رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

291

هاشم عبدالله مستريحي

الوعي المجتمعي وإدارة الأزمات

13 مارس 2026 , 02:38ص

في أزمنة الكوارث والحروب، لا تُختبر الحكومات بقدرتها على إصدار التعليمات فقط، بل بقدرتها على أن تجد مجتمعًا يفهم تلك التعليمات، ويثق بها، ويترجمها إلى سلوكٍ يوميّ مسؤول. فبين القرار الرسمي وفاعليته على الأرض تقف حلقة حاسمة: الفرد الواعي، والمجتمع المنضبط، والروح العامة التي ترى في الالتزام حمايةً لا عبئًا. ولهذا لم تعد الأدبيات الحديثة تنظر إلى الوعي المجتمعي باعتباره ترفًا توعويًا، بل جزءًا من البنية الحقيقية لإدارة المخاطر، لأن الخطة مهما كانت محكمة، تظل ناقصة ما لم تجد من يحملها بسلوكه قبل أن يحملها بشعاره.

إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث يقرر بوضوح أن الدولة هي صاحبة الدور الرئيس في تقليل المخاطر، لكنه يؤكد أيضًا أن هذه المسؤولية لا تنجح إلا بمشاركة المجتمع وسائر الفاعلين. ومنظمة الصحة العالمية تذهب في الاتجاه نفسه حين تربط بين الاتصال بالمخاطر وإشراك المجتمع بوصفهما من أدوات الجاهزية والاستجابة الفاعلة. والمعنى هنا عميق وبسيط في آن واحد: حين يلتزم الناس بالتحذيرات، ويحترمون مسارات الإخلاء، ويستقون معلوماتهم من القنوات الموثوقة، ويتجنبون الشائعات، فإنهم لا يساعدون الحكومة معنويًا فحسب، بل يخففون الضغط على مؤسساتها، ويوسعون قدرتها على حماية الأرواح وتوجيه الموارد إلى حيث تكون الحاجة أشد.

ما المطلوب إذن من المجتمع؟ المطلوب، قبل كل شيء، أن يدرك أن التعليمات الرسمية في الأزمات ليست تفصيلًا إداريًا، بل جزء من هندسة النجاة. أن يتعامل مع الإنذار بجدية، لا باستخفاف. أن يلتزم بإجراءات السلامة، لا أن يفاوض الخطر. أن يقدّم المعلومة الموثوقة على الشائعة، وأن يفهم أن الانضباط الفردي يصنع في مجموعه مناعة عامة. فالفرد الذي يلتزم، لا يحمي نفسه فقط، بل يخفف عبئًا عن المسعف، ويختصر وقتًا على المنقذ، ويمنح صانع القرار فرصةً أفضل لاحتواء الأزمة بدل مطاردة الفوضى. هذا هو الفرق بين مجتمعٍ يزيد الأزمة تعقيدًا، ومجتمعٍ يشارك في كسر حدتها. 

وليس هذا كلامًا نظريًا. ففي اليابان، أظهرت دراسة حديثة عن زلزال شبه جزيرة نوتو أن المراكز المجتمعية لم تكن مجرد مبانٍ خدمية، بل تحولت إلى بنيةٍ اجتماعية حيّة عززت الجاهزية قبل الكارثة، وساعدت في الإيواء والتنسيق والتعافي بعدها، لأن المجتمع كان قد راكم ثقافة الاستعداد والتدريب والثقة المحلية. وفي أوكرانيا، تحت وطأة الحرب والإنذارات والغارات، بات الانتقال المنظم إلى الملاجئ جزءًا من انتظام الحياة نفسها؛ ففي مدارس أعيد تأهيلها لتضم ملاجئ آمنة، تستمر الدروس أثناء الإنذارات بدل أن تنهار الحياة أمامها. هنا يظهر وعي الشعوب في الحروب في صورته الأصدق: ليس كنظريّة، بل كفعل في القدرة على مواصلة الحياة وفق تعليمات الحماية، وعلى تحويل الانضباط إلى مقاومة مدنية هادئة تحفظ البشر والمؤسسات معًا. 

إن المجتمع الواعي يعزز دور الحكومات حين يمنحها فرص النجاح. وهو لا يستبدل المؤسسات، بل يضاعف أثرها. وفي عالمٍ تتكاثر فيه الأزمات، يصبح وعي الفرد، والتزام الأسرة، وتماسك المجتمع، جزءًا من الأمن العام لا مجرد سلوك شخصي. فالحكومات قد تضع الخطط، لكن المجتمعات الواعية هي التي تمنح تلك الخطط حياتها العملية، وتجعل من الطمأنينة نظامًا، ومن الالتزام قوة، ومن تجاوز الكارثة فعلًا جماعيًا ممكنًا. 

 

اقرأ المزيد

alsharq هل تدفع حرب الطاقة دول الخليج للتكامل الاقتصادي؟

ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي الذي تعبر منه معظم وارداتها... اقرأ المزيد

48

| 25 مارس 2026

alsharq قطر.. تستمر الحياة

في ظل تداعيات حرب إيران وما تحمله نشرات الاخبار كل ساعة من توترات متلاحقة تثقل على النفس تفاصيل... اقرأ المزيد

51

| 25 مارس 2026

alsharq خالد بن الوليد والناتو الخليجي

حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة اليرموك» حجم التهديد الوجودي الذي يواجه الجيش الإسلامي أمام زحف... اقرأ المزيد

51

| 25 مارس 2026

مساحة إعلانية