رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه الصورة "شاهدًا"، أصبحت اليوم "سؤالًا". منصات التواصل تمتلئ بصور وفيديوهات مولَّدة أو مُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي إلى درجة تُربك الحسّ العام وتُضعف ثقة الفرد بما يرى. الأخطر أن هذا الفيضان البصري لا يهدد سمعة أشخاصٍ فحسب، بل يضغط على سياسات الدول واقتصاداتها: لقطة واحدة قد تُشعل غضبًا، أو تُسقط ثقةً بمؤسسة، أو تُربك قرارًا عامًا قبل أن يصل التحقق إلى الناس. لذلك لم يعد التضليل شأنًا هامشيًا؛ خاصة عندما يضع المنتدى الاقتصادي العالمي “المعلومات المضللة والتضليل” في صدارة تهديدات المدى القريب للعام الثاني على التوالي لأنها تقوّض الثقة وتغذّي الاستقطاب وتُعقّد الحوكمة. تقنيًا، يتأسس كثير من هذا المحتوى على التزييف العميق "الديب فيك" يبدّل الوجوه والأصوات. والشبكات التوليدية الخصمية تُدرّب نموذجًا على إنتاج صورة، وتُدرّب نموذجًا آخر على كشف زيفها، في سباقٍ يجعل الناتج أكثر إقناعًا بمرور الوقت. ولهذا يصبح التمييز بين الحقيقي والمصنوع مهمة شاقة حتى للعين الخبيرة. مراجعة منهجية حديثة خلصت إلى أن متوسط دقة البشر في كشف الديب فيك يدور حول 55% تقريبًا، أي قريب من حدود الصدفة في كثير من السياقات. هنا تبدأ الأبعاد النفسية، حين يفقد الإنسان يقينه البصري، يتشكل قلقٌ معرفي جديد، وتنهكنا دوامة التحقق أو العكس الاستسلام للانفعال. بالنسبة للمراهقين، القضية تمس الهوية مباشرة، فصورة معدلة قد تهز الثقة بالنفس، ومقطع مزيف قد يتحول إلى أداة تنمّر أو ابتزاز. وتشير مصادر طبية متخصصة إلى أن استهداف الأشخاص بصور جنسية اصطناعية أو بمحتوى مركّب قد يسبب صدمة وقلقًا وعارًا وانسحابًا اجتماعيًا، مع تعقيدات أكبر عندما يكون الضحايا من صغار السن. أما اجتماعيًا، فالمسألة تهدد اقتصاد الثقة ذاته. ما يلفت النظر أن الأخبار الكاذبة تاريخيًا تنتشر أسرع وأبعد من الأخبار الصحيحة على المنصات الرقمية، لا لأن الآلات وحدها تدفعها، بل لأن البشر يميلون لمشاركة ما هو صادم وجديد. ومع تسارع المحتوى الاصطناعي، يتعمق هذا الميل، كلما كانت القصة أكثر إثارة، كانت مشاركتها أسهل، حتى لو كانت ملفقة. النتيجة مجتمعٌ يستهلك انطباعات بدل الحقائق، ويختلف على الواقع قبل أن يختلف على تفسيره. قانونيًا وأخلاقيًا، تتقاطع الظاهرة مع الخصوصية وحقوق الصورة والتشهير والمسؤولية. أوروبا، مثلًا، اتجهت إلى تنظيم قائم على المخاطر وفرض متطلبات شفافية على بعض أنماط الذكاء الاصطناعي، بما فيها جوانب تتعلق بالمحتوى المُولَّد أو المُتلاعب به، بالتوازي مع قواعد تُحمّل المنصات التزامات لحماية الحقوق وتقليل المخاطر المنهجية في الفضاء الرقمي. وفي المقابل، بدأت المنصات نفسها تتحرك: يوتيوب يطلب من صناع المحتوى الإفصاح عن المواد المعدلة أو الاصطناعية