رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يهنأ المرء بالدنيا ما دام لا يحدّها بإطارات التفسير والتأويل، ولا يتشعب في البحث عن الدلالة والمغزى على حساب العيش ذاته. فحين يتخفف من ثقل التحليل المستمر، تغدو البهجة حاضرة بين يديه، عصيّة على التسرب من بين أصابعه، ويصفو عقلُه من وعثاء التنقيب الدائم عن السر والحكمة، و التقصي المتواصل عن الدلالة والمعنى. فالإفراط في تقليب المعاني يبدد الشعور باللحظة، ويؤجل الأُنس، ويؤخر المسرّة. ومع كل محاولة لإحاطة الواسع بسياج التأويل، يضيق الأفق، ويبهت الغور، ويتراجع وهج التلقي. أما حين يفسح الإنسان للموجود مجاله، ويسمح للحظة أن تكون هي كما هي، دون فرط تحليل وتأويل، فإن صدره يتّسع لما فيها، وتستقر عينُه على ما بين يديه دون حسابات تُثقل الوصل بما تيسر من المباهج. فما الاستقبال سوى إقبال على اللحظة، وإتراع للمهجة، وقرار للعين بالموجود، والعبّ من مشارب المتاح حد الاستطاعة، هو حضور صافٍ، يحتفي بما فيه، ويمنح الدهشة مجالها، ويتيح للبهجة أن تستقر، وللمعنى أن يتكشف بطواعية دون إكراه. فلا يلبث المرء حين يتلقى الحياة بهذه الروح أن تتبدى له الحكمة من غير عناء، ويتجلى أمام عينيه السر من غير استنزاف، وتغدو المسرة قرينة الوعي، حاضرة في حضوره لاضيفًا عابراً عليه. لحظة إدراك: الإفراط في أي شيء مذمة لا تُحمد، ولو كان في البحث عن المعنى والحكمة، فكثرة التأويل تُثقِل اللحظة، وتبدد الأُنس، وتُضيّق ما كان واسعاً بطبعه، والاعتدال وحده يُبقي البهجة حية، ويجعل الاستقبال حضوراً نقياً تتجلى فيه المسرة بلا لأي أو عناء.
144
| 17 فبراير 2026
كم من الوقت، ومقدار التجارب المتلاحقة التي يحتاجها المرء ليُدرك أن ألمه الدفين، ومكابدته الخفيّة في سُبل الحياة ليس من عُسر ما يواجهه من الخطوب، ولا فظاظة ما يقابله من المحن، فهي في حقيقتها ليس لها عليه من سلطان ! إنما هي أوجاع تنبع من باطنه، فالشدائد التي يواجهها، والصعاب التي تصادفه، لها أثر يتحدد بطريقة تعاطيه معها، وبنظرته إليها، وبإرادته التي يختار بها كيف يواجهها ! فالخطوب من نوازع الدهر التي قد تخالج البشر جميعاً،، والمحن مهما بلغت ضآلتها من المفروضات التي لابد أن تنزل بالإنسان ما دام على هذه البسيطة حياً يُرزق، إلا أنها - وإن كانت قاسية- لا سبيل لها على المرء إلا بإرادته الماضية، والسماح لنفسه بأن ينظر لها في سياق التعب والمشقة، فهو من يسمح لشوكها باختراق جلده عبر الاستسلام لسوء التفكير، واستعجال الحكم والتفسير، والكفر بتدابير الرحمن، حين يظن أن الأمر كله بيده، وأنه في معركة مع ما لا يطيق، ساحاتها ميادين قلبه، وحلبتها روحه المُثقلة بالشكوك وسوء الظنون ! ويغفل أن يُرخي الحبل، ويُسلّم الأمر، ويثق ببراعة مُسيّر السفينة، وبحكمة حادي القافلة، ويمنع نفسه من الاستمتاع بقرار العين، وبالتبرؤ من حوله وقوته، ومن التحرر من خوفه وحزنه، ومن لذة التنقل والمسير في دروب الحياة المُزهر منها والقاحل، فيتشافى نُهاه من أفكاره القلقة، ويتطهّر صدره من وسواسه المُلحّ، ويتطبب قلبه من مشاعره النازفة، ويستعيد الحكمة والبصيرة، وطمأنينة الفؤاد وراحة البال، بتسليم الأمر كله، دقه وجلّه لمدبّره الخبير الحكيم. حينها تتعرى الآلام من حدتها، وتعود لحجمها الطبيعي في مسار الحياة، فلا يلبث الإنسان أن يسترجع رشده، ويسكن جنانه، وتتجلى بصيرته، بيقين نافذ، وإيمان صلب ثابت، بأن الأمور وأن أشكلت.. فإنها إلى الخير صائرة. لحظة إدراك: من عوازم التسليم، أن يصبح المرء أكثر قدرة على التمتع باللحظة، والانفتاح على جمال الحياة في كل زاوية، والعيش في تناغمٍ مع الذات، ومع تدفق الأمور كما شاء لها رب العباد، فتزهر التجربة، ويُثمر الاختبار، فيغدو الإنسان في وعيه وقدرته على الاحتواء أكثر قرباً من جلاء الخاطر، وسكون النفس، وطمأنينة القلب بلا كدر.
