رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زلت أؤكد أني لست ممن يحبذون التناول الإعلامي للشأن الجامعي بالصورة التي نقرؤها على أُولى صفحات جرائدنا اليومية، غير أن الظروف أجبرتني على الدخول في هذا التناول الإعلامي.
وأقول لله درك يا جامعتنا، وأعانك الله على ما يقع حولك لا عليك، وخاصة من بعض منتسبيك الذين يعدون شركاء حقيقيين وأساسيين في بناء بنية الجامعة من الناحية الإدارية والأكاديمية، والتي تتطلب العلم والدراية والجد والمثابرة والعمل بإخلاص لتطويرها من حيث برامجها التعليمية، وطرق تدريسها ووسائل تعليمها وتعلمها، وإعطاء وجهات نظر علمية للنهوض بالعملية التعليمية، وخدمة المجتمع والجامعة، وإجراء البحوث العلمية، والقيام على دراسة الواقع الذي نعيشه، بإيجابياته وسلبياته، وعلى وجه الخصوص حق الجامعة علينا نحن أعضاء هيئة التدريس في العملية التعليمية.
أولاً: من حق الجامعة علينا أن نفهم الواقع الذي نعيشه، بحيث تكون نظرتنا قائمة على الشمولية ومستقرئة، ومتابِعة لكل ما يقع في المجتمع الجامعي والمجتمع المحلي، ومن ثم نبدأ بقراءة الواقع في نظرة شمولية مؤدية إلى إنصاف الكل في ظل المنظومة العامة الشاملة للمسألة الواحدة، مثل العملية التعليمية، لا أن نقرأ جزءاً من واقع العملية التعليمية، ونتعلق بها، ونحكم على الآخر من خلالها، أو قل نجعله المسؤول الوحيد عن كل ما يقع في المجتمع التعليمي، هذا حكم مجحف في حق العباد والخلق. لأنهم يلقون العبء على الجامعة على أنها قد أخطأت كثيراً، وتسببت في سوء العملية التعليمية.
ثانياً: لنعلم أن العملية التعليمية من أعقد الأمور في المؤسسات التعليمية العالية، وأن القوى الداخلية والخارجية تتجاذبها يمنة ويسرةًَ، وها هي الولايات المتحدة الأمريكية منكبة على دراسة المناهج العلمية اليابانية لفهمها، واستيعابها والإفادة منها في عمليتها التعليمية، لأنها أدركت تقدم اليابان عليها، وكذلك يفعل الغرب في متابعته ودراسته لبرامجه العلمية، وكنت منذ أيام مع وفد أكاديمي قطري في زيارة علمية لجامعتين ألمانيتين أحداهما في "ماربوت"، والثانية في "بتنجن"، للتدارس مع أقسامهم العلمية مناهج الدراسات الإسلامية والعلوم الشرعية التي يسعون إلى طرحها للدراسة في جامعاتهم وكلياتهم المهتمة بالدراسات الإسلامية والدينية، وتبادلنا تصورنا حول تلك البرامج، ذلك يعني أن العملية التعليمية في برامجها المتعددة لابد من وضعها بإحكام وتدارس ومشورة، وتبادل وجهات النظر فيها، ومراعاة طبيعة المجتمع، وما يحتاجه من علم ومعرفة ومهارات سلوكية قائمة على هوية المجتمع وطبيعته.
ثالثاً: وعوضاً عن ذلك لا ينظر إلى البرامج العلمية على أنها عناصر ثابتة لا تتغير، تبقى على حالها إلى أبد الآبدين، هذه النظرة المكوثية على حالة واحدة لا تعتمد في عالم البرامج والمناهج التعليمية، وخاصة البرامج والمناهج العلمية العملية، أما المناهج الخاصة بالعلوم النظرية، فلابد أن تنطلق أولاً من الهوية الخاصة، ومن ثم يبنى عليها التطور البرامجي.
رابعاً: ومن هنا فمن حق الجامعة على منتسبيها أن يعلموا أن الجامعة هي المحصلة الأخيرة للعملية التعليمية بالنسبة للطلبة الملتحقين بها، وأنه من المفترض في الوضع الطبيعي أن تتلقى طلبتَها وهم على مستوى علمي معرفي جيد، ومتوسط، من حيث امتلاكهم لأدوات معرفية أولية، تمكنهم من كسب علومهم ومعارفهم الجامعية بسهولة ومرونة ويسر، غير أننا نجد العكس غالباً، لا كلاً، وهو أن هناك ضعفاً في مستوى التحصيل العلمي للطلبة، والذين يصلون إلى الجامعة.. وهذه إشكالية تعيق أي جامعة أو مؤسسة تعليمية، ومن هنا أرى أنه من الظلم أن نلقي العبء على جامعتنا (جامعة قطر)،
ومع ذلك فإن إدارة الجامعة تعمل جاهدة لرفع هذه الإشكالية، حيث أوصت في قراراتها واجتماعاتها المتواصلة، بضرورة العمل والكد والجهد لتنمية الطلبة على جميع مستوياتهم، الضعيف يُهتم به لتنمية قدراته وملكاته المعرفية، بمجموعة من القواعد والنظم والآليات المنظمة لعملية التحصيل العلمي لهؤلاء الطلبة.