عندما تبدو واقعية، وميتا وسّعت سياسة وضع ملصقات مثل "مولّد بالذكاء الاصطناعي" لزيادة الشفافية. لكن الشفافية وحدها لا تكفي ما لم تُدعم ببنية تقنية تُثبت الأصل. هنا يظهر اتجاه إثبات المصدر الذي يهدف إلى توثيق منشأ المحتوى وسجل تعديله عبر "اعتمادات محتوى" يمكن التحقق منها. هذه المعايير واعدة، لكنها تحتاج تبنيًا واسعًا وتكاملًا مع التطبيقات والمنصات كي لا تضيع بياناتها بمجرد إعادة رفع الملف أو ضغطه. ولأن الضرر ليس نظريًا، يكفي أن نتذكر كيف استُخدم اجتماع فيديو مزيف لانتحال موظفين وإقناع موظف بتحويل مبالغ ضخمة في واحدة من أبرز قضايا الاحتيال المرتبطة بالديب فيك. فالرسالة هنا واضحة، الخداع اليوم لا يستهدف السمعة فقط، بل المال والقرار. ما العمل إذن؟ أن نتعامل مع الصورة كفرضية لا كحكم مطلق. أن نسأل عن المصدر الأول، والسياق، وتاريخ الحساب، وأن نقارن الخبر بمصادر مستقلة قبل المشاركة. وأن يلتزم صناع المحتوى بالإفصاح عندما يستخدمون أدوات توليد أو تعديل، احترامًا لحق الجمهور في المعرفة. وأن تُلزم المنصات بسياسات ووسوم واضحة، وتدعم أدوات التحقق، وتمنح الباحثين والجهات المختصة بيانات تساعد على رصد التضليل ومواجهته. في النهاية، ليست المعركة ضد الذكاء الاصطناعي؛ فله فوائد واسعة في الإبداع والتعليم والإتاحة. المعركة ضد تحويله إلى مصنعٍ للالتباس. وفي زمنٍ يمكن فيه صنع "واقع مزيف" خلال ثوانٍ، تصبح الحقيقة مشروعًا جماعيًا: تشريعًا رشيدًا، ومنصات مسؤولة، وإعلامًا متحققًا، ومواطنًا لا يشارك قبل أن يفهم. Mestarihihashem@gmail.com
126
| 23 فبراير 2026
«لعبة الحبّار» ليست موتًا بقدر ما هي حياةٌ بحقيقة واحدة: لا مكان يتسع للجميع. لعبٌ يصير محكمةً، وحاجة تصبح قيدًا، وسؤالٌ: من ينجو في النهاية: الجسد أم الضمير؟ لم أتوقع أن تشدّني يوماً دراما كورية، حتى ولم تمُر بي خاطراً، لكنه فضول زرعه جيل «زد»، دفعني لاكتشاف ما يشاهده وما يستبطنه من قيم. دراما «لعبة الحبّار» مرآة قاسية لواقعٍ يُعاش خارج الشاشة. ظاهرها أناس مُنهكون يطلبون فرصة تخلصهم من أعباء الحياة، لكنها سرعان ما تنكشف بيانًا عن زمنٍ صار فيه الفقر امتحانًا أخلاقيًا، والحاجة بوابةً للإذلال، والمنافسةُ ذريعةً لسحق الآخرين، رمزًا للرأسمالية الحديثة وتنافسها المتطرف. تفتتح «لعبة الحبّار» فخَّها ببراءةٍ ملوّنة: ألوانٌ بهيجة وممراتٌ كمتاهة حلوى تعيدك لعمر الطفولة، بينما تُغلِّف منظومتها العنفَ، بلطفٍ زائف، وتُقدّم القسوة في عُلبٍ جميلة، حتى يغدو القتل منطقيًا لأنه محكومٌ بقواعد واضحة، لا تبرر النهايات الظالمة للاعبين. لأن العدالة هنا قشرةٌ لامعة: زيٌّ موحّد وأرقامٌ متتالية تصنع وهم المساواة، فيما الواقع تفاوتٌ فادح في المعرفة والقدرة والظروف وأدوات النجاة. عدالة تلد التمرّد: «لسنا خيولًا، لسنا أرقامًا، ولسنا