رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد أحد يشك في الانعراج السياسي الغربي إلى اليمين وربما الى التطرف العنصري مضحيا بقيم العدالة والمساواة التي كانت دائما منارة الغرب الديمقراطي حتى جاء انتخاب دونالد ترامب يوم 8 نوفمبر 2016 على رأس الإدارة الأمريكية منذ 7 سنوات مؤذنا بانعطاف عديد الدول الغربية نحو اليمين لا أقول المتطرف بل المنفلت أو غير المعترف بالقانون الدولي أو المدلس للتاريخ أو المغرر بالجماهير أو الكذاب على الناس! وأذكر أنه منذ عقود قال أكبر علمائهم عالم الأنثروبولوجيا (كلود ليفي ستراوس) بأن العنصرية لا يعتنقها سوى الجهلة محدودي المعرفة فيتوهمون أنهم ينتمون إلى حضارة أرقى بينما كما جاء في كتاب (ليفي ستراوس):»ليس هناك حضارة أرقى من حضارة وكل ما في الأمر أن الأمم تهتدي الى أجوبة مختلفة على الأسئلة الأبدية المطروحة على الإنسان أينما كان كالموت والدين وطلاسم الكون». وهذا الانعطاف الخطير لليمين العنصري الذي يشهده الغرب بجناحيه الأمريكي والأوروبي لا يبشر بخير للسلام العالمي ولا يخدم مصالح هذا الغرب نفسه.
لماذا إذن انعطفت بعض النخب الطامحة للحكم نحو هذه المسالك الوعرة التي تؤذن بتدمير الجسور الباقية بين الأمم وتشييد جدران العار الجديدة بين الحضارات؟ وأنا بصراحة فوجئت وصدمت من تنامي الخطاب الشعبوي الأوروبي كما يمثله رئيس الحكومة المجري (فكتور أوربان) وأيضا حين سمعت المرشح اليميني الفرنسي للرئاسة (فرنسوا فيون) يقول في اجتماع عام بمناصريه: لا يحق لكم أن تشعروا بأنكم مذنبون أو متهمون حين استعمرتم شعوبا أخرى لأنكم فقط تقاسمتم ثقافتكم مع تلك الشعوب في المشرق العربي وشمال إفريقيا وآسيا وإفريقيا جنوب الصحراء! واليوم عام 2023 تواصل اليمينية المتطرفة (مارين لوبان) ما بدأه أبوها من ميز عنصري شاركها فيه رجل غريب من أصول يهودية جزائرية اسمه (إيريك زمور) و مع الأسف استعمل وزير داخلية فرنسا السيد (دارماران) تقريبا نفس الحجج الاسلاموفوبية. نعم هكذا وصف الفرنسيون المتطرفون مغامرة الاستعمار (مجرد تقاسم الثقافة…الله يكثر خيرهم) أي في رأيه لم يكن الاستعمار سوى تفضل ومكرمة من الثقافة الفرنسية التي سمحت لأممنا المستضعفة المحتلة أراضيها وشعوبها بأن تتقاسمها مع أصحابها الأصليين حتى تصبح هذه الأمم المستعبدة متمدنة متقدمة (مثقفة)! لكن ليس هذا رأينا نحن أبناء الشعوب التي عانت ويلات الاستعمار ولا ما ترسخ في ذاكرة أجيالنا عن مرحلة الاستعمار! فالمغرب الإسلامي بدأ يرزح تحت نير الاحتلال منذ 1830 وبعد الاحتلال فرضت فرنسا على الجزائريين قانون الأهالي.
كان من نتائج الهجمة الاستعمارية الشرسة التي تعرضت لها المؤسسات التعليمية والوقفية والدينية، نضوب ميزانية التعليم وغلق المدارس وانقطاع التلاميذ عن الدراسة وهجرة العلماء. وبذلك فإن رسالة فرنسا في الجزائر كانت هي التجهيل وليس التعليم، مما يمكن الفرنسيين من جعل الجزائر، أسهل انقيادا وأكثر قابلية لتقبل مبادئ «الحضارة الغربية» وقيمها التي يقدمونها بنعت (كونية)! ولا تختلف السياسة التعليمة الفرنسية في الجزائر عبر مختلف مراحل الوجود الفرنسي عسكريا كان أو مدنيا، لأنها كانت أهدافا واحدة وإن اختلفت التسميات ثم بدأت ممارسات القتل الجماعي مثلما فعل الجنرال (بيليسييه) حين أمر بإحراق قبيلة بني رياح كاملة بكل أفرادها الألف حين هربوا للمغارات الجبلية فأمر هذا الجنرال أن تسد كل منافذ المغارات وتوقد النيران وكان يقول لجنوده حسب رواية المؤرخ الفرنسي (أوغستان برنار): “اقتلوهم مخنوقين بالدخان مثل الثعالب وصغار الثعالب في جحورها ” وتبعت تلك المذابح فظائع أخرى والتي بلغت مستوى الإبادة كما وقع في مذبحة سطيف يوم 8 مايو 1945 حيث بلغ عدد الشهداء 45000 و مجزرة نهر السين في باريس يوم 17 اكتوبر 1961 حيث قتل حوالي الف جزائري بالرصاص او غرقا في النهر ثم تواصلت حرب الإبادة العرقية سنوات