رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك رجال لا يُكتبون في صفحات التاريخ فحسب، بل يُكتبون في القلوب، فإذا رحلوا، شعرت الأوطان أن جزءًا من روحها قد غاب. رحل أبو الجميع… رحل الرجل الذي كان حلمًا يسكن طفولتي؛ كنت أتمنى أن أقف أمامه يومًا، لا لأطلب شيئًا، بل لأخبره أن طفلًا نشأ على هذه الأرض يحمله في قلبه، ويعرف جميله وإن لم يره يومًا. أتذكر وأنا في الثامنة من عمري، رأيت والدي يبكي، فاقتربت منه بخوف وقلت: “لماذا تبكي يا أبي؟” فقال ودموعه تسبق كلماته: “أبكي فرحًا فقد منَّ الله على أبينا حمد بالشفاء”. سألته ببراءة: “ومن هو حمد؟” فقال: “هذا أبو قطر، وأبو الجميع”. قلت له: “وهل أحبه؟” فابتسم وقال: “بل نحبه جميعًا، فهو بعد فضل الله ممن حمل همَّ هذا الوطن، وأعزه، وأقام له مكانةً بين الأمم”. كبرت وكبرت معي تلك الكلمات. فأحببت أباً لم ألتقِ به، لكنني التقيت أثره في كل شارع، وفي كل مدرسة، وفي كل فرصة، وفي كل شعور بالأمن والانتماء. كبرت وأنا أسمع وصاياه لهذا الوطن، فكانت نبراسًا لطريقي، وعهدًا أحمله في قلبي قبل لساني. تعلمت أن حب الأوطان لا يكون بالشعارات، بل بالصدق، والإخلاص، والعمل، والثبات على الحق، وحفظ الأمانة. لهذا، ما حييت، سيبقى قلبي ينبض بحب قطر، وستبقى قدماي تمشيان على ما غُرس فينا من قيم الوفاء والإحسان، وسأدافع عن هذه الأرض بكل ما أملك، بالكلمة الصادقة، والعمل المخلص، والموقف الثابت، ما دام في صدري نفسٌ يتردد. فهذا الوطن ليس قطعة أرض نسكنها. بل روحٌ تسكننا. اليوم… رحل أبو الجميع. ورحل معه وجه ألفناه رمزًا للعطاء، لكن القيم التي زرعها لن ترحل، وستظل تنبت رجالًا ونساءً يحملون هذه الراية جيلاً بعد جيل. اللهم يا واسع الرحمة، اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، واجزه عن قطر وأهلها خير الجزاء، واجعل كل خير تركه في هذه الأرض نورًا يلقاه يوم يلقاك. أما نحن فنعاهد الله، ثم نعاهد وطننا، أن نبقى أوفياء لهذه الأرض الطيبة، ثابتين على الحق، مخلصين في خدمتها، نحملها في قلوبنا قبل أكتافنا، ونذود عنها ما حيينا. فالأوطان التي تُبنى بالإخلاص، لا يحفظها إلا المخلصون، والرجال العظام وإن غابوا عن أعيننا، فإنهم يبقون نبضًا في قلوب من أحبوا أوطانهم كما أحبوها.