ملكًا لكم»، صرخةٌ ضد تحويل البشر إلى رهان، إلى أصولٍ تُستهلك وتُستبدل، حين الحاجة قلب المأساة: حصارُ الدَيْن والتزاماتٌ ثقيلة، و»حرية» ليست سوى لافتةٍ على باب قفص. ديمقراطية زائفة تعيد اللاعب للموت لأن الخارج لا يمنحه حياةً تُعاش، فيبدو الرجوع اختيارًا وهو إكراه. بعد ذلك تتحول العدسة من كشف اللعبة إلى فهم الآلة التي تُنتجها: الرعب صناعة قبل أن يكون دمًا. أقنعة تخفي الوجوه لتُذيب المسؤولية؛ فتُسمّى الجريمة «مهمة» ويُدار الشر ببيروقراطيةٍ باردة. وفي اللب يقف النفوذ كفكرةٍ لا كخصم: الإنسان يصير ترسًا حين يقنع نفسه أنه يحمي نظامًا لا بدّ منه، بينما القواعد لا تُكتب لتكون عادلة، بل لتبدو كذلك، لأنها تخدم من كتبها. كيف تُنقذ إنسانيتك من نظامٍ يجعل النجاة مرهونةً بقتلها؟ لا يعود المهم من يفوز، بل من يبقى إنسانًا بعد أن تُعرّيه اللعبة؛ ومن هنا يتبدّل اللاعب، فلم يعد يطارد المال، بل يسترجع ضميره في عالمٍ يسرق الثبات. أما الأخطر في معادلة اللعبة فهي طبقةُ النفوذ، مرآة المشاهد: فهي لا تلعب، بل تتفرّج وتشتري الألم كعرضٍ مسبق الدفع. مشهد يفضحنا: فنحن أيضًا نتفرج، نغضب ثم نواصل. هكذا تنكشف الحقيقة: ليست المنظومة قتلة فحسب، بل اقتصادُ فرجةٍ يُطبّع القسوة، وجمهورٌ يعتاد الألم حتى يخفت ضميره، مفارقةُ نقد الفرجة عبر الفرجة نفسها. ومع ذلك لا تُغلق «لعبة الحبّار» باب الأمل: تفضح آلة سحق الإنسان، لكنها تُذكّر أن البشر ليسوا قالبًا واحدًا، لا ملائكة ولا شياطين. تحت الضغط تتكشف الطبقات؛ رحمةٌ ممكنة، وندمٌ متأخر، وخياراتٌ تفضح أصحابها. والخلاصة إنسان لا يُختصر في خير أو شر، بل في قراراتٍ يتبدّل وجهها كلما تغيّر الثمن. ليست الحكاية لعبةً سرّية على جزيرة نائية، بل لعبةٌ تتسلل إلى المجتمع حين يُختزل الناس إلى أرقام، وتُقدَّم المنافسة كفضيلة، ويُلام الضعيف: لو كُنتَ أذكى لنجوت، وكأن الذكاء وحده يصنع عدلًا. لعبة رسالتها أن تنتبه للحظة تبرّر فيها سحق إنسانٍ باسم المنافسة والاستحقاق والقواعد. وبعد آخر مشهد، يظل سؤالٌ واحد: لو دخلتَ اللعبة نفسَها وتعرضْتَ للضغط ذاته، هل ستبقى أنتَ أنت، أم ستصير قناعًا آخر في آلةٍ القتل؟ هنا انتصار لعبة الحبّار: مواجهةٌ صادقة مع مرآةٍ لا تجامل. وفي عالم اليوم، ليست اللعبة حبيسة الشاشة؛ سلطةُ المال والمكانة والنفوذ تكتب القواعد للآخرين ثم تقف فوقها بلا تبعات. تُدار الحياة بمنطق المصلحة، وتُقاس الأرواح بما تُدرّه من أرباح، ويُختزل الجوع والخوف إلى «قدرٍ شخصي» بدل أن يُرى شرخًا في بناء المجتمع. والأشد إيلامًا أن الضحايا يعتادون القسوة: بطشٌ مألوف، وظلمٌ يومي، يقابله صمتٌ هو مهارة للبقاء. نُدين اللعبة على الشاشة، ثم نُصالحها في الواقع ما دامت لا تطالنا، وهنا ينتصر النفوذ: لا حين يفرض قانونه، بل حين يجعلنا نقبله ونسمّيه ببرود، قواعد الحياة.
