رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في المفاوضات الدولية، قد لا تكون أصعب مشكلة هي تحديد ما يريده كل طرف، بل الاتفاق على سؤال أكثر حساسية: من يتحرك أولًا؟
هذه المعضلة تبدو اليوم في صميم مرحلة مهمة من الوساطة القطرية بين الولايات المتحدة وإيران.
ففي 29 سبتمبر 2026، أكدت وزارة الخارجية القطرية أن الدوحة تواصل جهود الوساطة بين واشنطن وطهران بهدف تقريب وجهات النظر وبناء أرضية مشتركة، وأن الأيام السابقة شهدت عددًا من الاجتماعات وتبادل الرسائل بين الأطراف، بما في ذلك لقاءات في نيويورك على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة، الدكتور ماجد الأنصاري، استمرار قطر في العمل من أجل الوصول إلى حل سلمي.
وفي 30 سبتمبر، كشفت وكالة رويترز عن تطور أكثر تحديدًا. فقد نقلت عن مسؤول غير إيراني مطلع على المحادثات أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تلقى عبر الوسطاء القطريين ردًا أمريكيًا على خطة إيرانية مدتها سبعة أيام لبناء الثقة بين واشنطن وطهران، وأن إحدى نقاط الخلاف الرئيسية أصبحت تتعلق بترتيب تنفيذ الخطوات أكثر من عناصر الخطة نفسها.
وهنا يصبح الحدث أكثر أهمية من مجرد خبر عن استمرار الوساطة.
إذا كان الخلاف قد انتقل جزئيًا من سؤال "ماذا نريد؟" إلى سؤال "من يفعل ماذا ومتى؟"، فإن وظيفة الوسيط نفسها تدخل مرحلة مختلفة.
بالنسبة لقطر، لم يعد الأمر مجرد نقل للرسائل بين طرفين، بل يقترب من هندسة مسار الاتفاق.
لماذا يصبح "من يبدأ؟" مشكلة كبيرة؟
في بيئة تتسم بانعدام الثقة، يخشى كل طرف أن يقدم خطوة أولى ثم لا يحصل على الإجراء المقابل.
وقد يكون الطرفان قادرين، نظريًا، على تصور صيغة للتسوية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة قدرتهما على تنفيذها.
إذا تحرك أحدهما أولًا، فهل سينفذ الطرف الآخر ما وعد به؟
وماذا يحدث إذا تغيرت الظروف بعد تنفيذ الخطوة الأولى؟
وهل يمكن التراجع إذا لم ينفذ الطرف المقابل التزامه؟
هذه الأسئلة ترتبط بما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بمشكلة الالتزام الموثوق، أي قدرة الأطراف على الاطمئنان بدرجة كافية إلى أن الالتزامات التي يتم التفاوض عليها ستنفذ لاحقًا.
وهنا يصبح دور الوسيط أكثر تعقيدًا.
فالوسيط لا يحتاج فقط إلى اكتشاف مساحة الاتفاق، وإنما إلى المساعدة في بناء تسلسل تستطيع الأطراف التحرك من خلاله دون أن يرى أحدها الخطوة الأولى باعتبارها تنازلًا أحاديًا.
من نقل الرسائل إلى بناء الثقة
الوساطة القطرية الحالية تقدم مثالًا مهمًا على ذلك.
فالخارجية القطرية أكدت رسميًا وجود اجتماعات وتبادل رسائل ومحاولات مستمرة لجسر الفجوة بين الطرفين. لكن أدبيات الوساطة توضح أن مجرد امتلاك قناة اتصال لا يكفي دائمًا.
فدراسة Andrew Kydd حول الثقة في الوساطة تبين أن مصداقية الوسيط وقدرته على نقل المعلومات بصورة يثق بها الطرفان عنصران أساسيان في مساعدتهما على التعاون. كما تثير الدراسة نقطة مهمة: وجود مصالح لدى الوسيط لا يعني بالضرورة غياب المصداقية؛ المسألة تتعلق بكيفية إدراك الأطراف لدوافعه وسلوكه ومصداقيته.
وهذه مسألة مهمة عند النظر إلى الدور القطري. فقطر ليست دولة بعيدة جغرافيًا عن الأزمة، بل دولة خليجية تتأثر مباشرة باستقرار المنطقة وبحرية الملاحة والطاقة. ومع ذلك، فإن استمرار قدرتها على التواصل مع الطرفين يمثل في حد ذاته موردًا دبلوماسيًا مهمًا في أي عملية وساطة.
وتزداد أهمية هذا المورد عندما تكون الاتصالات المباشرة بين الخصوم محدودة أو شديدة الحساسية.
الاتفاق ليس نهاية الوساطة
لكن هناك درسًا آخر ينبغي ألا يغيب عن النقاش.
النجاح في التوصل إلى تفاهم لا يعني بالضرورة نجاح الاتفاق لاحقًا.