291
| 10 فبراير 2026
من أبهى العطاءات أن يكون الإنسان سيّالاً في بذله، متدفقاً في عطائه، كالنهر الصافي الزلال، يمضي في سكينته، لا يلتفت إلى ضفافه إلا بقدر ما يهب الحياة والخصب لما يمرّ به. عطاؤه لا يغيض لأنه يمضي بلا افتعال، ومنحه لا ينضب لأنه متصل بأصل منبعه، يسقي ويروي ويفيض، فلا يلبث أن يحيل القفر إلى خضرة ناضرة، واليباس إلى جنانٍ خميلة وارفة، قد أينعت تسرّ الناظرين. ولا يكون العطاء عذباً رقراقاً جارياً إلا إن كانت الروح مصدره الأول، حين ينبثق من البواطن، ويخرج من الصدق النقي دون فرضٍ أو ادعاء. عطاءٌ متفرد أصيل يشبه صاحبه، يحمل ملامحه، ويشي ببصمته، وموقّع بجمال باطنه الفطري، فلا يدوم الأثر خالداً إلا إن كان من روح صاحبه، بأصالة جوهره وبصمته. حينها يكون المرء منفقاً من سعته، فلا يثقل نفسه بما لا يحتمل، ولا يتصنّع ما لا يملك، إنما يمنح مما يسعه بذله بإحسان، وبما ينسجم مع بهجة خاطره، ومسرة جنانه، وبحبٍ نقي يوازي بشاشة روحه، وبجمالٍ يعكس صفاء سريرته. عطاءٌ يخرج من تلافيف المهجة، من مناطق الإتقان، ومن مساحات الرغبة الصادقة، فيقع نفعه حيثما حلّ، ويبارك أثره أينما وصل. فالسعة ليست مقداراً واحداً عند الجميع، بل هي ما أُوتيه الإنسان من فضل الله، وما أودع في يده وقلبه وعقله من آلائه المخصوصة. فمن أُوتي مالاً، كانت سعته في إنفاقه، وفي حسن توجيهه، وفي جعله سبباً للسعة على نفسه وغيره، ومن أُوتي علماً، كانت سعته في نشره، وتبسيطه، وهدايته للناس بلا تعالٍ أو احتكار. ومن مُنح حنانا ورحمة، كانت سعته في الاحتواء، وفي الإصغاء، فلا يلبث أن يغدو ملاذاً آمناً للمتعبين، ومن وُهب جمالاً، كانت سعته في إشاعته، وبسط مسرّته، في الذوق، وفي الحضور، وفي الارتقاء بالعين والروح معاً. *لحظة إدراك: كل ما تسعه الروح هو سعة صاحبها، وكل ما تطيب له النفس هو طاقتها وقدرتها، فالعطاء الحقّ غير قابل للتقليد أو الاستعاره، ولا يُستنزف قسراً، إنما يتدفق سيّالاً بطبيعته المتفرّدة التي تحمل بصمة روح صاحبها، يخرج مما هو متاح موجود، ويزدهر مما يُفضل ويُحب، ويثمر مما يُجيد ويُحسن، فلا يلبث أن يكون البرّ حيّاً نابضاً والإحسان متوهجاً مشرقاً، والعطاء إرثاً خالداً ممتداً، نهر لا ينقطع فيضه، ولا تبلى سخاءاته.
