القرارات، أو مجرد ممر تعبره البيانات دون أن تترك فيه أثراً.

444

| 26 مارس 2026

ماذا لو صمتت الشبكة؟

في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا تُسمع صفارات إنذار. يحدث ما هو أبسط وأشد قلقاً: تختفي الإشارات. الهواتف تبحث عبثاً عن شبكة، الإنترنت يتلاشى فجأة، أنظمة الملاحة تفقد اتجاهها، والبث يتوقف دون تفسير. يتسلل الصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية كأنه خلل عابر، قبل أن يتحول إلى إدراك ثقيل: البنية التي كانت تحمل العالم لم تعد تعمل. لا أحد يعرف ما الذي حدث، ولا من يقف خلفه، لكن الحقيقة الوحيدة الواضحة أن الاعتماد الكامل على شبكة غير مرئية يمكن أن ينقلب في لحظة إلى هشاشة مطلقة. قد يبدو المشهد سينمائياً، لكنه أقرب إلينا مما نتصور. تخيّل أنك تستيقظ في صباحٍ عادي من صباحات القرن الحادي والعشرين. تمتد يدك إلى الهاتف كالمعتاد… لا إشعار يصل. تفتح التطبيق، فلا يستجيب. تحاول الاتصال، فتظهر عبارة "لا توجد شبكة". في البداية يبدو الأمر عطلاً عابراً. تمرّ ثوانٍ ثقيلة، ثم دقائق. تتجمد التطبيقات، تتأخر الرسائل، يتباطأ النظام، ويتسلل قلق غير مفهوم إلى داخلك. هنا، يكفي أن يتعطل الاتصال لثوانٍ حتى نشعر باضطراب لا نستطيع تفسيره. فنكتشف، ولو للحظة، أننا لا نستخدم الشبكة فحسب، بل نعيش داخلها. غير أن السؤال الأكثر إزعاجاً ليس ماذا لو تعطّل التطبيق، بل ماذا لو صمتت الشبكة نفسها؟ ماذا لو انقطع الإنترنت عن العالم انقطاعاً واسع النطاق لأيام أو أسابيع؟ عندها لن يكون الحدث تقنياً، بل بنيوياً؛ لن يكون خللاً في الخدمة، بل اختباراً للنظام الدولي الذي أعاد الاتصال الرقمي تشكيله جذرياً. تُقدَّر المعطيات عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا بنحو 6 مليارات شخص، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الأرض. هذا يعني أن الاتصال لم يعد امتيازاً، بل أصبح شرطاً هيكلياً للحياة المعاصرة. والأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت عتبة 5.24 إلى 5.66 مليار مستخدم نشط، وهو ما يمثل أكثر من ثلثي البشرية تقريباً. هذه الأرقام لا تعكس انتشارًا تقنيًا فحسب، بل تشير إلى تحول حضاري عميق؛ فالمجال العام، والاقتصاد، وأنماط العمل، والتعليم، وحتى الهوية الاجتماعية، باتت متشابكة مع بنية رقمية تعمل بلا توقف. وبالتالي فإن انقطاعاً واسع النطاق لا يعني اختفاء منصات التواصل فحسب، بل اهتزاز منظومة الاعتماد المتبادل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمعاملات المالية العابرة للحدود، التي تمر يوميًا بتريليونات الدولارات، تعتمد على الاتصال الفوري. أنظمة الحجز والنقل البحري والجوي مرتبطة بسيرفرات موزعة عالمياً. حتى إدارة شبكات الطاقة والمياه أصبحت مؤتمتة عبر أنظمة رقمية. وعندما تتوقف البيانات، تتوقف معها القدرة على التحقق، والمصادقة، وإدارة المخاطر. المعروف أن الإنترنت صُمِّم في بداياته بوصفه شبكة لامركزية قادرة على الصمود أمام الأعطال والاضطرابات، بحيث لا يؤدي سقوط جزء منها إلى انهيارها بالكامل. غير أن هذه المرونة التقنية تخفي مفارقة بنيوية واضحة: فالبنية المادية التي يحملها الفضاء الرقمي ليست موزعة بالقدر نفسه من التوازن. إذ تمرّ أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع المحيطات لمسافات تتجاوز مليون كيلومتر، تملكها أو تشارك في تمويلها وتشغيلها شركات تكنولوجية كبرى وتحالفات تجارية عابرة للحدود. كما يدير نظام أسماء النطاقات عددٌ محدود من خوادم الجذر التي تمثل نقطة ارتكاز حيوية في توجيه حركة الإنترنت عالمياً، في حين تتركز مراكز البيانات العملاقة في مناطق جغرافية بعينها، غالباً داخل نطاقات نفوذ اقتصادي وتقني محددة. هذه الحقائق تعني أن "الفضاء السيبراني" ليس كياناً افتراضياً طليقاً في الفراغ، بل منظومة مادية كثيفة ومتموضعة، يمكن — نظرياً — أن تتعرض لتعطيل متزامن بفعل هجوم سيبراني منسق، أو تخريب مادي يستهدف نقاط الاختناق الحيوية، أو حتى حدث طبيعي استثنائي كعاصفة شمسية فائقة. وهنا تنكشف المفارقة: شبكة وُلدت لتقاوم الضربات، لكنها تقوم على بنية مادية مركّزة تجعلها، في لحظات معينة، أكثر هشاشة مما تبدو عليه. عند وقوع انقطاع واسع، ستظهر فجأة الفوارق بين الدول. الدول التي استثمرت في مراكز بيانات وطنية وبنى تحتية سيادية قد تتمكن من تشغيل شبكات داخلية محدودة. أما الدول التي اعتمدت بالكامل على الخدمات السحابية العابرة للحدود، فستجد نفسها أمام فراغ إداري وتشغيلي. هنا يتحول مفهوم "السيادة الرقمية" من شعار سياسي إلى متغير حاسم في إدارة الاستقرار الداخلي. الأخطر من الانقطاع ذاته هو ما قد يعقبه. فالصدمة قد تدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على الشبكة العالمية وتعزيز شبكات وطنية أو إقليمية مغلقة نسبياً. قد تتوسع مشاريع "وطننة الإنترنت"، ويتعزز منطق الأمننة على حساب الانفتاح. وهنا يصبح احتمال تجزئة الإنترنت العالمي أكثر واقعية، لا بوصفه خياراً أيديولوجياً، بل استجابة استراتيجية لمخاطر كشفتها الأزمة. إنّ مجرد إدراك أن ستة مليارات إنسان قد يجدون أنفسهم خارج الشبكة في لحظة ما يكفي لفهم حجم التحول الذي نعيشه. انقطاع الإنترنت اليوم يعادل، من حيث الأثر البنيوي، تعطّل شبكات الكهرباء في القرن العشرين أو إغلاق الممرات البحرية في القرون السابقة. إنه ليس توقف خدمة، بل اختبار لصلابة النظام الدولي الرقمي. ومع ذلك، فإن السؤال الأعمق لا يتوقف عند احتمال انقطاع الشبكة، ولا عند حجم الخسائر التي قد تترتب عليه. فربما يكون الانقطاع — مهما بدا كارثياً — مجرد لحظة كاشفة لطبقات أعمق من الواقع الرقمي. إذ إن التركيز على هشاشة الاتصال يقودنا، بالضرورة، إلى سؤال أكثر جذرية: من يملك هذه الشبكة أصلاً؟ ومن يتحكم في مفاتيحها؟ من يضع قواعدها التقنية، ويدير بنيتها التحتية، ويملك الكابلات، ويشرف على بروتوكولاتها، ويحدد من يدخل إليها ومن يُستبعد منها؟ فالإنترنت الذي نتصوره فضاءً مفتوحاً وعابراً للحدود، يقوم في الحقيقة على توازن دقيق بين دول، وشركات عابرة للقوميات، وهيئات تنظيمية، وتحالفات تقنية. إنه ليس "ملكية عامة" بالمعنى الرومانسي، ولا "أرضاً بلا سيادة"، بل شبكة معقدة من الامتيازات والهيمنات والاحتكارات الناعمة. وإذا كان انقطاعه المحتمل يكشف هشاشته، فإن استمرار عمله اليومي يكشف بدوره بنية السلطة التي تنظمه بصمت. وهنا يبدأ سؤال آخر، يتجاوز سيناريو الانقطاع إلى فلسفة الملكية والهيمنة في العصر الرقمي… وهو سؤال يستحق مقالاً مستقلاً.