303
| 15 يوليو 2026
لم يكن الإنسان يومًا يخشى التقدم، ولم يكن الإسلام يومًا عائقًا أمام العلم أو الابتكار أو عمارة الأرض، بل دعا إلى السعي فيها، وإلى الأخذ بأسباب القوة، وإلى تسخير النعم فيما ينفع الإنسان ويحقق الخير للمجتمع. وما نعيشه اليوم من تطور تقني واقتصادي متسارع هو ثمرة من ثمار هذا السعي الإنساني، يستحق أن يُشكر الله عليه وأن يُحسن توظيفه. لكن، وسط هذا المشهد المشرق، يراودني سؤال لا يغيب عن ذهني: ماذا لو كان أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم هو نحن أنفسنا؟ لا أقصد الإنسان بعلمه، ولا بإنجازاته، ولا بقدرته على الابتكار، وإنما الإنسان في داخله؛ في ضميره، وفي قيمه، وفي علاقته بنفسه، وبأسرته، وبمجتمعه، وبربه. لقد أصبح الوصول إلى كل شيء أسهل من أي وقت مضى. الوصول إلى المال، وإلى الشهرة، وإلى المعرفة، وإلى التأثير، بل وحتى إلى ما حرّم الله، لم يعد يحتاج إلا إلى وسائل قليلة وجهد يسير مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات. ولم تعد المشكلة في هذه الأدوات؛ فهي في ذاتها ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتطور الأدوات أسرع من تطور الإنسان، وعندما تتسع قدرتنا على الوصول إلى كل شيء، بينما تضيق قدرتنا على ضبط النفس، والتمييز بين ما يجوز وما لا يجوز. إن أكثر ما يقلقني ليس سرعة التقنية، بل سرعة اعتياد الإنسان. فما كان المجتمع يستنكره بالأمس، قد يصبح مألوفًا اليوم إذا تكرر أمام أعيننا بما يكفي. وما كان الضمير يرفضه، قد يفقد أثره شيئًا فشيئًا عندما يتحول الخطأ إلى مشهد يومي، وعندما يصبح تكرار السلوك سببًا في اعتياده، لا في رفضه. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمجتمعات لا تتغير في ليلة واحدة، ولا تنهار قيمها فجأة، وإنما تبدأ التحولات عندما يعتاد الناس ما لم يكونوا يعتادونه، وعندما يصبح السؤال: “هل أستطيع؟” أقوى من السؤال: “هل ينبغي أن أفعل؟” ومن منظور علم الاجتماع، فإن أخطر التحولات ليست تلك التي تحدث في الأنظمة أو الأدوات، وإنما تلك التي تحدث في منظومة القيم؛ لأن القيم هي التي تضبط السلوك، وتحفظ هوية المجتمع، وتمنح الإنسان القدرة على مقاومة الإغراءات مهما تنوعت وسائلها. ولعلنا اليوم بحاجة إلى أن نتوقف قليلًا، لا لنراجع سرعة التقنية، وإنما لنراجع سرعة بنائنا للإنسان. فكل يوم تظهر أدوات أكثر ذكاءً، بينما يزداد احتياجنا إلى إنسان أكثر وعيًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على الاختيار الأخلاقي. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بما نملكه من وسائل، بل بما نحافظ عليه من مبادئ ونحن نستخدم تلك الوسائل. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أن نقطة البداية ليست في الخارج، وإنما في داخل الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فإصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح النفوس، وحماية الأوطان تبدأ بحماية الضمائر، وبناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان. كما حذّرنا الله سبحانه من أن يتحول الانبهار بما في أيدي الآخرين إلى فتنة تُفسد القلب وتسرق الرضا، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. وكأن الآية تخاطب إنسان هذا العصر، الذي أصبح يرى حياة الآخرين في كل لحظة، حتى كاد يقيس سعادته بما يملكون، لا بما يملكه هو من نعم. إن خوفي ليس على حاضرنا فحسب، بل على مستقبل أبنائنا وأحفادنا. فهم سيعيشون في عالم أكثر سرعة، وأكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على التأثير في عقولهم وقلوبهم. وإذا لم نسبق هذا التغير ببناء الإنسان، وتعزيز القيم، وترسيخ الضمير، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات نعالج نتائج كان يمكن الوقاية منها منذ البداية. لسنا بحاجة إلى أن نخاف من التقدم، فالتقدم ضرورة، ولا إلى أن نغلق أبواب التقنية، فهي من أدوات العصر، ولكننا بحاجة إلى أن نعيد التوازن بين بناء الحضارة وبناء الإنسان، لأن الحضارة التي تتقدم فيها الأدوات أسرع من القيم، قد تُنتج إنجازات مبهرة، لكنها تُنتج في الوقت ذاته فراغًا أخلاقيًا لا تملؤه القوانين وحدها. ويبقى السؤال… إذا كنا نستثمر كل يوم في تطوير أدواتنا، فكم نستثمر في بناء الإنسان الذي سيستخدم هذه الأدوات غدًا؟ فالأوطان لا تُحفظ بما تملكه من وسائل فقط، بل بما تغرسه في الإنسان من قيم، وما تبنيه فيه من ضمير، وما تتركه في قلبه من خشية لله ومسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.