243
| 03 فبراير 2026
من الجليل أن يتنبّه المرء إلى أن الأثر يتشكّل في كل لحظة يترك فيها بصمته في الزمان والمكان، ويُخلّف طيفه في الزوايا الدقيقة للوجود، ويتسرّب أثره في التلافيف العميقة للذاكرة، تشهدها الأعين وتستشعرها الأفئدة ! فالأثر متجدد في تجلياته، مطواعٌ في امتداداته، فقد يظهر في بعض السياقات كزهرة تتفتح في الظل، أو وردة تُشرق في الدرب، تنشر عبيرها برفق، وتضيء ما جاورها بحضورها الرقيق، وشذاها الفوّاح. إلا أنه قد يغفل الإنسان في معرض حياته عن الإدراك أن الأثر له وجوه أخرى فيّاضة، تتجلى في غير الإضافة والمنح، فقد يتبدّى أثره كيدٍ تزيح ما ضرّ من الحشائش، وما تيبّس من الأغصان، فتمهد السبيل لضوء الشمس ليتسلل إلى الأرض، تمنح البراح والضياء لازدهار كل ما هو أصيل، فتحرير المساحات يمنح الحياة فرصة للنمو، تماماً كما تتفتح الحياة فيما تمت إضافته من الورود ! حينها يُنسج التأثير بعمقٍ وإرهاف بين الحركة والسكون، وبين التدفق والسمو، وتُطبع البصمة بين الفعل والفراغ، ويصبح الامتداد الذي يتركه المرء أشبه بنسقٍ واحد يتكشّف بسلاسة عبر الزمن، فتتناغم الإضافة التي تمنح الصفاء والبهاء مع الإزاحة التي تفتح المجال للخصب والازدهار، ويصبح كل فعلٍ امتداداً للحظة التي تسبقها، ووعداً للتي تليه ! وما أبهى أن يتم التنبه إلى أن (الوعي) هو قائد هذا النسق، ومرشد هذا الامتداد، يمنحه العمق والمعنى في آنٍ، فيتشابك الفعل مع الفراغ، ويتعانق الإشراق مع السكون، وتتلاقى الإضافة بالإزاحة ! فلا تلبث أن تغدو كل خطوة وكل كلمة وكل حركة لغة صامتة تتردد في الزمكان، لوحة متكاملة للحياة تبرز انسجامها في كل نفس، ويظهر ائتلافها في كل نبضة، حينها يتشكل الواقع في صورة واحدة لا تتجزأ، صورة تتنفس مع الإنسان، حاضرة في اللحظة، ممتدة عبر الزمن، شاهدة على قدرة المرء على التأثير بعمق ورهافة في الوقت ذاته، وعلى ترك بصمة متصلة بالبصيرة، متدفقة بلا انقطاع، سيّالة بلا حدود، حتى يصبح جزءاً من أجزاء هذا النسيج الكبير الذي يربط الإنسان بالعالم بروح ينساب فيها البهاء والراحة والانعتاق، ويستمر الحضور في كل حركة وسكون، حتى يختلط الواقع الملموس بالمعنى المستتر، فيغدو التأثير صورة متكاملة للوجود، صورة عنه.. ممتدة، حية خالدة ! لحظة إدراك: ما أسمى أن تكون بصمة المرء لغة صامتة، تلقائية الحضور، مقصودة المعنى، متنوعة بين الإضافة والإزاحة، ومتنوعة بين الظهور والإزالة، ومتلوّنة بين الإشراق والتنقية، فلا يلبث أن ينساب وجوده حياً متصلاً، شاهداً على حضوره وإن غفل !
