رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عن الهوية مرة أخرى. هذه المرة عن محو الهوية. عن تجريد الإنسان من هويته، وجعله مجرد أرقام، على طريقة التعامل مع الحيوانات أو المساجين، الذين يُذكرون بأرقام وليس بأسماء. عن الهوية الرقمية التي إنْ فُرضت ونُفذت معها مُدن الـ 15 دقيقة، التي تسمى «سجن المجال الجغرافي»(Geofencing)، ستنطبق حرفيا فكرة «البينوبتيكون» (السجن الدائري التي شرحتها سابقا).
قبل فترة أعلن عن فرض «الهوية الرقمية» بطريقة ملتوية. كيف؟ قيل إنه لن يُسمح لأي فرد أن يعمل إلا بالهوية الرقمية، وبالطبع، لا حياة بلا عمل. في كندا تصدر قوانين متتالية تؤدي للنتيجة نفسها. تمتنع المتاجر عن قبول النقود وتُلزم المشترين بالدفع بكروت الائتمان أي العملة الرقمية، وتلك هي الهوية الرقمية بطريقة أخرى. في أمريكا يتم الأمر بطريقة أخبث من خلال ما يسمى «الهوية الحقيقية» و»المحافظ الرقمية» التي تروجها شركات مثل «جوجل»، و»آبل». هذه تشمل هويتك الشخصية وجواز سفرك، وتعفيك من حمل الوثائق الورقية. هي تُقدم الآن كاختيار، كوسيلة للتسهيل والراحة، لكنها لاحقا ستصبح إجبارية. والحكومات لا تخفي نيتها لذلك بالفعل.
السؤال الآن: لماذا يتحرك العالم، وتحديدا الغرب كله، في نفس الاتجاه؟ وبالتزامُن؟ هل الأمر مجرد مصادفة أم أنه مخطط، وينفذ بدقة وإصرار؟
لم يعد هناك مجال للشك في أن ما يحدث مخطط قديم، يُنفذ بذرائع كاذبة ومشكلات مصطنعة، أخبثها ما يسمونه مشكلة التصدي للهجرة غير الشرعية. فهم صنعوها، وتحت عباءَتها الواسعة الممتدة من أوروبا إلى الأمريكتين إلى أستراليا، تنفذ شركات الذكاء الصناعي، ومعها «بالانتير» و»أوراكل»، وأغلبها تابعة للسي أي إيه والموساد، برامج الناس حتى في نومهم، مثلما تنبأت رواية «1984».
يقول المثل «الحدأة لا تلقي بالكتاكيت». وكذلك أعداء الإنسانية، الذين يمارسون دور الآلهة، ويقررون مستقبل البشر ومصائرهم. وأثبتت التجارب أن كل قانون أو سياسة سميت مجانية، أو للتسهيل، لم تكن لفائدة الشعوب، إلا مرحليا. وكانت جميعها تسير في طريق واحد؛ هو السيطرة التامة على البشر؛ سيطرة السيد على العبيد، وليس الحاكم على المحكوم، (شرحت سابقا كيف فسد العقد الاجتماعي منذ زمن طويل) وصولا إلى الهوية الرقمية. مثلا، ما تسمى سياسات التكافل الاجتماعي والرفاهية أو ما يعرف في الغرب بـ» ويلفير»- طبّقتها الحكومات الغربية قبل عقود لأهداف عدة. كانت سابقا لتحفيز الاستهلاك ودفع الاقتصاد. والآن، باتت من أهم خطط أجندة 2030 المعلنة! وتسعى الفاشية العالمية الجديدة (تحالف المال والسلطة) لتعميمها علانية تحت مسميات منها التنمية المستدامة، لإتمام السيطرة على البشر.