192
| 10 فبراير 2026
في سجلّ الخلافة الراشدة، تبرز شخصيةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأيقونةٍ للقيادة التي جمعت بين الحزم والبصيرة، وبين العدل الذي لا يعرف المحاباة، والرحمة التي لا تُهزم أمام المصلحة. كان رجلَ دولةٍ تدرك أن ميزان الحكم لا يقوم على الذكاء وحده، بل على صدق الضمير واتزان العدل. ومن مواقفه التي تُعانق قمةَ الفهم الإنساني والإداري في آنٍ واحد، موقفُه من المغيرة بن شعبة، ذلك الرجل الذي وهبه الله عقلًا متوقدًا ودهاءً نافذًا، حتى صار حديث العرب في فطنته وذكائه. لما عزل عمر المغيرة عن عمله سأله المغيرة متعجبًا: «أعن عجزٍ أم خيانةٍ يا أمير المؤمنين؟» فأجابه عمر: «لا عن واحدةٍ منهما، ولكني أكره أن أُحمِّل فضلَ عقلك على العامة». جملةٌ وجيزة لكنها أعمق من أن تُختزل في عبارة إدارية، إذ تختزن في طياتها فلسفة قيادة تنظر إلى الذكاء كقوةٍ تحتاج إلى ميزانٍ من الرحمة والعدل. أدرك عمر أن دهاء العقول إذا تجاوز حدّه قد يُرهق العدالة، وأن الموهبة إن لم تُضبط بسياج التقوى قد تتحوّل إلى أداةٍ تُرهق البسطاء وتُغري صاحبها بالاستعلاء. لم يكن يشكّ في أمانة المغيرة ولا في إخلاصه، لكنه كان يعلم أن الذكاء حين يختلط بالسلطة دون رقابةٍ من الضمير يصبح عبئًا على الناس، لا نعمةً عليهم. كان عمر يرى أن الادارة الحقيقية ليست في تمكين الأذكى، بل في تمكين الأتقى والأعدل. في موقفه هذا مارس عمر أرقى صور القيادة الوقائية، تلك التي تَستشرف الخلل قبل أن يقع، وتحمي الناس من آثار القوة قبل أن تتجاوز حدودها. إنه قائد لا ينتظر الخطأ ليقع فيعاقب، بل يقرأ المآلات بعين الحكمة. وهذا هو جوهر الفارق بين القائد الذي يُدير الناس بالقوانين، والقائد الذي يُديرهم بالضمير. فالأول يُصلح ما يفسد، والثاني يمنع الفساد قبل أن يولد. «أكره أن أُحمِّل فضل عقلك على العامة» عبارة تنبض بنزاهةٍ فكرية عميقة، فهي لا تُقلّل من شأن الذكاء، بل تُحذّر من غلوائه. لقد فهم عمر أن العدل لا يصمد حين يُغلّب العقل على القلب، وأنّ الرحمة حين تُقصى من القيادة فإنها تُفرغها من روحها. فالدهاء إذا خلا من التقوى يصنع نظامًا صارمًا، لكنه يفتقر إلى الإنصاف الإنساني الذي يجعل الادارة رعايةً لا سلطة. ذلك الموقف ليس درسًا في القيادة فحسب، بل هو مرآةٌ تعكس جوهر فلسفة الادارة المعاصرة للبشر كقوى عاملة، حيث يُقدَّم العدل على الدهاء، والمصلحة العامة على المجد الشخصي، والضمير على الذكاء المجرد. ومن رحم هذه الرؤية وُلدت مدرسة القيادة الأخلاقية التي تتفوّق على كل نظريات الإدارة الحديثة، لأنها لا تقوم على الكفاءة فقط، بل على صلاح القلب واستقامة المقصد. وفي مؤسساتنا الحديثة، لا سيما مؤسسات الخدمات العامة، تتكرر هذه الإشكالية بأشكال مختلفة. كم من مسؤول ذكي أضعف فريقه؟ وكم من قائد لامع أرهق بيئة العمل؟ وكم من قرار صائب على الورق خلّف آثاراً سلبية على الناس؟ هنا يتجدد سؤال عمر، لا عن نيّات القادة، بل عن أثر قراراتهم. القيادة ليست في سرعة القرار، ولا في براعة التحليل وحدها، بل في سلامة الأثر وعدالة التطبيق. والمؤسسة لا تنهار دائمًا بسبب الجهل، بل كثيرًا ما تتعثر بسبب ذكاء غير منضبط، وادارة سلطوية لا تُراجع ذاتها، وثقة تُستنزف بصمت. لقد أدرك عمر أن المنصب ليس مساحة لإظهار التفوق، بل موقع لخدمة أصحاب المصلحة، وأن العدل التنظيمي لا يتحقق بتكديس العقول اللامعة في مواقع صنع القرار، بل بمواءمة القدرات مع القيم، وتقديم المصلحة العامة على بريق الفرد. وهي ذات المبادئ التي تنادي بها اليوم مفاهيم الحوكمة والقيادة الأخلاقية، وإن تغيّرت المصطلحات. ما أحوجنا اليوم، في إداراتنا ومؤسساتنا، إلى استعادة هذا الميزان الدقيق.
312
| 08 يناير 2026
لتسع سنوات خلت، وفي رحاب جامعة قطر، كتب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بيده عبارة صارت نبراسا: «بكم تعلو ومنكم تنتظر»، تجذرت هذه العبارة عميقا، ثم امتدت في الوجدان عقدا اجتماعيا وأخلاقيا بين قيادة ترى في شعبها رأس المال، وشعب يرى في قيادته بوصلة العلو واتساع الأفق. شعار قصير الألفاظ، بعيد المدى، يجمع بين الإقرار والانتظار: إقرار بأن قطر علت بإنسانها، وانتظار بأن يواصل هذا الإنسان حمل الرسالة، صونا للمنجز وزيادة فيه. من جذور التاريخ تستمد الدوحة علوها وارتفاعها؛ فمنذ عهد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، تبلور معنى الدولة الجامعة التي توحد ولا تفرق، وتحفظ السيادة ولا تساوم عليها، وتستند إلى أهلها في السلم والشدة معا. ثم جاء عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ففتح أبواب النهضة على مصاريعها: تعليم ينهض بالعقول، بنية تحتية تشق الطرق إلى الغد، إعلام فاعل، حضور دولي رشيد، واقتصاد يتسع من مورد إلى موارد. وفي هذا الامتداد الطبيعي تسلم الراية سمو الأمير تميم، فثبت الأصول، وجدد الوسائل، وأعاد الإنسان القطري، رجلا وامرأة، إلى صدارة الرؤية: هو الغاية، وهو الوسيلة، وهو الاسم الذي عليه تقاس الصورة التي ترى بها قطر في العالم. «بكم تعلو» ليست مجاملة عابرة، بل حقيقة مجربة: علت قطر بعرق العامل الذي يتقن، وبعلم الطالب الذي يبدع، وببصيرة المعلم والطبيب والمهندس والجندي والدبلوماسي، وبوفاء الأسرة التي تنشئ النشء على محبة الدين واللغة والوطن. و»منكم تنتظر» ليست تكليفا مثقلا، بل أمانة الارتقاء: أن نظل على مستوى ما بلغناه؛ أداء وانضباطا وأخلاقا ورقي تمثيل. قطر اليوم، دولة في داخلها تعمر المكان وتهذب الذائقة، منظومة صحية وتعليمية تتقدم بثبات، إدارة عامة تحسن الخدمات وتيسر العيش الكريم، وهوية عربية إسلامية تصان من غير انغلاق ولا ادعاء. هنا يكون المواطن والمقيم معا شركاء البناء؛ فصورة الوطن تنسج من تفاصيل العمل اليومي: إتقان، انضباط، وصدق خدمة للناس. اسم قطر اليوم يجوب سماء العالم، قرين الفاعلية: