رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشيخ عبدالقادر الجيلاني الذي قال عنه ابن تيمية رحمه الله أنه من أعظم مشايخ زمانه أمراً بالتزام الشرع، والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية، لعب دوراً مهماً هو وشيخه الإمام أبو حامد الغزالي رحمهما الله، في تهيئة جيل كامل سيكون على يديه تحويل مسار الأمة من مسار الذلة والهزيمة، إلى مسار النصر والعزة.. وبما أن الجميع مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فما الفكرة إذن من تضييع الأوقات والجهود سدى على خلافات مذهبية أو فكرية، وهناك أراض إسلامية محتلة، وعلى رأسها الأقصى المبارك، يعيث فيها الأعداء فساداً؟ هكذا كان الهم عند الغزالي والجيلاني ومن بعدهما الكثير من المصلحين والمجددين..
* واصل الشيخ الجيلاني السير على خطى شيخه الإمام الغزالي إذن لتوحيد الجهود وضبط البوصلة الإسلامية لتتجه نحو الأقصى، حيث استمر في انشاء وتعزيز مدارس تعلم الدين تحت شعار ( لكل مذهبه الفقهي والفكري، والهدف الأسمى هو تحرير القدس من الصليبيين ) حتى إذا ما انتهى المسلمون من تحقيق الهدف الأسمى، واستقرت الأمور، يمكن فتح المجال حينها لمناقشات فكرية وفقهية وغيرها، إن كان الهدف منها الوصول إلى مشتركات وتفاهمات. أما وأراضي المسلمين مغتصبة، فالانشغال عن تحريرها، لاشك هو منكر عظيم لابد من وضع حد له وتغييره بكل الوسائل الممكنة.
عبر تلك العقلية أو النهج، نشأ جيل كامل تربى على تلك المفاهيم في مدارس الغزالي والجيلاني، بعد أن انتشرت في حواضر المسلمين الرئيسية مثل بغداد ودمشق والقاهرة، حتى كان أغلب جند ووزراء ومستشاري الملك العادل نور الدين زنكي من خريجي تلك المدارس، حتى بدا أن الجيل يقترب إلى الجاهزية المطلوبة لتحقيق الأهداف الكبرى للأمة، لكنه يحتاج إلى قائد تربى على النهج نفسه يكمل بهم المسير، فكان هو القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي تربى على يد القائد الرباني نور الدين زنكي، فكان النصر وتحرير الأرض بفضل من الله.
العدو القديم المتجدد
* تدور الأيام ويتفرق المسلمون من جديد، وتضيع نفس الأرض، وتغير العدو هذه المرة. فبعد بعد أن كانت تعيش البؤس والظلم تحت حكم الصليبيين الضالين، تضيع الأمانة بعد سبعة قرون بفعل فاعلين، ومؤامرات متآمرين من غرب وشرق، وتراخ وتخاذل وتهاون من أهل الديار من المسلمين، ليظهر عدو قديم متجدد، اليهود الصهاينة، يكملوا مسير الضالين..
تبدأ فوراً محاولات جهادية مقاومة للعدو اليهودي المتصهين، لكن لم تكن بالمستوى المؤهل لتحرير الأرض، فقد كانت بين مد وجزر، فيما العدو يشتد عدداً وعدة. يأكل من الأرض ما يستطيع بين الحين والحين، حتى تعملق وسيطر وتجبّر.. فكان لزاماً العودة مجدداً لإحياء المفهوم القديم الذي نشره الإمام الغزالي ومن بعده الإمام الجيلاني، والذي على نهجهم سار مجددون كُثُر ومنهم الإمام البنّا، ثم بعدهم يتولى الأمر الشيخ أحمد ياسين، رحمهم الله جميعاً، والذي تتلمذ على منهج الإخوان المسلمين الذي أسسه الإمام حسن البنا، وكلهم طلاب مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم.
* لعب الإخوان دوراً في الحفاظ على ما تبقى من فلسطين، ومنه قطاع غزة. لكن تكرار محنتهم في مصر عام 1954 ساهم في إضعاف الوجود المصري العسكري في غزة ليحتلها اليهود الصهاينة، ما جعل فكرة المقاومة المسلحة تنضج من جديد في غزة في سبتمبر 1967، وكان من أبرز المنادين بفكرة التجمع وتأسيس حركة مناهضة مسلحة للاحتلال، هو الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، بعد أن كان مفهوم مواجهة العدو المتغطرس وتحرير الأرض لا يمكن أن تتم إلا بالقوة، واضحة له وضوح الشمس في رابعة النهار.
