رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل العالم مقدم على تغيرات جذرية على النظام الاقتصادي العالمي؟ تداول الثروة هو البديل عن انفجار الثورة هل يكمن علاج الأزمات الاقتصادية بتطبيق نظام المصرفية الإسلامية؟
حمى الاحتجاجات الجماعية والخروج إلى الشارع والبقاء فيه حتى يتغير الوضع بدأت تنتقل إلى بقية دول العالم وتحولت إلى شبه رغيف يومي يتم تعاطيه والخيار الأول تحاول فيه الفئة الأكثر تضررا والمحرومون اليائسون والمحبطون والذين يقبعون في الطبقة الأدنى إسماع أصواتهم إلى صناع القرار في دولهم وتوصيل رسائل الغضب والحنق من الأوضاع الاقتصادية المزرية التي يعانون منها إلى بقية المراكز العالمية المؤثرة في ظل الامتعاض من الرأسمالية المتوحشة وسيطرة رجال الأعمال غير الأكفاء على مقاليد الدولة.
(1)
من رحم التفاحة العالمية نيويورك من المدينة التي لا تنام من الشبع وربما لا ينام البعض منها من الجوع ظهرت حركة الاحتجاج "احتلوا وول ستريت" (Occupy Wall Street)، (OWS)، وانتشرت حول العالم لتصل إلى شوارع العالم وتحتل المنتديات والمواقع الاجتماعية ونشرات الأخبار. بدأت المظاهرات من قبل هذه الحركة التي تدعو إلى احتلال مبنى وويل ستريت الشهير في نيويورك على شكل مدونة في الانترنت إلا أن اكتسبت الحشد والتأييد مع مرور الوقت على غرار المظاهرات الشبابية العربية وانفجار الثورة في الشارع. مما أدى إلى خروج المظاهرات في أكثر من 1،000 مدينة في 25 دولة تضم بعضاً من أكبر اقتصادات العالم بينها 100 مدينة في الولايات المتحدة وحدها. ترفع الحركة شعار أنها تمثل 99 % من الشعب، وهي لن تتسامح مع جشع وفساد الواحد في المائة، من الذين يملكون المال ويتحكمون في رقاب الناس من خلال نفوذهم في الميادين الحكومية وفي المؤسسات المالية، والذين يتحملون مسؤولية الأزمة التي يعانيها الاقتصاد. يقول أستاذ علوم الاتصال بجامعة فوردهام بول ليفينسون إن جماعة "احتلوا وول ستريت" والحركات ذات الصلة بها تمثل بعثا جديدا للديمقراطية المباشرة التي لم تكن معروفة منذ العصور الغابرة. ويضيف ليفنستون قائلا "إن الخطر يكمن دوما في أن مثل هذه الجماعات قد تتحول إلى حركات غوغائية. لكن من مزاياها أن قراراتها تعبر حقا عن إرادة الشعب وتُرضي غرور المشاركين فيها أكثر من القرارات التي يتخذها زعماء منتخبون". استطلاعات الرأي في مدينة نيويورك أظهرت تأييد 87 في المائة من سكانها للمعتصمين وقضاياهم، وتأييد 73 في المائة منهم لمطلب صدور قوانين أكثر تشددا لتنظيم عمل المؤسسات المالية الأمريكية، وتأييد 72 في المائة منهم لاستمرار اعتصام المتظاهرين في الحديقة العامة إن احترموا القانون، وشجب 45 في المائة منهم طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
(2)
هل العالم مقدم على تغيرات جذرية على النظام الاقتصادي العالمي حيث يطيح بالنظام الرأسمالي القديم ويتم بناء نظام جديد قائم على أسس أكثر كفاءة ومرونة وعدالة؟ هل سنشهد ثورات شعبية ضد الحكومات في الولايات المتحدة والدول الغربية والآسيوية مشابهة بتلك التي حدثت في العالم العربي تطيح بنظام الدولة بكامله وليس حكوماته فقط؟! العالم الامريكي جيرالد سيلانتي وهو الباحث المتخصص بعلم المستقبل أسَّس في عام 1980 معهد بحوث متخصصاً في رصد التوجهات المستقبلية العامة ومنذ ذلك الحين يصدر المعهد توقعات سياسية واقتصادية واجتماعية تحققت بعد ذلك، ومن أبرزها توقعه بانهيار الاتحاد السوفييتي قبل نحو سنتين من سقوطه، كما توقع انهيار سوق الأسهم في أمريكا منذ عام 1987. والتوقعات التي أطلقها جيرالد سيلانتي في الآونة الأخيرة بثت موجة من الذعر في أمريكا وخارجها. خصوصا انه تحدث عن المستقبل القريب بين عامي 2012 و2014. يرى سيلانتي انه ستقع ثورة في الولايات المتحدة الأمريكية. لم يحن وقتها بعد ولكنها على الطريق. وهذه الثورة ستقترن بأعمال شغب واسعة النطاق واعتصامات وانتفاضات ضد الضرائب والبطالة والجوع! ويوضح أن الغذاء سيكون الهمّ الأول لدى الناس، ويعبّر عن ذلك بجملة موحية يقول فيها: سيكون وضع الطعام على المائدة أكثر أهمية من وضع الهدايا تحت شجرة الميلاد! والدولار الأمريكي سينهار وسيفقد حتى حدود 90% من قيمته في المستقبل القريب المنظور، وستتدهور مبيعات محلات التجزئة، وان الولايات المتحدة الأمريكية على الطريق لأن تتحول إلى دولة متخلفة! وان الوضع سيكون أسوأ من حالة الكساد الكبرى في ثلاثينيات القرن الماضي! ويذكر سيلانتي ان ما سيفاقم الأزمة هو حالة الإنكار لحالة الركود الراهنة، وعدم الاعتراف بالجذور الضاربة عميقاً في المجتمع الأمريكي لهذه الأزمة! ولذلك فإن أمريكا ستمرّ في حالة انتقالية ما من أحد مستعد لها!.