في الصحة والوقاية والرعاية، في التعليم والبحث والابتكار، في الطاقة والغاز، في الرياضة واستضافة المحافل الكبرى، ، في الإعلام والثقافة، وفي العمل الإنساني الذي يبلسم الجراح حيثما كانت. هذا الحضور ليس استعراضا؛ إنه ترجمة قيمة صارت جزءا من هوية الدولة. وعند هذا المعلم يبرز وجه جوهري للشعار: دور قطر العالمي في إحلال السلام وإطفاء بؤر العنف والصراع. فالدوحة التي تشرع أبوابها للفرقاء، وتدفع إلى الموائد حين تتراجع لغة الكلام، وتفتح الممرات الإنسانية حين تغلق المعابر، انما تفعل ذلك تأسيسا لسلام يقوم على كرامة الإنسان. هكذا يفهم الشعار على المستوى الدولي: لقد علت قطر بميزان عدل واتزان، ومن أبنائها ينتظر أن يحملوا هذه السيرة في كل محفل وموضع تمثيل، ليكون القطري، حيثما حل، مرآة لعقل دولته ورحمتها. إن العهد الذي يقطعه الشعار ليس بين فرد وجماعة، بل بين أجيال تتعاقب على خدمة المكان ومعناه: من المؤسس الذي وضع اللبنة الأولى، إلى الأمير الوالد الذي وسع المدار، إلى الأمير المفدى الذي صاغ الرسالة بيده وأطلقها: لقد علت قطر بكم… ومنكم تنتظر. وما أجمل أن يقرأ اليوم الوطني بهذه العين؛ لا باعتباره يوما لذكرى ماضية، بل بوصفه موعدا سنويا لمراجعة الضمير: ماذا قدمنا لرفعة الدوحة؟ وهل كنا على قدر ما تنتظره منا؟ نحب قطر، لا لأنها قدر جغرافي ساقنا إليه الميلاد، بل لأنها معنى نبيل نختاره كل صباح: معنى العدل والرحمة والعلو بالعلم والعمل، معنى الكرامة التي لا تشترى، والسيادة التي لا تساوم، والانفتاح الذي لا يذيب الأصالة. ومن هذا الحب تصان الأمانة: أن يبقى علمها عاليا بعملنا، وأن تبقى صورتها زاهية بأخلاقنا، وأن يظل الغد الذي ننشده امتدادا مستقيما لـ «اليد التي كتبت» والقلوب التي لبت. هكذا يتجلى الشعار عهدا متجددا: «بكم تعلو ومنكم تنتظر» إقرارا بما كان، وتوسيما لما يكون، ووعدا بأن هذه الأرض ستظل تخرج من أبنائها ما يليق باسمها… وأن انتظارها منا لن يطول.
384
| 09 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
8517
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
1533
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
804
| 26 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...
729
| 20 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
693
| 25 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
684
| 20 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
642
| 27 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
606
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
600
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
594
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
555
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
513
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية