رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة مقولتان في التراث العربي تَصدُقان على مجريات الأمور في منطقتنا خلال الأسابيع الأخيرة. تقول إحداهما: "استأسدَ الحَمَلُ لما استنوق الجملُ"، أما الثانية فتؤكدُ على "أن البُغاثَ بِأرضِنا يَستنسِر".
فمنذ أقل من ثلاثة شهور فقط، بلغ الغرور بإيران درجةً دفعتها للتبجح علناً بإعلان سيطرتها على أربع عواصم عربية إستراتيجية، وللحديث، بكل عنجهية، عن عودة الإمبراطورية الفارسية، إلى غير ذلك من عشرات التصريحات والرسائل المباشرة منها وغير المباشرة، والتي (تُبشرُ) جميعها بدخول المنطقة في (العصر الإيراني)!.
أما نظام بشار فقد كان، بدوره، إلى ما قبل أسابيع، يتغنى من قمة الهرم إلى قاعدته بانتصاراته العسكرية والسياسية والإعلامية.
فمن ظهور رأس النظام في عدة قنوات تلفزيونية عالمية مُنتشياً بسيطرته على الأوضاع، ومُفتخراً برؤيته الصائبة وتوصيفه لحقيقة الوضع في سوريا على أنه مجرد إرهاب، ومُستبشراً بالاتصالات المتزايدة، العلنية والسرية، معه ومع نظامه من قبل بعض القوى الدولية. مروراً بممارسات الاحتقار والاستعلاء التي أظهرها مندوبه إلى (لقاء موسكو) حتى تجاه ممثلي (المعارضة) الأليفة الوادعة الباحثة عن الرضا.
هكذا، ظهر مصداق الأمثال العربية المذكورة أعلاه، فحاول الخروف عرض نفسه بمظهر أسدٍ هَصُور، وقدمت بُغاثُ الطير نفسها على أنها نسورٌ كاسرة.
ربما كان هذا مما يُسمى في الأدبيات (مكرَ التاريخ)، وذلك حين يَحدثُ الخسفُ بمثل هذه الأوهام والأحلام وهي في قمة توهجها.
كان كل ما اقتضاه الأمر شيئاً من إعادة النظر في الحسابات القديمة، وبعض (الحزم) السياسي والعسكري والإداري، لتبدأ عملية انهيار الأوهام المذكورة كما تنهارُ قصورٌ من الرمال.
المفارقةُ أن ثمة دوائر عديدة في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تُكتب هذه الكلمات، تعيش هذه الأيام حالةً من الترقب والاستنفار التحليلي والمتابعة الحثيثة والمراجعة، وربما، الصدمة.
لا نزعم أن الأوساط هنا بعيدةٌ كلياً عما جرى ويجري من تطورات، لكن سرعة وحجم الفوضى والتراجع والانهيار التي يعيشها نظام بشار تبدو أكبرَ من كل التوقعات والتحليلات.
أكثرُ من هذا، يشعر المراقبون أن درجة التخبط الإيراني في عملية (إدارة الأزمة) في سوريا والمنطقة جاءت أكثرَ مما كان متوقعاً، ومما أوحت به وقائعُ وأحداث السنتين الماضيتين على الأقل، حيث كانت التحليلات تؤكد على أن إيران استعادت زمام السيطرة على الأمور في المنطقة بعد شيءٍ من الضعف السابق لتلك المرحلة.
هل لهذا علاقةٌ بالتقرير الذي يستحضره الخبراء هنا اليوم، والذي صدر منذ أسبوعين عن (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) الأمريكي، وأشرنا إليه في المقال الماضي، خاصةً مع الإشارة المُعبرة الواردة فيه في معرض التعليق على (عاصفة الحزم) وتقول: "تجد واشنطن نفسها الآن في موقفٍ غير معتاد، إذ إنها تدعم، دون ضجة، ائتلافاً كبيراً متعدد الجنسيات يتألّف من دول إقليمية، وهذا هو على وجه التحديد نوع تقاسم الأعباء الذي لطالما حلمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتعزيزه".
وهل له علاقة بمقابلة توماس فريدمان مع الرئيس أوباما، والتي قدمنا تحليلاً لها أيضاً سابقاً، وفيها يتساءل الرجل عن سبب غياب دور العرب في إيقاف الممارسات الوحشية لبشار ونظامه تجاه الشعب السوري؟.
ثمة نمطٌ للسياسات الدولية لا يمكن التعامل معه إلا بواقعية، لكن المسألة المهمة هنا أن يتم فعلاً فهمُ تلك السياسات بكل قواعدها ورسائلها، وامتلاك الإرادة السياسية للتصرف بناءً على ذلك.
في جميع الأحوال، من الواضح أن قرارات (الحزم) بكل مستوياتها ومقتضياتها سبقت رسالة أوباما والتقرير المذكور بفترة. وبغض النظر إن كان الحديثُ عن "تقاسم الأعباء" وعن الدور العربي المنتظر في سوريا جاء لاستدراك ما كان يلوح أن (الحزم) المذكور سيقود إليه.. إلا أن المهم في الموضوع أن الجميع بات يُدرك، بشكلٍ متزايد، أن قرار إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة باتَ يُؤخذُ (فيها) بشكلٍ متزايد. سواء كانت المواقف التي ترسم التوجه وتضبطُ الإيقاع وتُنسق المواقف مشهورةً ومُعلنة بأشخاصها وأصحابها، أم كانت هادئةً تعمل بفعاليةٍ كبيرة، ولكن دون ضجيج.
هنا، في هذه اللحظة، يأتي دور السوريين، خاصة منهم المعارضة السياسية والعسكرية. إذ لم يعد ممكناً على الإطلاق استعمال الأعذار القديمة لتبرير العجز في القيام بنصيبهم من عملية تأمين الظروف المطلوبة بإلحاح الآن لإكمال عملية إسقاط نظام بشار. فبعد أربع سنوات من تضحيات أهلهم، صار معيباً اللجوء إلى مقولة قلة الخبرة السياسية، وأصبح مخزياً المضي في المناورات والتحالفات الانتخابية والتنظيمية الداخلية على أنها تمثل ممارسة السياسة، ولم يعد مقبولاً على الإطلاق استمرار الخلافات فيما بين الهياكل السياسية وفيما بين الفصائل العسكرية، وبين الطرفين كلاهما.
لقد أثبت السوريون قدرتهم على دحر النظام وأعوانه بشكلٍ ملحوظ بمجرد حصولهم على شيءٍ من الدعم الفعال. وهذه خُطوةٌ هامة لا شك أنها أخذت بعين الاعتبار لدى من يُراقب التطورات الميدانية في الأسابيع الماضية. لكن هذا يُعتبر شرطاً لازماً وغير كافٍ لاستمرار مسيرة إسقاط النظام التي أخذت زخماً كبيراً في المرحلة السابقة. فالمطلوب الآن هو اتخاذ كل التدابير السياسية والعسكرية والإدارية التي تُثبت أهليتهم لإدارة سوريا بعد سقوط النظام بشكلٍ يلملم الفوضى السائدة فيها.
يعرف السوريون أن الزخم الأخير صار ممكن الحدوث، لأن النظام الدولي أدرك، لأول مرةٍ جدياً، أن بشار ومَن معه ماضونَ في تعميم الفوضى بكل طريقةٍ ممكنة في المنطقة، وبشكلٍ بات يهدد التوازنات المرسومة، الأمر الذي فتح مجال التفكير بإسقاطه والبحث عن بديل.. وهذا هو ما يجعل (الكرة) الآن في ملعبهم، بل ويجعل طريقة تعاملهم مع هذا الوضع مفرق الطريق في تاريخ سوريا الراهن وتاريخ ثورتها.
فإما أن يؤجل السوريون، من أصحاب العلاقة، خلافاتهم السياسية والأيديولوجية والشخصية ليتم التعامل معها لاحقاً بالوسائل السياسية البحتة، ويستنفروا الآن لتأكيد وحدة صفوفهم ويُظهروا قدرتهم على إدارة الصراع، سياسياً وعسكرياً، حتى بعد سقوط النظام، أو يُغلقوا على أنفسهم وبلادهم وشعبهم نافذة فرصة فتحتها المتغيرات، ولا يعلم أحدٌ متى يمكن أن تتكرر.
وإذا كان هذا الخيارُ الأخير خيارَ هؤلاء، فلا مفرﱠ عندها من التفكير جدياً بقوانين التاريخ والاجتماع البشري التي تقول: "يستبدل قوماً غيركم".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2622
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2127
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1200
| 01 مارس 2026