291
| 01 يوليو 2026
من خلال قراءتي للواقع الاجتماعي، وما نراه من تحولات متسارعة في طبيعة العلاقات الإنسانية، يتأكد لي أن كثيرًا من التحديات التي تظهر في المجتمع لا تبدأ فجأة، بل تنشأ بهدوء مميت داخل الأسرة، من تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها تصنع الفارق الكبير في مستقبل الأجيال. فنحن نعيش اليوم في زمن تتسارع فيه المسؤوليات، حتى أصبح الكثير من الناس يمنحون العمل والالتزامات الخارجية معظم طاقتهم أو بالأحرى جميع طاقتهم، بينما تنال الأسرة ما تبقى من الوقت والانتباه. ومع مرور الأيام، قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، لكن دون حضور حقيقي، ودون حوار، ودون ذلك الدفء الذي يصنع معنى الانتماء بمعنى جسد بلا روح. والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الأسرة لا تُصلحها الكلمات وحدها، بل يبدأ صلاحها من الإنسان نفسه. فولي الأمر الذي يسعى لإصلاح أسرته، عليه أولًا أن يراجع ذاته، لأن الأبناء لا يتعلمون مما يُقال لهم بقدر ما يتعلمون مما يعيشونه أمامهم ويرونه من قدوتهم. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، فبدأ بإصلاح النفس قبل الأهل، وكأن الرسالة واضحة بأن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل. فمن أصلح نفسه، أصلح حضوره، وأسلوبه، وكلماته، وانفعالاته، وطريقته في إدارة الخلاف، وحينها فقط يصبح قدوة حقيقية لا مجرد موجّه. كما أن الإنسان الذي لا يمنح نفسه وقتًا للهدوء والاتزان النفسي، يصعب عليه أن يمنح أسرته حضوره الواعي. فالاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل مسؤولية، لأن الأسرة تحتاج إنسانًا حاضرًا بقلبه وعقله، لا جسدًا منهكًا فقط. ومن القيم التي يجب ألا تغيب عن الأسرة، أن يرى الأبناء البر حيًا أمامهم. حين يشاهد الابن والده وهو يحرص على والديه، ويقف معهما، ويمنحهما من وقته واهتمامه، وحين ترى الابنة والدتها وهي تحيط والديها بالمحبة والوفاء، فإن الأبناء يتعلمون معنى البر دون دروس مباشرة. وقد قال النبي ﷺ: “الراحمون يرحمهم الرحمن”، والرحمة تبدأ من أقرب الناس إلينا. إن الأسرة الممتدة ليست مجرد امتداد اجتماعي، بل هي مدرسة قيم حقيقية. وجود الأجداد، وتماسك الأجيال، والشعور بأن الأسرة كيان واحد في الفرح والمحنة، كل ذلك يصنع إنسانًا مختلفًا؛ أكثر وفاءً، وأكثر انتماءً، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية. فالأسرة التي تعمل بروح الفريق، وتتقاسم الأدوار، وتواجه التحديات معًا، لا تبني فقط بيتًا مستقرًا، بل تزرع ثقافة التعاون في نفوس الأبناء، فيكبرون وهم يفهمون أن الأسرة ليست مكانًا للإقامة فقط، بل مساحة للعطاء والمساندة والعمل المشترك. إن المجتمعات القوية لا تبدأ من المؤسسات الكبرى، بل من البيوت التي أصلح أهلها أنفسهم أولًا، فاستقامت أسرهم، ثم امتد أثر ذلك إلى المجتمع بأسره. لأن ما نزرعه داخل الأسرة… يعود يومًا ليشكل ملامح الوطن كله.