وكذلك وَضعت الجامعة آليات ونظماً وقواعد للعمل على تنمية قدرات المميزين من الطلبة، كل هذا فعلته جامعة قطر وما زالت تفعله؟،وهذا مما يحمد لها وتشكر عليه.
خامساً: دور الكليات والأقسام العلمية والهيئة التدريسية، هو العمل بجد واجتهاد متواصل في الإطار لتنمية قدرات أبنائنا الطلبة، ويُعد حقاً من حقوقهم علينا، وكذلك حق الجامعة على منتسبيها أن يعملوا جاهدين في هذا الجانب.
سادساً: العملية التعليمية التي نتحدث عنها بحاجة إلى جهود كبيرة، وعمل متواصل، حيث تقوم على مجموعة من القواعد الأولية والضرورية، التي لابد من مراعاتها أثناء تقريرها في صورة برامج ومناهج دراسية، ينبغي أن يعتمد فيها بالدرجة الأولى على أبناء الوطن، لأنهم الأدرى بشؤونهم الخاصة والعامة، مدركين لمتطلبات العصر وعوامل النهوض والتقدم.
ومن هذه القواعد والأمور الأولية التي لابد من مراعاتها أثناء وضع البرامج العلمية ما يلي:
ـ فهم المجتمع والواقع الذي نعيشه.
ـ فهم استراتيجية الدولة وخططها التنموية.
ـ إدراك وفهم نوع الخريج الذي يريده سوق العمل.
ـ ضرورة أن يكون القائمون على البرامج من أهل الاختصاص والدراية.
ـ فهم وإدراك ضغوط القوى السياسية الواقعة على العالم، ومن ثم امتلاك آلية التعامل معها.
ـ فهم الواقع العالمي فكرياً وثقافياً وسياسياً ومجتمعياً.
في ظل هذه الأمور والقواعد وفهمها، تستطيع الجهات المسؤولة عن وضع البرامج أن تضع برامجها بمنهجية علمية صحيحة.
سابعاً: من حق الجامعة على منتسبيها أن يعملوا بجد وإخلاص، وأن يتجابوا مع متطلبات وقوانين وأنظمة الجامعة، في إطار النقاش والرأي والحوار، وتبادل وجهات النظر حول القضايا والمسائل المطروحة، ومهما كانت درجة الاختلاف في وجهات النظر مع المقابل، أينما كان: إدارياً أو أكاديمياً فإنك تستطيع بحجتك إذا كانت مقنعة وقوية أن تصل إلى رأي توافقي، وهذا ما لمسته شخصياً مع إدارة الجامعة في عدة قضايا ومسائل جامعية، ولم أكن في يوم من الأيام على غير هذا الموقف.
ثامناً: لنعلم جميعاً ـ نحن الأكاديميين ـ أننا أصحاب رسالة، وأي رسالة!! إنها أشرف رسالة على وجه المعمورة، وهي تالية لرسالة الأنبياء والرسل: "كاد المعلم أن يكون رسولا" وحمَلةُ هذه الرسالة أو الأكاديميون ينبغي عليهم أن يكونوا قدوة للآخرين، وقادةً للمجتمع، وأصحابَ فكر نير، وأداة علم ومعرفة تقوم على التوحيد والتقريب، لا التنفير والاختلاف.. يعملون بجدٍ وكدٍ لتنوير عقول أبنائنا الطلبة، ويسهرون على طلب العلم والبحث، للنهوض بوحدة الوطن والبعد عن الفرقة والتحزب.
كلمة شاملة:
إذا أردنا أن تكون نظرتنا عادلة فعلينا أن نتناول المسألة التي نتحدث عنها بصورة شمولية، محيطة بها من جميع جزئياتها، لكي يكون حكمنا عادلاً ومنصفاً لنا وللآخرين.
أعان الله الجميع لرفعة شأن وطننا وأبنائنا وجامعتنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6036
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1821
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1356
| 18 مايو 2026