رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقف قطر، في عهد صانع المجد، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، على أبواب مرحلة وطنية جديدة، في تاريخها السياسي المعاصر، وهي تتأهب بكل شعبها وشعابها، لموعد تاريخي، يوم الثلاثاء، مع الاستفتاء، لإقرار التعديلات الدستورية، في خطوة حضارية، تساهم في تأكيد الوحدة الوطنية، وتعزيز اللحمة القطرية.
وهذه المبادرة الأميرية، المتمثلة في توسيع المشاركة الشعبية، لإدارة شؤون البلاد، على مبدأ «الشورى»، تشمل كل من يحمل الجنسية القطرية، دون استثناء أو إقصاء، لأي مكون قطري، يتنفس هواء قطر، وينبض قلبه بحب قطر، ويلهج لسانه باسم قطر، وهو يردد كلمات النشيد الوطني:
قسماً بمن رفع السماء
قسماً بمن نشر الضياء
قطر ستبقى حرة
تسمو بروح الأوفياء.
وها هي قطر، على موعد بكل أطيافها، مع الوفاء، يوم الثلاثاء، لإنجاز الاستفتاء، وفاء للوطن، والقائد، والدستور، والنظام، والقانون، والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فهناك في التعديلات الدستورية، تفاصيل مهمة، ينبغي أن يدركها، كل مواطن قطري، ليعرف ما له وما عليه، سأوضحها في السطور التالية.
وما من شك، في أن هذه الخطوة الوطنية، التي تأتي تنفيذاً لتوجيهات أمير البلاد، أسعدت جميع العباد، لأنها جاءت تجسيداً لتوجهات قائد الوطن، الحريص على وحدة الوطن، وتحقيق مصلحة الوطن والمواطن.
ولعل ما يميز هذه المبادرة الأميرية، أنها خلقت مناخاً إيجابياً، في الداخل القطري، يتمثل في حرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على تطوير (3) مسارات مهمة في نظام الحكم، أولها توسيع المسار التشريعي، ممثلاً في مجلس الشورى.
وتفعيل المسار التنفيذي، ممثلاً في مجلس الوزراء.
وترسيخ المسار القانوني في البلاد، عبر تأكيد إنفاذ القانون، على الجميع.
ويمكن ملاحظة، أن المادة الأولى، من الدستور، أضيفت لها عبارة «سيادة القانون».
ولا يحتاج المرء، أن يكون خبيراً قانونياً، ليدرك أهمية هذه العبارة، التي تحمل دلالات قانونية، في غاية الأهمية، من خلال تجسيد مبدأ أنه لا أحد في قطر فوق القانون، بما في ذلك الحكومة وأفرادها.
فالكل سواسية، أمام القانون، الذي يطبق على الجميع، لا فرق بين الكبير والصغير، أو الغني والفقير، حيث يتم إخضاع الجميع، للمساءلة القانونية، بموجب القانون والدستور.
والمعروف، أن «سيادة القانون»، تضمن تحقيق العدالة، لجميع المواطنين، وهي تتضمن مجموعة من المواد والمبادئ والقيم، والمثل العليا، التي تكفل إنفاذ القانون، على قدم المساواة، على جميع مكونات المجتمع، وجميع الجموع، والمجاميع التي تستنشق أوكسجين قطر، وتعيش في ظلال قطر.
ولتوضيح هذا الأمر الواضح، ليكون أكثر وضوحاً، هناك (14) مادة، في الدستور، مطروحة للاستفتاء، يوم الثلاثاء، وتشمل جميع القطريين، بلا استثناء.
لكن أكثرها أهمية، على صعيد توسيع المشاركة الشعبية، تتمثل في المادة (80) التي تنص في صيغتها السابقة، على أنه يجب أن تتوفر في عضو مجلس الشورى الشروط التالية:
(أن تكون جنسيته الأصلية قطرية).
ليأتي النص المقترح، شاملاً لجميع القطريين دون تمييز، حيث يعزز التعديل المقترح، ويوسع، ويرسخ، مبدأ المواطنة المتساوية من خلال التأكيد، في أحد شروط عضوية المجلس، أن يكون العضو قطري الجنسية، بمعنى أن يكون حاصلاً على الجنسية القطرية، وحاملاً الجواز القطري.
