رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

342

هاشم عبدالله مستريحي

الأمن الصحي.. مفهوم طبي أم أولوية سيادية؟

03 أبريل 2026 , 01:05ص

في أزمنة الاستقرار، قد يُنظر إلى الأمن الصحي بوصفه ملفًا خدميًا يخص المستشفيات والدواء وخطط الطوارئ وتوزيع الموارد. لكن الأزمات الكبرى تعيد ترتيب المفاهيم، وتكشف ما كان مؤجلًا في الوعي العام. وما تشهده منطقتنا منذ اندلاع الحرب الحالية منذ أواخر فبراير 2026، وما تبعها من اضطراب في الممرات البحرية، وتهديدات لمنشآت الطاقة، وقلق ممتد في أسواق الخليج والعالم، يضعنا أمام حقيقة لا تقبل التأجيل: الأمن الصحي لم يعد شأنًا طبيًا محضًا، بل أصبح جزءًا من صميم الأمن الوطني والسيادة الحديثة للدول.

ذلك أن الدولة لا تُختبر وقت الأزمات بقدرتها على الردع العسكري وحده، بل بقدرتها أيضًا على حماية الإنسان، والحفاظ على انتظام حياته، واستمرار خدماته الأساسية دون ارتباك أو انقطاع. فحين يضطرب مضيق هرمز، لا يتوقف الأثر عند ناقلات النفط والغاز أو مؤشرات الأسواق، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد، وكلفة التشغيل، وتوفر الأدوية والمستلزمات، ومرونة النقل والخدمات اللوجستية، بل وحتى إلى قدرة المؤسسات الصحية على العمل بالكفاءة ذاتها تحت ضغط إقليمي متصاعد. وكما أظهرت التقارير الإخبارية الحديثة أن الحرب ألحقت ضررًا بجزء من البنية التصديرية للغاز الطبيعي المسال من مصادره، وفي الوقت الذي يمر عبر هرمز نحو خُمس تدفقات النفط والغاز عالميًا، فإن هذا ما يفسر أن الأمن الصحي يبدأ من سلامة البيئة الاستراتيجية المحيطة به، قبل أن يبدأ من بوابات المستشفيات. 

من هنا، يصبح من الخطأ اختزال الأمن الصحي في عدد الأسرّة، أو حجم المخزون الدوائي، أو جاهزية أقسام الطوارئ وحدها. بل يمتد ليشمل في معناه الأوسع، قدرة الدولة على أن تمنع الهشاشة من التسلل إلى المجتمع عبر الغذاء والدواء والطاقة والماء والمعلومة، وأن تحافظ على ثقة الناس بمؤسساتها، في اللحظة التي يختبر فيها الخوفُ الأعصابَ العامة. إن الشائعة في أوقات التوتر ليست أقل خطرًا من النقص، والارتباك في الرسالة الرسمية قد يربك المجتمع بقدر ما تربكه الأزمة نفسها. ولهذا فإن الأمن الصحي ليس مجرد استجابة سريرية، بل منظومة سياسات وتنسيق وحوكمة واستعداد مجتمعي.

وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تقوم على تحقيق التنمية المستدامة والتوازن بين التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، كما ينسجم مع الاستراتيجية الصحية الوطنية 2024–2030 التي تطرح طموح بناء مجتمع سليم بدنيا ونفسيا تدعمه منظومة صحية شاملة ومتكاملة ترتكز على التميز السريري والاستدامة والابتكار. كما تحدد الاستراتيجية ثلاثة مجالات أولوية واضحة: صحة السكان، وتقديم الخدمة وتجربة المريض، وكفاءة النظام الصحي ومرونته. هذا ليس توصيفًا نظريًا، بل إطار عمل بالغ الصلة بكل ما تكشفه الأزمة الدائرة حالياً.

وعندما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النُظم الصحية المرنة هي تلك القادرة على الوقاية، والاستعداد، والكشف، والتكيف، والاستجابة، والتعافي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخدمات الأساسية والروتينية، فإنها تقدم تعريفًا عمليًا لما ينبغي أن تفكر فيه دول المنطقة الآن. فالمسألة لم تعد كيف نعالج بعد وقوع الضرر فحسب، بل كيف نبني منظومة تصمد قبل الضرر، وأثناءه، وبعده.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على إدارة الطارئ أو المستجد، بل على تحويل الدرس إلى سياسة دائمة. فالمطلوب اليوم هو تكامل أوثق بين الصحة والطاقة والنقل والأمن واللوجستيات والإعلام، بحيث لا تتحول أي أزمة إقليمية إلى أزمة داخلية في حياة الناس. فالدولة القوية ليست فقط التي تطمئن مواطنيها، بل التي تستطيع، ساعة الاختبار، أن تُبقي الدواء متوافرًا، والخدمة مستمرة، والقرار منسقًا، والمجتمع واثقًا.

لهذا كله، فإن الأمن الصحي في المنطقة العربية لم يعد بندًا خدميًا على هامش الدولة، بل أصبح من أدوات صونها. وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والسياسة مع الإمداد، والحرب مع تفاصيل الحياة اليومية، فإن حماية صحة المجتمع لم تعد فقط واجبًا إنسانيًا وإداريًا، بل أولوية سيادية كاملة المعنى.

اقرأ المزيد

alsharq بين السيف والسكينة.. التاريخ يتكلم بلسان القرآن

حين تضيق السماء بأخبار متلاحقة، ويتحول الأفق إلى شاشة ممتلئة بالتحليلات والاحتمالات، يقف الإنسان عند حافة السؤال: ماذا... اقرأ المزيد

258

| 08 أبريل 2026

alsharq يا وصيـة الأنبياء.. لقد خذلوك

ليس هذا المقال الأول الذي أكتبه عن المسجد الأقصى المبارك في ظل استمرار إغلاقه، ولن يكون الأخير؛ فهذه... اقرأ المزيد

216

| 08 أبريل 2026

alsharq من يملك رواية الحرب الحقيقية؟

هل نعيش حربا بلا هزيمة؟ أم هي حرب وهمية؟ أم الحرب خدعة؟ لم تعد اليوم الحروب تعتمد على... اقرأ المزيد

147

| 08 أبريل 2026

مساحة إعلانية