رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

207

خولة البوعينين

في رحابة العذر وسعة الوجدان

03 أغسطس 2026 , 11:25م

بيقينٍ يسكن الحنايا، لا يرقى إليه الشك وإن تكاثفت حجبه، ولا يكتنفه الريب وإن عصفت بالقلب رياح الحيرة به، يمكن القول إن المرء كلما تغلغل في شعاب الأيام، وعَجَمَ طباع الأنام، ورمته الخطوب بصروفها، وقلّبته التجارب ببطونها وظهورها، وحنّكته نوازل الدهر وصروف الأزمان، انفسحت في صدره مساحات الإعذار، وصار فؤاده روضاً غنّاء تسع الخلائق، ووعاءً رحيباً يفيض بالتحنّن والرحمة.

وينبلج هذا الاتساع في سريرته ليتسع لإدراكه العميق بأن ما يظهر من سلوك الناس هو القشرة الظاهرة، بينما تمتد الجذور في أعماق سحيقة من الحسابات والمخاوف المكتومة.. حينها يستبين للّبيب أن أصفى الناس وداداً، وأقربهم إلى سماحة الغفران، هو ذلك الذي جلا له الزمن من تقلبات الأحوال ما غاب عن الناظرين، فأيقن أن وراء كل جفوة عذراً، ووراء كل انكسارٍ قصة!

وهذا الاتساع ما هو سوى ثمرة لنضجٍ عميق آتٍ من تحوّل في مآلف النظر إلى الإنسان والحياة، فالنضج الحق يتجلى في الاستيعاب والسماحة، فكلما نضج الإنسان عاطفياً.. ربا وعاؤه الداخلي واهتز برياح المعرفة، ليدرك أن ما يخفى وراء الأفعال هو البعيد عن مآلات التفسير السطحي، وهو خفي يغيب عن بال المراقب.. فتغدو الاحتمالات عنده أفقاً ممتداً كالبحر بلا نهاية!

ومن سعة هذا الإدراك، تتولد رحابة العذر التي تجعله يرى (الإنسان) خلف الموقف، و(الظروف) خلف التصرف، و(الوجع) الكامن خلف بعض القسوة البادية !.. فمن أساء فلعله مكلوم الجنان، ومن غاب فلعله مُثقل بالأشجان.

هذا التدفق من الأعذار يدفعه نحو الإعذار والمسامحة والرحمة، فيتريث في إطلاق الأحكام، وتتسم استجاباته بالوقار المبني على الاستيعاب والرحابة. هذا التحول الفكري العميق ينعكس مباشرة على مسلكه الخارجي مع الناس، فيغدو كالنسمة الباردة يتغاضى ويصفح.

وهو قبل ذلك كله، يمارس هذه الرحمة مع نفسه.. إدراكاً منه بأن ذاته هي الأولى بالاحتواء والغفران.. فهو يتقبل بشريته وقصورها، وحين يمتلئ بئره الداخلي بالسلام، يفيض تلقائياً على من حوله فيغمرهم بصفائه.

 لحظة إدراك:

هنا تستقر حكمة العارفين في حقيقة كبرى.. أن أرحم الناس بالناس، أعرفهم بأن لهم ظروفاً وأحوالاً قد تخفى.. فكلما نضج الإنسان اتسعت رؤيته، فأدرك أن الرحمة بالأنام تبدأ من رحمته بنفسه فيتقبل بشريته، ويحتوي قصوره، ويمضي في الحياة بقلبٍ أكثر سلاماً وأبهى سماحة.

مساحة إعلانية