366
| 02 يونيو 2026
في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، وتتعالى فيه أصوات القلق في كثير من بقاع العالم، تقف بعض الدول شامخةً بأمنها واستقرارها، لا بوصفه أمرًا عابرًا، بل كنتاج رؤيةٍ حكيمة وإدارةٍ واعية. وهنا، ندرك أن الأمن لا يُقاس بغياب التحديات، بل بقدرة المجتمعات على إدارتها بوعي واتزان. قال تعالى في سورة الضحى: «وأما بنعمة ربك فحدّث»، وهي دعوة للتأمل في النعم واستحضارها بوعي، لا سيما في أوقات التحديات التي تكشف حقيقتها. وفي ظل ما تشهده منطقتنا من اضطرابات، تتجلى قيمة الأمن المجتمعي بوصفه منظومة متكاملة تُصان بالإدارة الواعية، لا مجرد حالة عابرة. الأمن المجتمعي لا يقتصر على غياب الخطر، بل هو حالة من الطمأنينة التي تُمكّن الإنسان من ممارسة حياته بصورة طبيعية، في ظل استقرار وثقة وعدالة. وفي هذا السياق، تبرز دولة قطر نموذجًا في بناء هذه المنظومة، حيث يتكامل الدور المؤسسي مع الرؤية الاستراتيجية لضمان استمرارية الحياة دون اضطراب. ما يميز التجربة القطرية ليس فقط قدرتها على مواجهة التحديات، بل قدرتها على إدارتها بهدوء واتزان، وتحويلها إلى مسارات تعزز الاستقرار. فالأمن هنا لا يُبنى كردّة فعل، بل كنهج مستمر يقوم على التخطيط، وتوزيع الأدوار، وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. وعند التأمل في بنية الأمن المجتمعي، نجد أنه نتاج توازن دقيق بين القيادة، والمؤسسات، والمجتمع. هذا التوازن هو ما يحافظ على استقرار الحياة اليومية، ويمنح المجتمع قدرة على التكيّف مع المتغيرات دون فقدان تماسكه. كما أن هذا الاستقرار لا يتحقق بالقرارات فقط، بل بوعي الأفراد وإدراكهم لدورهم في الحفاظ عليه. فالمجتمع الواعي لا ينجرف مع القلق، ولا يتعامل مع الأزمات بردود أفعال، بل يشارك في احتوائها بسلوك متزن ومسؤول. ومن هنا، فإن المسؤولية الاجتماعية لا تقتصر على الالتزام الظاهري، بل تمتد إلى بناء وعي حقيقي قائم على المعرفة، والتثبت، والقدرة على التمييز. كما أن التفقّه في الدين لا يقتصر على العبادات، بل يشمل فهم مقاصد التوازن، والاعتدال، والصبر الذي يُنظّم السلوك لا يُعطّله. إن ما نعيشه من استقرار هو نتيجة عمل متكامل، لا يُدرك أثره إلا حين يُقارن بغيره. وفي عالم تتسارع فيه التحديات، تبقى المجتمعات الأكثر وعيًا بقيمة أمنها، والأقدر على إدارته، هي الأجدر بالاستمرار بثبات وثقة.