237
| 27 يناير 2026
ما من حفظٍ للنفس أكرم من ألّا تفصحها لكل أحد، ولا من صيانة أعمق من أن تعرف متى تُمسك ومتى تسمح لزوايا نفسك المتلهفة للبروز أو الإعتام. فالمكاشفة ليست فضيلة مطلقة، ولا البوح دليل صدقٍ دائم، إنما القيمة الحق تكمن في الوعي بمن تمنحه نفسك، وبمن تسمح له بالاقتراب من جوهرك، وبتقدير زوايا نفسك المتلهفة بين البروز والاعتام. بأن تصون نفسك لمن يفهمك، لمن يرى بين كلماتك ما لم يره أحد، احتراماً لمعنى الفهم ذاته، لا عن ترفع أو تعالٍ، فليس كل من يسمعك قادراً على قراءة ما وراء الكلمات، ولا كل من ينصت مستعداً لتحمّل ثقل المعنى، ووزن الجوهر. ولهذا، فليس الجميع بمستحقٍ للاستماع إلى صدى روحك، ذاك الصدى الذي لا يُمنح اعتباطاً، ولا يُهرق من غير تثمين، إنما يستحقه فحسب المنصت المُدرك، المُقدّر الخبير، القادر على التقاط العمق، لا التجديف على السطح. وكما أن الأصوات لا تُبذل للجميع، فكذلك الجواهر لا تستحق أن تُعرض لكل العيون، فليست كل الأعين لائقة للاطلاع على جواهرك المخبأة، تلك التي لا يعرف قيمتها إلا المُقيّم الحصيف، الذي يميز بين البريق الحق واللمعان الزائف، ويحترم ما خفى لأنه غالٍ نفيس، فبعض النفائس تفقد معناها حين تُكشف لغير أهلها، وتُظلم حين تُرى بغير بصيرة. ومن هنا، يصبح الصمت اختياراً واعياً، والاحتجاب موقفاً مُسجلاً، خاصةً حين يهرع البعض وراء العناوين السريعة، والمظهر البرّاق اللامع، ويستعجلون المضمون بلا صبر ولا روية، ويطلبون المعنى مختزلاً، ويبتغون الحقيقة عارية من سياقها. فالكف في ذاك السياق أناقة نفس، وغنى حضور، وسيادة ذات، ورقي روح، صمت يزرع في قلبك حرية لا يلوثها صخب، ولا يُدنسها لغط، ويترك للحقيقة مكانها الطاهر، محفوظة، محتشمة لمن يملك القدرة على رؤيتك بعين بصيرته، لا بعين بصره. لحظة إدراك: المهرق عصي على التثمين، والمُتاح دائماً يفقد الكثير من بريقه، والأبواب المُشرعة كل حين، والأسوار الوطيئة تُشجع كل عابر على الدخول، وتحفز كل فضولي على اختلاس النظر. عندما تدرك أنك غالٍ، فإنك تعي أن النفيس محفوظ ومُقدّر، مرفوع القيمة، علي المقام، ليس الجميع قادرا على رؤية قيمته إن أهرق، وليس الكل سيحفظ مقامه إن توفر في جل الأحيان وأُهدر لأي أحد دون حساب أو حد.
252
| 20 يناير 2026
قد نظن أحياناً أن الأثر يُصنع فحسب بالأفعال الكبيرة ! وأن المشاعر تُروى فقط بخطواتٍ مدوية، ونغفل عن أن أكثر ما يترك بصمته في القلوب هو ما يأتي بهدوء صادق، وما يُمنح بعفوية خالصة، وما يُقدَّم دون افتعالٍ أو ادّعاء. قد تكون التفاتة تُشعر الآخر بأنه مرئي، وأن حضوره مُقدّر، أو ابتسامة رضا يفترّ ثغرك بها، تُطمئن بها قلباً كان ينتظر التفاتتك، أو ربما عقل أنهكته الظنون، وكفته ابتسامة صادقة منك ليعود لطمأنينته سراعاً ! وقد تكون نظرة حب قريرة العين، تُهدئ بها جِنان من تحب، لمحة تهبه أمان وجودك، ونقاء عطائك دون تبيانٍ أو تعليل ! أو قد تكون كلمة شكرٍ بسيطة، تُمنح بصدقٍ لمن يستحق، فتردّ له شيئاً من جهده، وتُشعره بأن ما يقدمه لم يضع سدى، وأن كل ما قدّمه هو في عين الاعتبار والتثمين. أو طبطبة على كتفٍ تواسي بها قلبه الكسير، وتمنحه إحساساً بأن ألمه مُلاحظ، ووجعه مرئي، وأن ضعفه وانكساره ليس هواناً