رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سنا محمد ظافر القحطاني

أستاذ علم الاجتماع - كلية المجتمع في قطر

مساحة إعلانية

مقالات

297

د. سنا محمد ظافر القحطاني

الأبناء لا يسمعوننا.. بل يراقبوننا

02 يونيو 2026 , 01:02ص

من خلال قراءتي للواقع الاجتماعي، وما نراه من تحولات متسارعة في طبيعة العلاقات الإنسانية، يتأكد لي أن كثيرًا من التحديات التي تظهر في المجتمع لا تبدأ فجأة، بل تنشأ بهدوء مميت داخل الأسرة، من تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها تصنع الفارق الكبير في مستقبل الأجيال.

فنحن نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه المسؤوليات، حتى أصبح الكثير من الناس يمنحون العمل والالتزامات الخارجية معظم طاقتهم أو بالأحرى جميع طاقتهم، بينما تنال الأسرة ما تبقى من الوقت والانتباه. ومع مرور الأيام، قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، لكن دون حضور حقيقي، ودون حوار، ودون ذلك الدفء الذي يصنع معنى الانتماء بمعنى جسد بلا روح.

والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الأسرة لا تُصلحها الكلمات وحدها، بل يبدأ صلاحها من الإنسان نفسه. فولي الأمر الذي يسعى لإصلاح أسرته، عليه أولًا أن يراجع ذاته، لأن الأبناء لا يتعلمون مما يُقال لهم بقدر ما يتعلمون مما يعيشونه أمامهم ويرونه من قدوتهم. 

وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، 

فبدأ بإصلاح النفس قبل الأهل، وكأن الرسالة واضحة بأن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل.

فمن أصلح نفسه، أصلح حضوره، وأسلوبه، وكلماته، وانفعالاته، وطريقته في إدارة الخلاف، وحينها فقط يصبح قدوة حقيقية لا مجرد موجّه.

كما أن الإنسان الذي لا يمنح نفسه وقتًا للهدوء والاتزان النفسي، يصعب عليه أن يمنح أسرته حضوره الواعي. فالاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل مسؤولية، لأن الأسرة تحتاج إنسانًا حاضرًا بقلبه وعقله، لا جسدًا منهكًا فقط.

ومن القيم التي يجب ألا تغيب عن الأسرة، أن يرى الأبناء البر حيًا أمامهم. حين يشاهد الابن والده وهو يحرص على والديه، ويقف معهما، ويمنحهما من وقته واهتمامه، وحين ترى الابنة والدتها وهي تحيط والديها بالمحبة والوفاء، فإن الأبناء يتعلمون معنى البر دون دروس مباشرة. وقد قال النبي ﷺ: “الراحمون يرحمهم الرحمن”، والرحمة تبدأ من أقرب الناس إلينا.

إن الأسرة الممتدة ليست مجرد امتداد اجتماعي، بل هي مدرسة قيم حقيقية. وجود الأجداد، وتماسك الأجيال، والشعور بأن الأسرة كيان واحد في الفرح والمحنة، كل ذلك يصنع إنسانًا مختلفًا؛ أكثر وفاءً، وأكثر انتماءً، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية.

فالأسرة التي تعمل بروح الفريق، وتتقاسم الأدوار، وتواجه التحديات معًا، لا تبني فقط بيتًا مستقرًا، بل تزرع ثقافة التعاون في نفوس الأبناء، فيكبرون وهم يفهمون أن الأسرة ليست مكانًا للإقامة فقط، بل مساحة للعطاء والمساندة والعمل المشترك.

إن المجتمعات القوية لا تبدأ من المؤسسات الكبرى، بل من البيوت التي أصلح أهلها أنفسهم أولًا، فاستقامت أسرهم، ثم امتد أثر ذلك إلى المجتمع بأسره.

لأن ما نزرعه داخل الأسرة… يعود يومًا ليشكل ملامح الوطن كله.

مساحة إعلانية