هنا حالة عملية توضح أن الخطة قديمة وتنفذ بلا انقطاع بغض النظر عن تغير الحكومات والسياسات، ريتشارد كلوارد وفرانسيس بيفن زوجان أمريكيان تخصصا في علم الاجتماع والعلوم السياسية شرحا ذلك، من خلال ما سُمي «استراتيجية كلوارد-بيفن». أوضحا في مقال بمجلة «ذا نيشن» 1966، أن نظام الرعاية الاجتماعية صُمم أساسا لقمع الاضطرابات المدنية وإخضاع الفقراء، وليس للقضاء على الفقر. والهدف الدائم هو إثقال كاهل الحكومات، وإبقاء المجتمعات قائمة على عدم المساواة. وهذا يحول تلقائيا دون تحقيق العدالة المجتمعية ويجعل نطاق الاستعباد يتسع تدريجيا ليشمل الجميع، ويبرر الهويات الرقمية التي ستتحكم في مقدار إنفاقنا، وأين ننفق، وكم نأكل، وأين نأكل، وأين نعيش، ضمن نظام الائتمان الاجتماعي أو «النقاط العقابية».
نفس الطريقة تُستخدم اليوم في العالم الغربي لإسقاط الغرب برمته. والإغلاق الحكومي الأمريكي الأخير، الذي تضرر منه ملايين المستضعفين، نموذج للانهيار القادم، الذي سيكون حجة لفرض الهوية الرقمية والعملة الرقمية، بحسب منظمات رسمية وحقوقية، منها «اتحاد الحريات المدنية» و»الخصوصية الدولية».
يقول نيك بهاتيا البروفيسور والخبير المالي في كتاب بعنوان «طبقات المال»، 2025: «منذ الإمبراطورية الرومانية، استمدت أنظمة الحكم سلطتها وقوتها ليس فقط من السلاح، بل من سيطرتها على سك العملات». آنذاك كان التحكم في المال يتطلب جهوداً كبيرة لطبعه أو سكه ثم حفظه ونقله. الآن، في العصر الرقمي، سيتم التحكم في أموال العالم بضغطة زر، بحسب بهاتيا، الذي يرى أن المال الرقمي سيكون وسيلة سيطرة لدى الحكومات والبنوك المركزية أكثر منه مالا حقيقيا. وعندما يكون المال كله رقميا، لن تستطيع الناس استخدامه إلا بالهوية الرقمية، وبضغطة زر أيضا سيمكن محوه.
هل يعني ذلك أن الأمل مفقود؟ ليس بعد. فقد تشكلت جماعات وحركات رفض وعصيان مدني في أكثر من بلد منها بريطانيا وأمريكا، مثل حركة «مقاومة النظام العالمي الجديد». كما أعلنت ولايات مثل مونتانا وفلوريدا رفضها الهوية الرقمية. وأول الرفض هو الوعي. لذلك أحسب أنه يجب أخذ الأمر بجدية، واعتباره خطرا حقيقيا وليس مزحة.. ففي ظل تلك الهوية الرقمية ستكون محتاجا لإذن أو تصريح في كل شيء تفعله. وأخشى أن يصبح أخذ نَفَسِكَ بتصريح. وهذه أيضا ليست مزحة. ففي كندا الآن محاولات لتخصيص المياه، وربما يتبعها الهواء. بل أخشى أن يصل الأمر إلى أن يُبتِّكوا آذان الإنسان، بعدما بتَّكوا بالفعل آذان الأنعام، انصياعا لأوامر الشيطان! وهذه بدورها ليست مزحة. فعندما تصبح لك هوية رقمية لن تختلف بالنسبة للنظام عن أي «شيء» آخر «كمي»، وأحسب أن تلك ستكون مرحلة «السايبورج» التي شرحناها سابقا، أو «ما بعد الإنسان». عندها سيمكنهم أن يحذفونا من الحياة كما يحذفون حسابات الفيسبوك وإكس ويوتيوب. ختاما، الشعار السائد في الغرب الآن هو «إذا اخترت الهوية الرقمية فسيكون ذلك خيارك الأخير»!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4392
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4062
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1902
| 07 مايو 2026