أو عبئاً ! وقد يكون إطراءً جميلاً لتفاصيل أحدهم، تصنع بها يومه، وتضفي عليه لوناً يسر ناظره، وربما تُعيد إليه شيئاً من ثقته بنفسه دون أن تدري. بل قد يمتد هذا الأثر إلى أفعالٍ عابرة نظنها هامشية، كإيثارك لدخول أحدهم قبلك بسماحة، أو تركك مساحة لغيرك برحابة صدرٍ دون تبرُّم، أو حتى إطعام طيرٍ حر حطّ على طاولتك ! كل تلك التفاصيل الصغيرة مؤثرة فعلاً، لأنها تمسُّ الجوهر الإنساني في بواطننا، وتُذكّرنا بأن اللطف غير مبرر، وأن الخير لا يشترط حجماً، ولا مظهراً برّاقاً ليكون عظيماً ! فالمعروف لا يُستحقر وإن دق، والخير لا يُستصغر وإن رق، وما نمنحه بصدقٍ عوّاد إلينا مضاعفاً، أُنساً للنفس، وبركةً في الروح، وطمأنينةً في القلب، وطيباً في الأثر، فبصنائع المعروف ـ وإن ضؤلت ـ تُدرأ مصارع السوء، وبنوايا الخير ـ وإن خفيت ـ تتسع الحياة. لحظة إدراك: في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، وتعلو فيه الأصوات وتضيق فيه المسافات، تبقى التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح العلاقات معناها الحقيقي، وما يصون إنسانية الإنسان، ويُبقي القلب فيَّاضاً قادراً على الشعور، والعطاء، والاتصال الصادق بالآخرين.
375
| 13 يناير 2026
عندما يتأمل المرء الحُسن فإنه يتصل به كحقيقةٍ داخلية تستيقظ فيه وتتحرّك مع وعيه، وكأن التأمل فعل اعتراف صامت بينه وبين الجمال يؤكد وجود صلة قديمة له معه، فالجمال والبهاء لا يُدركان إلا حين تكون الروح مهيَّأة لاستقبالهما ! وعندما يستلذ الإنسان بالجمال فإنه لا يكتفي بمشاهدته أو الإعجاب به من بعيد بل يدعوه لاستضافته في حياته ليكون حاضراً في اختياراته وتفاصيله اليومية وفي طريقته في النظر والفهم والتعامل، فتغدو حياته أكثر امتلاءً وأقرب إلى الاتساع وأقدر على الاحتفاء بما هو بسيط وعميق في آنٍ واحد. وعندما يُقدّر البهاء فإنه لا يُحصر في الخارج، ويُفك رهنه بالمظاهر، فيتمكن المرء من نشره داخل تلافيف روحه، حيث يتحوّل التقدير إلى حالةٍ داخلية ووعيٍ متصل يجعل البهاء شطراً أثيراً من كيانه، وجزءاً أصيلاً من روحه ولا يكتفي بصورته البرَّاقة اللامعة في مظهره ! ولا يتم ذلك إلا إن علمت أنك أنت الجمال جوهره وذاته ومنبعه، وأنه لا جمال يوجد خارجك ولا بهاء إلا ما نظرت له من عين طويّتك، تلك العين التي تُدرك بالمعنى قبل الشكل وتبصر بالقلب قبل الحواس. وكما قيل (الجمال في عين رائيه)، فكل جمالٍ إنما هو منك وإليك، فكل ما تراه في الخارج ليس سوى انعكاسٌ لما أذنت له أن يتجلّى في داخلك، فأنت تفيض به زلالاً عذباً صافياً عندما ترتوي به أولًا، وتتخلق بمكارمه، وتحيط نفسك به، وتعرج في سمواته وأفلاكه، وترتقي في مقاماته، فيتحوّل الجمال من فكرة أو إحساس عابر إلى سلوكٍ ثابت، وحضورٍ متزن، وذائقةٍ واعية. لحظة إدراك: حين يستقر ذاك الفهم للحُسن فيك، لا يعود الجمال أمرا يُطلب أو شأنا يُستجدى، ولا بهاء يُلاحق أو يُقلّد، بل يصبح فيضاً خالصاً رقراقاً متدفقاً تغدق به على من حولك دون ادّعاء أو تكلّف، لأن الجمال حين يكون نابعاً من الطوّية يكفيه أن يُتلذذ به ويُشعر به امتلاءً داخلياً لا يحتاج إلى إعلان ظاهر، أو إشهار بارز، حيث لا يلبث أن تلمس أثره في كل ما يمرّ عبرك ومن خلالك وعبر مصفاتك.