ونأتي إلى المادة (117)، التي يعتبر تعديلها في غاية الأهمية، بالنسبة لكل قطري، حيث تنص هذه المادة، قبل طرحها للتعديل من خلال الاستفتاء، يوم الثلاثاء، على أنه لا يلي الوزارة، إلا من كانت جنسيته الأصلية قطرية، لتصبح بعد تعديلها:
(لا يلي الوزارة، إلا من كانت جنسيته قطرية).
وهذا يعني، أن التمثيل الوزاري، متاح لكل صاحب كفاءة قطري، بدون اشتراط «أصالة الجنسية».
ولا أنسى، إلغاء (3) مواد من الدستور هي (78) و(79) و(82)، وكلها تتعلق بآلية النظام الانتخابي، المعمول به سابقاً، والتي أصبحت بلا قيمة، بعد العودة إلى نظام «التعيين»، لاختيار أعضاء مجلس الشورى، وهو المبدأ المعتمد، منذ تأسيس «المجلس الموقر»، عام 1972.
ولعل الأمر، الأكثر وضوحاً، في هذا السياق، أن «مجلس الشورى»، ليس برلماناً تمثيلياً، يتشكل من رحم نظام يدار وفقاً للنموذج الغربي.
ولكن «المجلس الموقر» يجسد مبدأ «التشاور»، الذي يعتبر من ركائز الحكم في الإسلام، تحت مظلة الحاكم الرشيد.
وما من شك، في أن «الشورى»، هي التي أوجدت العدالة، في المجتمع الإسلامي، من خلال التشاور، بين الحاكم والمحكوم.
وهي التي رسخت مبادئ «حقوق الإنسان» في المجتمع المسلم، قبل أن تعرفها المجتمعات الغربية.
وهي التي عززت، مبدأ «الحوار الوطني»، لحل جميع المسائل،وتسوية الملفات، ذات الصلة بمصلحة الوطن، وإدارة شؤون الدولة، عن طريق التشاور، مع «ولي الأمر».
ويكفي أن القرآن الكريم، خصص سورة كاملة، باسم «الشورى»، وتحديداً الآية (38)، المتجسدة، في قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».
فهذه الآية الكريمة، تحث المسلمين، على التشاور، مع ولي الأمر، قبل اتخاذ أي قرارات، ولم تحدد شروطاً للمشاركين، في المشورة، لكنها أمرت بها، كطريقة لصنع القرار، وفيها يكمن ملخص الممارسة الديمقراطية، في الإسلام.
وليس جديداً القول، أن دولتنا، من الدول العربية الرائدة، في مجال إرساء سلطتها التشريعية، على أساس نظام الشورى، المستمد من شريعتنا الإسلامية.
وقبل تجربة النظام الانتخابي في انتخابات عام 2021، كان أعضاء مجلس الشورى «المعين»، يمارسون دورهم التشريعي، من خلال الموافقة، أو رفض مشروعات بعض القوانين.
بالإضافة إلى دعوة الوزراء، لمناقشتهم في القضايا، والملفات، التي تهم الوطن، وتلقي بظلالها الإيجابية أو السلبية على المواطن.
وهكذا، في إطار «الحوار التشاوري» الوطني، تصنع قطر قراراتها، ولعل المادة (75 مكرر) المضافة إلى الدستور، وتشكل الفقرة الأخيرة في التعديلات، تنص على هذه الحقيقة.
وهي تدخل في صميم اختصاصات صاحب السمو بشأن دعوة مجلس العائلة الحاكمة، وأهل الحل والعقد، ومجلس الشورى، أو أياً منهم، لمناقشة ما يراه من الأمور.
أما المادة (125)، المضافة أيضاً إلى الدستور، ضمن التعديلات الدستورية، فهي تدخل في سياق، صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، حيث تجيز له، تفويض بعض صلاحياته، إلى نوابه والوزراء.
وخارج الإطار الوزاري، لو توقفنا عند أهداف الديمقراطية، كما تشير إليها الأمم المتحدة، سنجد أنها تتمثل في الأهداف التالية:
- الحفاظ على كرامة الفرد، وحقوقه الأساسية، وتعزيزها، وهذا متوفر في قطر، أكثر من غيرها.
- تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا موجود في قطر، ويشمل جميع المكونات المجتمعية.
- تعزيز تماسك المجتمع، ومن المؤكد أن الدستور القطري، بجميع المواد الموثقة فيه، يحرص، على ترسيخ التماسك الاجتماعي، والتلاحم المجتمعي، والترابط الجماعي.
- تشجيع التنمية الاقتصادية، داخل المجتمع، ولعل أرقام النمو الاقتصادي، المتصاعد، والمتسارع، والمتواصل والمتنامي في قطر تشهد على ذلك.
وما من شك، في أن التعديلات الدستورية، المطروحة للاستفتاء، يوم الثلاثاء، تعكس التزام «قائد الوطن»، بتطوير النظام الداخلي للدولة، وتفعيل الإطار الدستوري، في البلاد، بما يساهم في تحقيق المزيد من التماسك، في النسيج الاجتماعي، والمزيد من التلاحم المجتمعي، والترابط الجماعي.
وهذا كله، يدخل في صميم ركائز المجتمع القطري، الذي يتشكل في إطاره الوطني، من جميع الحاصلين على الجنسية القطرية، دون أي إجراء تمييزي، ضد أي أحد.
ومن ملفات الداخل، إلى قضايا الخارج القطري، حيث حرصت التعديلات الدستورية، على إجراء تعديل مهم، في صياغة المادة السابعة، المتعلقة بمحددات السياسة الخارجية القطرية.
ولأن من ثوابت قطر، وركائز دبلوماسيتها، حرص الدولة، على مبدأ السلم والأمن الدوليين، عن طريق، تشجيع فض المنازعات بالطرق السلمية.
ولهذا أضيفت للمادة (7) ذات الصلة، عبارة «من خلال الوساطة والحوار».
وهذا ما يميز الدبلوماسية القطرية النشطة، ويشكل ضلعاً من أضلاع «القوة الناعمة»، التي تمتاز بها، وتشتهر بها على الساحة الدولية، ومن خلالها نجحت في تقريب وجهات النظر، بين مختلف الفرقاء، وتسوية العديد من المنازعات المعقدة.
ولتأكيد هذه الحقيقة، يكفي التوقف عند جهود قطر الصادقة والمخلصة، لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي، على الشعب الفلسطيني.
ولكل هذا، أقف بكل إجلال، وتقدير، وتأكيد، وتأييد، لكل ما ورد في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع، من الفصل التشريعي الأول، الموافق لدور الانعقاد السنوي، الـ(53) لمجلس الشورى، بشأن التعديلات الدستورية، المطروحة للاستفتاء يوم الثلاثاء.
وأقولها «نعم»، للعودة إلى نظام «التعيين»، بدلاً من انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشورى.
وأكتبها «نعم»، لتوجيهات، وتوجهات «صاحب السمو» في هذا الخصوص، وفي جميع الخصائص والاختصاصات المتعلقة بمصلحة الوطن.
وأدونها «نعم» تقديراً لحرص سموه، على تعزيز المواطنة المتساوية، لجميع أفراد ومكونات شعبنا القطري.
وأعلنها «نعم»، للتعديلات الوطنية، التي تحقق المساواة، بين المواطنين، في الحقوق والواجبات.
.. ويبقى موعدنا جميعاً، مع الاستفتاء، المقرر يوم الثلاثاء الخامس من نوفمبر الجاري، لنقول «نعم» للتعديلات الدستورية.
«نعم» للتوجيهات الأميرية.
«نعم» للمصلحة الوطنية.
«نعم» نقولها بملء الفم، ونوثقها شعبياً، ووطنياً، ورسمياً، ودستورياً.
«نعم» بحجم شبه جزيرة قطر، الممتدة من اليابسة، حتى البحر، على مساحة (11.521 كم مربع).
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته - سقوط المروحية.. جعلنا... اقرأ المزيد
7038
| 30 مارس 2026
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية -قطر بادرت عام 2007 بدعوة نجاد كأول رئيس إيراني... اقرأ المزيد
2745
| 07 مارس 2026
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف... اقرأ المزيد
1569
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4287
| 23 سبتمبر 2026