516

| 10 مارس 2026

أمانة في أعناقنا
أمانة في أعناقنا

هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....

6099

| 20 يوليو 2026

إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد
إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد

هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...

3432

| 18 يوليو 2026

«يبا».. إلى أبي الحبيب
«يبا».. إلى أبي الحبيب

«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...

1902

| 19 يوليو 2026

رحم الله الأمير الوالد.. لن ننسى طيب مواقفه
رحم الله الأمير الوالد.. لن ننسى طيب مواقفه

أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...

1239

| 16 يوليو 2026

قائد غير وجه قطر
قائد غير وجه قطر

شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

1086

| 18 يوليو 2026

سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن
سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن

في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

813

| 17 يوليو 2026

قصة استثمار الأمير الوالد في الرياضة
قصة استثمار الأمير الوالد في الرياضة

لم ينظر الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

750

| 16 يوليو 2026

قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر
قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر

إن امتلاك حلم والسعي الحثيث لتحقيقه ليس بالأمر...

741

| 19 يوليو 2026

حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم
حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم

حكمة لعمر بن الخطاب نقشت على خاتمه لتكون...

717

| 19 يوليو 2026

الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن
الحزن الجمعي.. الدرس الذي تلقّاه وطن

لعلّ أعمق ما كشفه الحزن على رحيل سيدي...

714

| 16 يوليو 2026

حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر
حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر

هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك قادة يمنحون المناصب...

672

| 18 يوليو 2026

من الرؤية إلى الريادة.. إرث الأمير الوالد الخالد
من الرؤية إلى الريادة.. إرث الأمير الوالد الخالد

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في لحظاتٍ يختلط...

660

| 16 يوليو 2026

أخبار محلية