وقد أظهرت دراسة Virginia Page Fortna المنشورة في International Organization، والتي درست اتفاقات ما بعد الحروب بين الدول، أن تصميم الاتفاق نفسه مهم لاستدامة السلام. فآليات مثل الضمانات، وإجراءات حل النزاعات، واللجان المشتركة، والترتيبات التي تقلل حالة عدم اليقين يمكن أن تؤثر في قدرة الاتفاق على الصمود.
وهذا الاستنتاج مهم عند النظر إلى المرحلة الحالية في الوساطة القطرية ما بين واشنطن وطهران. فإذا استطاعت الوساطة نقل الطرفين من تبادل المقترحات إلى صيغة متفق عليها، سيظهر سؤال أكثر صعوبة:
كيف ستتحول الصيغة السياسية إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتحقق؟
ومن هنا ينبغي ألا نقيس الوساطة فقط بصورة التوقيع النهائي أمام الكاميرات.
هناك مؤشرات أخرى مهمة: إبقاء قناة الاتصال مفتوحة، تضييق مساحة الخلاف، تحويل المطالب العامة إلى إجراءات محددة، وتطوير آلية للتعامل مع الخلافات التي قد تظهر أثناء التنفيذ.
أربعة خيارات أمام المرحلة المقبلة في الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران
إذا استمرت المفاوضات ووصلت إلى مرحلة أكثر تفصيلًا، يمكن النظر إلى أربعة خيارات تفاوضية، لكل منها مزايا ومخاطر.
الخيار الأول هو التنفيذ المتزامن أو شبه المتزامن.
بدل مطالبة أحد الطرفين باتخاذ خطوة كبيرة أولًا، يمكن ربط الإجراءات المتقابلة بفاصل زمني قصير وآلية واضحة للتحقق. ميزته أنه يقلل مخاطر التعرض لتنازل أحادي، لكن تطبيقه قد يصبح معقدًا إذا كانت الالتزامات مختلفة بطبيعتها أو تحتاج إلى أوقات متفاوتة للتنفيذ.
الخيار الثاني هو الاتفاق المرحلي.
يمكن فصل الإجراءات القابلة للتنفيذ سريعًا عن الملفات الأكثر تعقيدًا، بحيث تبدأ العملية بإجراءات محدودة لبناء الثقة ثم تنتقل إلى المسائل الأصعب. وقد يساعد ذلك على خلق زخم تفاوضي، لكن هناك خطر أن تستقر العملية عند الترتيبات المؤقتة من دون الوصول إلى معالجة الملفات الأعمق.
الخيار الثالث هو تعزيز آليات التحقق.
إذا كانت المشكلة الأساسية هي الثقة، يصبح السؤال عن كيفية التحقق من تنفيذ الالتزامات جزءًا من التفاوض نفسه. ويمكن أن تكون الآلية ثنائية أو متعددة الأطراف أو فنية، وفق طبيعة الالتزام وموافقة الأطراف. ميزتها أنها تقلل الغموض؛ إلا أن إنشاء آلية يقبلها الجميع قد يصبح في حد ذاته موضوعًا تفاوضيًا حساسًا.
الخيار الرابع هو استمرار دور الوسيط بعد التوصل إلى التفاهم.
فبدل انتهاء الوساطة عند توقيع الاتفاق، يمكن أن يستمر وجود قناة قطرية للمساعدة في معالجة الخلافات المتعلقة بالتفسير أو التوقيت أو التنفيذ. وتنسجم هذه الفكرة مع الأدبيات التي تؤكد أهمية تصميم ترتيبات قادرة على التعامل مع المشكلات التي تظهر بعد توقف القتال.
هذه الخيارات ليست وصفة جاهزة للحالة الأمريكية الإيرانية، إذ إن جزءًا كبيرًا من تفاصيل المفاوضات غير معلن، ولا يمكن لمن هو خارج العملية التفاوضية معرفة جميع القيود التي تواجه الوسطاء. لكنها تساعدنا على فهم طبيعة المرحلة التي وصلت إليها الوساطة القطرية.
الاختبار الأصعب
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للدبلوماسية القطرية الآن ليس فقط: كيف نحافظ على الحوار؟
بل: كيف يمكن تحويل الحوار إلى خطوات يستطيع الطرفان تنفيذها دون أن يشعر أحدهما بأنه تحرك منفردًا؟
وهذه المرحلة قد تكون أكثر تعقيدًا من فتح قناة الاتصال نفسها.
فالوسيط الناجح لا يصنع الإرادة السياسية نيابة عن الخصوم، ولا يستطيع ضمان أن يختاروا التسوية. لكنه يستطيع المساعدة في بناء بنية تفاوضية تجعل التسوية الممكنة أكثر قابلية للتنفيذ.
ومن هنا فإن التطورات الحالية بين واشنطن وطهران تقدم درسًا أوسع في الوساطة الدولية.
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الطريق النهائي إلى التسوية. قد يستطيع الطرفان رؤيته.
لكن كل طرف ينتظر الآخر ليتخذ الخطوة الأولى. وعندها تصبح مهمة الوسيط أكثر من نقل رسالة بين عاصمتين. إنها المساعدة في بناء طريق يسمح للطرفين بأن يبدآ السير عليه معًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3327
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1245
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1092
| 06 أكتوبر 2026