387
| 06 يناير 2026
ما أثمن أن يصل الإنسان إلى لحظة صفاء، تلك اللحظة النادرة التي تهدأ فيها ضوضاء الداخل، ويخفّ فيها ثقل المقارنات، فيُدرك بوضوحٍ عميق أن خلق الجمال ليس امتيازاً للنُّخبة، ولا حكراً على من وُضعوا في دائرة الضوء، إنما هو جوهره حقٌّ أصيلٌ لكل من قرر أن يعيش بشفافية الصدق. إنها لحظة وعي تتبدد فيها الأوهام القديمة، وَهْم أن الجمال يحتاج إذناً، أو يتطلب شهادة ما، أو اعترافاً خارجياً مُعلناً ! لحظة يفهم الإنسان فيها أن الجمال هو بمدى الانسجام بين الداخل وما يُعبَّر عنه في مظاهره في الخارج. فخلق الجمال فعل (شجاعة) قبل أن يكون موهبة ممنوحة، وهو اختيار واعٍ بأن يعيش المرء متصالحاً مع حِسه، ومتآلفاً مع رؤيته، ومنسجماً مع طريقته الخاصة في الفهم والتعبير. وحين يقرر المرء أن يعيش بتلك الدرجة من الصدق، يصبح الجمال نتيجة طبيعية، ومحصلة بديهية، لا هدفاً يُرمى للوصول له، يتبدّى في الكلمة، في الموقف، في الصمت، وفي التفاصيل الصغيرة التي يلتفت لها من كان حاضراً مع نفسه في لحظته. وفي هذا الإدراك، تتحرر الحياة من فكرة النخبوية، ويتحرر الإنسان من انتظار الاعتراف، فالجمال في جوهره حالة داخلية تنعكس على العالم، ويعي جيداً أنه ليس طبقة اجتماعية ولا مرتبة فكرية، ويتيقن أن من اختار الصدق نهجاً، اختار دون أن يدري ربما أن يكون خالقاً للجمال، مُبدعاً للبهاء، منتجاً للحُسن ومنبعاً له ! لحظة إدراك: الثروة الحقيقية أن يعرف الإنسان أن حقه في الجمال لا يقل عن حقه في النَّفَس، وأن الصفاء الذي يقوده إلى هذا الفهم هو بداية حياة تُعاش بوعي، وبحضور كامل بلا استعارةٍ أو تقليد!
261
| 30 ديسمبر 2025
من اللافت جدًا أن يكون المرء أنيساً منسجماً، طيّب المعشر، يألف الناس ويألفونه، غير متكلف في خلقه ومسلكه، متواضعاً، ليّن القول، خفيض الجانب. فهذا مما يدني الناس منه، ويذلل الحواجز بينه وبينهم، وتجعل من حضوره واحة راحة وطمأنينة، دون كلفة أو أي تصنع مبذول أو مجاملة زائفة، فكما يُقال: (شدة الألفة، تُزيل الكلفة). ولكن للألفة مقامات، لا يصح معها رفع الكلفة مع أي أحد، فالانغماس في الاتحاد مع الآخرين ألفة وخُلطة، والانفتاح بلا حد قد يُكلّف الإنسان نفسه غالياً، ويفقده بعض وقاره وحرمة نفسه. لذا، ليس هناك ما هو أجلّ من أن يحتفظ المرء ببعضه لبعضه، فلا يُريق نفائسه هدراً بلا داعٍ، ولا يعرض نوادره لكل عابر، ولا يُذيع مكنونه إلا لمن أثبت جدارته، فالنفس لها حرمة تُحفظ، ووقار يُصان، وليس كل عابر يستحق الاطلاع على طرائفه النادرة، وجواهره المزجاة بتفاصيل روحه الآسرة ! فالمُهرق دائماً بخسٌ وإن عزّ، والمُتاح أبداً يفقد الكثير من بريقه، والمكشوف باستمرار مُبتذل.. وإن كان من باب الألفة ولين العريكة ! فالألفة حين لا تُضبط تُبدّد شيئًا من نفس المرء، ومتى أدرك ذلك يبدأ التحوّل، إذ يُدرك أن كثرة الإتاحة تُفرغ المعنى، ويعي