الجمر أثناء الحرب التحريرية باعتراف الجنرالات الفرنسيين بممارسة التعذيب والاغتصاب والقتل (كتبهم منشورة اكثرها صراحة كتاب الجنرال (أسوراس) الذي اعترف بقتل المقاومين تحت التعذيب عام 1957 أثناء حرب التحرير). ما يزال جرح الاستعمار نازفا ولعل آخر ممارسات التسلط الفرنسية تجريب القنبلة الذرية الفرنسية في صحراء الجزائر واعتبار المواطنين المسلمين القاطنين في ضواحي الانفجارات الذرية فئران تجارب. نفس السيناريوهات الرهيبة تكررت في تونس والمغرب وبلدان جنوب الصحراء الإفريقية وفي فيتنام الذي انتصر على الاستعمار الفرنسي في موقعة (ديان بيان فو) في 7 مايو 1954 وانتصر على الاستعمار الأمريكي بتحرير (سايجون) في 30 أبريل 1975 وهي عاصمة جمهورية فيتنام الحالية باسم (هو شي منه) على اسم الزعيم البطل في الحربين ضد الأمبراطوريتين الفرنسية والأمريكية. إن انعطاف النخب السياسية نحو اليمين في أوروبا وأمريكا يطمس التاريخ ويمسح الذاكرة من أجل مكاسب سياسية انتخابية لأننا لو أخذنا فقط مثال المساهمة المغاربية في تحرير فرنسا ذاتها من الاحتلال النازي الألماني لأدرك الفرنسيون الشباب بأن أجداد جيرانهم المغاربيين ساهموا في الحرب الأخيرة ضد المحتلين الهتلريين لبلادهم حينما كلف الجنرال ديجول زعيم المقاومة الشعبية الفرنسية رفيقه الجنرال (لوكلارك) بتجهيز جيش من شباب التوانسة والجزائريين والمغاربة والسنغال في مايو 1944 والإبحار من السواحل المغاربية نحو مدينة (تولون) والشروع في تحرير جنوب فرنسا الى بلوغ العاصمة باريس (وهو ما يعرف باسم كتائب لوكلارك) كما قاتل العرب المجندون في الجيش الفرنسي منذ 1914 و 1939 ومات مئات الآلاف منهم في ساحات وغى مستعمرهم وفي حروب دموية لا ناقة لهم فيها ولا جمل دون أي اعتراف بفضلهم كما مات الآلاف من جيل ابائنا وهم عمال بناء في صقيع فرنسا ليشيدوا طرقاتها السريعة ويحفروا أنفاق المترو…منذ الهجرات الشرعية الأولى في الخمسينات والستينات. وبالطبع لم يخرج المستعمرون من بلادنا إلا بعد تنصيب وكلائهم الذين التزموا بمواصلة غسيل عقول شعوبهم وتغريبها ومحو هوياتها فغيبوا زعماء الاستقلال الرواد الأصيلين أمثال مصالي الحاج في الجزائر و عبد العزيز الثعالبي في تونس والملك الصالح محمد الخامس في المغرب ليحل محلهم شباب تكون في المدارس الاستعمارية وضمنوا للاستعمار البقاء بعد استقلالات منقوصة.
واليوم في دول أوروبية عديدة يتصاعد اليمين المتطرف كنتيجة نتفهمها لعمليات إرهابية منعزلة ندينها ونستنكرها رفعت شعارات دينية ولكن ضحاياها كانوا ايضا من المواطنين مسلمي أوروبا المسالمين مما يؤكد أن الإرهاب الأعمى يضرب بلا تمييز وما هو سوى نتاج الإستبداد الذي حكم شعوبنا منذ ما يسمى استقلالا ونتاج ما سنته الدول الغربية من سياسات ترهيب الشعوب منذ 11 سبتمبر 2001 الى اليوم وترك الحبل على غارب اليمين الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين في قطاع غزة واشاعة القنوط من أوهام العدل العالمي والقانون الدولي والمجازر ترتكبها حكومة ناتنياهو المتطرفة آخرها في قرية حوارة جنوب نابلس منذ أيام قليلة!
إعادة تقييم منظومة الأمن الإقليمي
أصر مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري على أن من أهم... اقرأ المزيد
252
| 26 مارس 2026
قطر.. صانعة السلام في مرمى النيران
في كثير من الأحيان تفرض جغرافيا المكان قدرًا من الحذر في تناول شؤونه، خشية الوقوع في مظنة الممالأة... اقرأ المزيد
168
| 26 مارس 2026
بين ملاذ البهجة وكدر الفقد
من أجلّ الإدراكات التي يمكن أن يصلها المرء أن هذه الحياة وإن كثرت في جنباتها الصوارف وتزاحمت فيها... اقرأ المزيد
120
| 26 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3822
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1677
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1482
| 24 مارس 2026