كان الشيخ ياسين رحمه الله يدرك أن أمر المقاومة المسلحة لعدو كافر متجبر متغطرس، تتطلب تربية إيمانية جهادية وصناعة رجال مؤمنين صادقين، كما كانت المدارس الغزالية والجيلانية ومدارس علماء ربانيين مجاهدين من بعدهما. هذا المفهوم الواضح عند الشيخ ياسين، الذي كان مصاباً بالشلل الرباعي، هو الذي صنع فكرة مقاومة العدو بقوة الساعد والسلاح، بعد التوكل على الله واتخاذ ما يلزم من أسباب القوة، والعمل على تمهيد المسار لتحرير الأرض، حيث اهتم الإخوان في غزة بقيادة الشيخ أحمد ياسين بالبناء التربوي، وفي الوقت نفسه بالبناء الجهادي المادي والمعنوي، بانتظار اللحظة المناسبة التي كانت يوم التاسع من ديسمبر 1987 حين وقعت حادثة دهس متعمدة لأربعة عمال فلسطينيين، فكانت شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتي أدت إلى أن تشهد الأراضي الفلسطينية غلياناً مشهوداً، ثم يبلغ التوتر حداً أنذر بانفجار أو وقوع حدث ما سيكون له تأثيرٌ بعيد المدى.. فكان ذلكم الحدث هو ولادة حماس، الذي ستلعب دور صلاح الدين الأيوبي بإذن الله.
حرب غزة هي البداية
لم يمض عامان ونصف العام حتى شكلت حماس جناحها العسكري ليحل محل كتائب « المجاهدون الفلسطينيون» وتم تسمية الكتائب الجديدة تحت مسمى كتائب عز الدين القسام، تيمناً وتقديراً للمجاهد السوري الأصل، عز الدين القسام الذي بذر البذور الأولى لفكرة الجهاد المسلح ضد المحتل، وكان من أشعل فتيل الثورة الفلسطينية الأولى ضد المحتلين عام 1935. الجيل المجاهد في غزة الذي نشأ خلال العقود الثلاثة الماضية على يد الشيخ أحمد ياسين، قضى الآلاف منهم شهداء في مقاومة العدو اليهودي المتصهين، لكن ما زالت هناك آلاف مؤلفة من ذلك الجيل، الذي تربى على حب الجهاد والاستشهاد ينتظر دوره، وآلاف مؤلفة أخرى تنتظر دخول تلك المدارس الإيمانية.. ومع ذلك، فإن تحرير الأقصى وكل فلسطين، بحاجة لآلاف أخرى من أقطار مسلمة تتربى في تلك المدارس وعلى ذلك النهج، تكون جيشاً مؤمناً ربانياً ينتظر قائدا ربانيا على غرار صلاح الدين، أو سيف الدين قطز أو محمد الفاتح وأمثالهم، يقودون هذا الجيش لتحرير الأرض التي بارك الله حولها.
استسلام حماس
ضمن سياق الحديث عن غزة وأحداثها، لابد من الإشارة إلى طرفة من طرائف المطبعين المتخاذلين، طرحهم فكرة استسلام حماس والتخلي عن أسلحتها، كأبرز شروط عودة الهدوء إلى القطاع ووقف العدوان، لأجل العيش في سلام وإخاء ونماء، والتحول إلى مقاومة سلمية كدويلة أوسلو العباسية، بدلاً من مقاومة مسلحة لا تنفع بل تضر، أو هكذا الزعم وهكذا الدعاية الإعلامية المضادة. لكن لم يدر بخلد كل أولئك أن هذا الجيل لا يرى ما يرون، ولا يفهم ما يفهمون. ولعل هذا يكشف لك سر التكاتف الصهيوصليبي مع الهندوسي مع بعض العربي المتخاذل ضد غزة، أو حماس تحديداً، باعتبارها آخر حركة مقاومة سنيّة في العالم الإسلامي، وشعلة جهادية نشطة من الممكن أن تكون هادية لكل الأمة النائمة أو المنوّمة، لتزيد من مشاعلها الجهادية، وهذا بالتالي دفع كل أولئك الذئاب اللئام للتكاتف من أجل اطفاء هذه الشعلة وبكل الطرق والوسائل، من قبل أن تنير العالم المسلم المظلم..