504
| 14 أبريل 2026
الوطن ليس مساحة جغرافية فحسب، بل منظومة انتماءٍ ومسؤولية تتجلى حقيقتها في أوقات الشدائد. ففي لحظات الأزمات، لا تُقاس قوة الدول بمواردها وحدها، بل بقدرة مجتمعاتها على التماسك، وبما تمتلكه من رصيدٍ قيمي يوجّه سلوكها حين تشتد الظروف. وقد نشأ مجتمعنا على قيمٍ راسخة شكّلت هويته عبر الزمن؛ الكرم، وإكرام الضيف، واحترام الجار، ونبذ الإساءة، واعتماد الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات. هذه القيم لم تكن موروثًا نظريًا، بل ممارسة يومية أسهمت في بناء مجتمعٍ متوازن، قادر على تجاوز التحديات دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية. ويبرز الأمن والاستقرار بوصفه القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمعات. فحين يستقر الأمن، تزدهر سائر المجالات، وحين يختل، تتأثر مختلف مفاصل الحياة. ومن هنا، فإن صون هذه النعمة لا يتحقق بالأنظمة وحدها، بل بسلوك جمعي مسؤول يحافظ على استقرار المجتمع ويعزز تماسكه. وفي مواجهة الأزمات، تتطلب المرحلة تبنّي نهجٍ يقوم على الهدوء في التقدير، والالتزام بالإجراءات الصادرة عن الجهات المختصة، إدراكًا بأن إدارة الأزمات عملية تكاملية بين القرار المؤسسي والاستجابة المجتمعية. كما أن تقبّل ما قد يتأخر فهمه في اللحظة الراهنة، يعد جزءًا من النضج الذي يميز المجتمعات المستقرة. ولا تنحصر المواجهة في الجانب التنظيمي فقط، بل تمتد إلى حماية المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية، عبر ممارسات واعية تسهم في الاستقرار العام. فالأزمات كثيرًا ما تدفع المجتمعات إلى إعادة التفكير، وتفتح المجال أمام حلول مبتكرة، يكون العلم والمعرفة فيها عنصرًا حاسمًا في تجاوز التحديات. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تستثمر في التعليم وتُحسن توظيف المعرفة، تكون أكثر قدرة على التعافي والتحول نحو مراحل أكثر استدامة. وفي سياقنا الإيماني، تمثل الأزمات جزءًا من سنن الحياة التي تقوم على الابتلاء والتمحيص، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ… وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155). وهي دعوة إلى الثبات، واستحضار أن ما تمر به المجتمعات من تحديات قد يكون مدخلًا لمرحلة أكثر نضجًا وقوة. وفي هذا السياق، تبرز دولة قطر نموذجًا في التعامل مع الأزمات، حيث تجمع بين القيادة الحكيمة، والمجتمع الذي تأسس على قيمٍ أصيلة. وقد رسّخت الدولة نهج الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر، بوصفه أساسًا في بناء الأوطان وتعزيز استقرارها. كما أن المرحلة الحالية تمثل امتدادًا لهذا النهج، من خلال التوجيه نحو مسارات أكثر وعيًا وتطورًا. إن ما نمر به اليوم لن يكون سوى محطة ضمن مسيرة وطنٍ اعتاد تجاوز التحديات بثبات. فالمجتمعات التي تمتلك منظومة قيمية راسخة، ورؤية واضحة، تكون أكثر قدرة على إعادة بناء قوتها بشكلٍ أكثر عمقًا واستدامة. وفي الختام، يبقى العلم هو الأداة الأصدق في صناعة المستقبل، فهو الذي يحوّل التحديات إلى فرص، ويمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار بثقة. ومن هنا، فإن تجاوز الأزمات لا يكفي، بل الأهم هو ما نخرج به منها من وعيٍ أعمق، وتماسكٍ أكبر. فالمجد لا يُمنح، بل يُصنع… ولا يدركه إلا من صبر على الشدّة، وثبت في وجه الأزمات.
711
| 19 مارس 2026
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...
11307
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...
3825
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
3057
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
1716
| 16 أغسطس 2026
لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...
1203
| 15 أغسطس 2026
من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...
1104
| 17 أغسطس 2026
فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...
690
| 17 أغسطس 2026
في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...
630
| 16 أغسطس 2026
تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...
597
| 15 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...
576
| 19 أغسطس 2026
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...
570
| 18 أغسطس 2026
إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً...
543
| 16 أغسطس 2026
مساحة إعلانية