(3)
هل يكون حل الأزمة العالمية الاقتصادية وتداعياتها منذ عام 2008م يكمن في الاتجاه إلى تطبيق نظام المصرفية الإسلامية كما يروج لها البعض المحسوب على هذا القطاع. المحلل السعودي صلاح الدين خاشقجي يشير إلى التجربة في المصرفية الإسلامية ليست مثالا جيدا يحتذى به، فهي أخذت بقشور هذه الصناعة وتركت اللب. فهي بتركيزها على التورق والمرابحة دفعت الاستهلاك الشخصي إلى أقصى حدوده. ولها تجربة مريرة في كيفية مشاركة المصارف الإسلامية في خسارة قطاع عريض من المواطنين في انهيار سوق الأسهم السعودي عام 2006. فالقروض التي صرفت للمواطنين حملت طابع المصرفية الإسلامية، وذهبت لتمول فقاعة، ما لبثت أن انفجرت، لتأكل مدخرات المواطنين. ولم يكن ليحد من آثار هذه الأزمة إلا تحرك مؤسسة النقد بتخفيض نسبة الاستقطاع من العميل لتحد من المبلغ الأعلى للتمويل بشكل كبير. أما على مستوى الاستثمار، فقد كانت صكوك دبي العالمية مثالا سيئا آخر على استخدامنا للمصرفية الإسلامية. فعلى الرغم من أن الصكوك الإسلامية في واقعها تحمل المستثمر فيها جزءا من المخاطر، وبذلك تختلف عن السندات والديون، فان طريقة معالجة أزمة صكوك دبي سلكت منحى المصرفية التقليدية على أساس القانون البريطاني. فلم تتعرض رؤوس أموال المستثمرين لأية خسائر، إنما تم التعامل معها وكأنها سندات تتم إعادة هيكلتها فقط. العالم يعيش في أزمة والحلول الجاهزة والمعلبة والمغلفة بالأيديولوجيات تزيد الوضع تأزما والعلاج يكمن في نظام جديد أكثر عدالة في تداول الثروة وإلا لن يكون هناك بديل عن الثورة؟!
فاصلة أخيرة
أتقدم بالتحية على تفاعل السيد سفير روسيا الاتحادية مع مقالي (الثورات العربية و"ماتريوشكا" المواقف المناهضة الروسية والصينية)، إلا أني لا اعرف المبررات وراء ذاك الهجوم الشخصي والتشنج بدلا من الرد بهدوء وعقلانية واحترام الرأي والرأي الآخر والحوار الديمقراطي وهو الأمر الذي تريده أن تصدره الحكومة الروسية الحالية إلى العالم العربي في عصر الثورات كما أشار السفير، رغم العديد من مواقفها المساندة للأنظمة العربية الديكتاتورية التي تختلف في إحجامها حسب حجم الدولة وطبيعة المصالح معها والتي شبهتها بالدمية (ماتريوشكا)، ويبدو أن الدبلوماسي الذي استخدم كلمات ومهاترات غير دبلوماسية، مثل القافلة تسير والكلاب تنبح ولا اعرف لماذا لم يستعر أيضا تشبيهات القذافي المشهورة الجرذان والصراصير، لم يستوعب التشبيه، وسعة خياله لم تكن واسعة بما فيه الكفاية، ناهيك عن سعة الصدر؟! يا سيدي السفير لا يبدو من ردك انك استوعبت ما نشر في مقالي ولا اعرف ان كنت اطلعت على المقال باللغة العربية أو وصلك عن طريق الترجمة الانجليزية. مقالي لم يدع إلى مهاجمة المصالح الروسية وإثارة التهديدات الإرهابية وإشعال النيران كما ادعيت علي جورا وهو أسلوب رخيص في النقاش واتهام باطل، بل نقلت إليك ما نشر في المنتديات الاجتماعية وبعض الصحف العربية من ردود أفعال على الموقف الروسي الرافض فرض عقوبات على النظام السوري الذي ينحر شعبه، ويمكنك الاطلاع عليها وما أكثرها عن طريق البحث في جوجل. وقلت بالحرف الواحد لا نريد أن يصل الوضع إلى تلك القطيعة من خلال تبني تلك الأطروحات الرديكيالية وهو ما دعاني إلى كتابة المقال كناصح ومحلل ومطلع على الغليان الذي يجتاح المنطقة. ورغم انك قدمت شكوى على مقالي إلى وزارة الخارجية كما زعمت، فانا من جهتي سأكون أكثر إيمانا بحرية الرأي والتعبير منك، ولن أقدم على رفع قضية بحقك بتهمة التعرض والتشهير والادعاءات المزيفة وتشويه السمعة التي سقتها بحقي. على العموم رغم كل الجدل الذي يدور حاليا عن بعض المواقف الدولية المساندة للأنظمة الديكتاتورية العربية، أو من أن الموقف الروسي والصيني سيجبر على التغيير لان الشعوب العربية وأوضاع المنطقة ستفرض عليها ذلك.
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
852
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
666
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
642
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026