* خلاصة الحديث، أن المفهوم واضح، والمنهج أوضح، والمدارس الربانية اشتغلت فعلياً في غزة طوال ثلاثة عقود مضت، والمطلوب المزيد منها حول غزة فالأبعد ثم الأبعد، فقد حان أوان مقاومة الظلم والظلام اليهودي المتصهين وكل من يقف في صفه أو يدور في فلكه، بكل الوسائل الممكنة، وقوة السلاح بالطبع على رأس تلك الوسائل.
إنّ ما جرى في غزة منذ السابع من أكتوبر الفائت، نعتقد أنها كانت البداية الفعلية لتجسيد دروس التربية الإيمانية الجهادية ومقاومة الظلم على أرض الواقع، وإنه مهما فجر وتجبّر هذا العدو ومن معه، فإن فجورهم وتجبرهم الآن أشبه بالتحركات الأخيرة اليائسة للغريق. نعم إن هذا العدو يغرق، وسيغرق كثيرون معه بإذن الله، وإن بدا للعيان أنه منتصر متفوق، فالعبرة دوماً بالخواتيم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ما بين ضفتي الخليج
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع... اقرأ المزيد
1869
| 06 أبريل 2026
الأنفاس الأخيرة للحرب
اليوم تنتهي المهلة التي كان الرئيس الأمريكي قد منحها لإيران لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإلا كما... اقرأ المزيد
204
| 06 أبريل 2026
غادر.. بكرامتك!
التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك... اقرأ المزيد
291
| 06 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
2004
| 02 أبريل 2026
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
1824
| 06 أبريل 2026
عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش الموظف حياته المهنية بمعزل عن الواقع. الأخبار، القلق العام، الحديث في المجالس، ومتابعة ما يحدث في المنطقة… كلها عوامل تجعل الإنسان يعيش حالة من التوتر حتى قبل أن يصل إلى مكان عمله. وفي مثل هذه الظروف، يتوقع الموظفون أن تكون بيئة العمل مساحة من الاستقرار والطمأنينة. لكن ما يحدث أحياناً هو العكس تماماً. فبدلاً من أن تخفف بعض إدارات الموارد البشرية الضغط على الموظفين، نرى تشديداً أكبر على تفاصيل قد تبدو ثانوية في مثل هذه المرحلة: الحضور والانصراف، دقائق التأخير، أو إجراءات إدارية صارمة. هنا يبرز سؤال مهم: هل الهدف من إدارة الموارد البشرية في الأزمات هو تشديد الرقابة… أم إدارة الإنسان؟ الحقيقة أن الأزمات تغير أولويات الإدارة الحكيمة. فالموظف الذي يعيش حالة قلق لن يصبح أكثر إنتاجية إذا شعر أن المؤسسة تضيف عليه ضغطاً إضافياً. بل على العكس، ما يحتاجه في تلك اللحظة هو الشعور بأن هناك من يفهم ظروفه الإنسانية. إدارة الموارد البشرية في جوهرها ليست إدارة أنظمة فقط، بل إدارة بشر. والإنسان عندما يشعر أن المؤسسة تراعي ظروفه وتفهم الضغوط التي يمر بها، فإنه غالباً ما يرد ذلك بالالتزام والعمل بإخلاص أكبر. أما عندما تتحول العلاقة إلى مجرد متابعة دقيقة للتفاصيل الصغيرة، فقد يفقد الموظف شعوره بالانتماء ويبدأ في أداء عمله بدافع الواجب فقط، لا بدافع الرغبة أو الولاء. ولهذا، فإن الأزمات ليست الوقت المناسب لإظهار الصرامة الإدارية، بل الوقت المناسب لإظهار القيادة الإنسانية. فالمؤسسات التي تستطيع أن تكسب ثقة موظفيها في الأوقات الصعبة، غالباً ما تخرج من الأزمات أكثر قوة واستقراراً. في النهاية، قد تمر الأزمات وتزول لكن الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات مع موظفيها خلال تلك الفترة تبقى في الذاكرة طويلاً.
1779
| 02 أبريل 2026