أن صيانة النفس شرط لصيانة القلب. فكما لا تُراق النفائس بلا داعٍ، لا تُنفق المشاعر إلا حيث يكون لها قدرها، فكلما نضج المرء غلت عليه مشاعره، وتثمنت لديه حدوده، فأصبح قلبه نفيساً، عصيّاً لا يدخل إليه أي عابر، ولا يمنح دفئه وحنانه إلا لمن أثبت جدارته. فهو أعلم بمن يؤثر، وأدرى بمن يُدني ويُبعد، يصون حرمته بعزة النفس وأصالة الخلق، مرتفعاً عن كل ما يشين، مرتقياً عن السفاسف، وأما العابرون فلا يكرمهم وقت أساه سوى تغافله عنهم والترّفع عما قد يجر وجدانه للإنفاق من مشاعره العزيزة الكريمة، الأثيرة النادرة ! لحظة إدراك: ليس أسمى من أن يصون الإنسان الناضج ألفته وكرامته، ولطفه ووقاره، فتحيا روحه وقلبه في توافق وانسجام، لتحيا علاقاته صفيّة أصيلة في جوهرها، كل لحظة منها نفيسة، وكل قلب يشارك فيها مُقدّر، ولكل نفس فيها لها حرمتها، فلا يلبث أن يكون كريماً في أصله ومنبته، بذله و حدّه.
366
| 23 ديسمبر 2025
من الجميل أن يُدرك المرء أنه يمكن أن يرتقي بحكمته حين يتعهد نفسه بالدُّربة والمِران على الابتعاد عن القوالب الجاهزة، والأحكام المُطلقة، وأن يتحرر من أسر الفكر إلى براح التفكّر، ومن ضيق الإجابات الماضية السريعة إلى سعة التأمّل الرحب العميق. فالحكمة تُولد من الاستعداد الدائم لإعادة النظر، ومن شجاعة الإقدام على مساءلة المسلّمات دون خوفٍ أو وجل، ومن القدرة على تجاوز اليقين الصلب المتحجر، والارتحال إلى سعة المرونة في التطلّع وفضول السؤال. ومن الانتقال من محدودية الألوان إلى إبصار تدرّجاتها، فلا يرى الأشياء بحدّيتها القاسية، ولا يختصر البشر في مواقف عابرة، بل يتأمل السياقات التي صنعت أقوالهم، والظروف التي شكّلت اختياراتهم، واللحظات التي دفعتهم إلى ما قالوا و ما فعلوا، فالفهم العميق ينشغل بالفهم والتفسير لابالحُكم والتأويل، وينتظر استكمال أجزاء الصورة قبل استعجال الإدانة ! ولا يكون ذلك إلا حين يعي أن لكل أمرٍ سياقه الذي يناسبه، وأن ما يُعد مقبولاً محموداً في سياقٍ زمني أو مكاني أو ظرفي معين، قد يكون مذموماً في سياقاتٍ أخرى، لاختلافٍ وتنوّع في الشروط والملابسات، وتغيّر في موازين الضرورة، وتبدّل في أولويات الإنسان وحاجاته. فالسياق إطار الفهم، وحُجة التفسير، ومن دونه تفقد الأحكام عدالتها ومعناها. وهنا تتجلّى (الحكمة) في تعريفها الأصيل، فهي: (وضع الشيء في موضعه)، وهو تعريف بسيط في لفظه، عميق في مضمونه، يختصر مسافة طويلة من الجدل وسوء الفهم، إذ يفسّر لم يستغرب البعض من تبدّل الأقوال أو تلوّن الآراء، ويعدونها من باب النفاق أو قلّة الوضوح، أو يميلون لقراءتها كتناقضٍ واضطراب، ولا يرونه من باب النضج والحكمة والتعقل، ويستنكرون الإفاضة والتفصيل فيما يعدّونه من البديهيات، وكأن الحقيقة واحدة جامدة لا تتأثر بالزمان، ولا تتلوّن بالمكان، ولا تتغيّر بتغيّر الإنسان نفسه، وسياقات الظرف والحال، وغفلوا أثناء حكمهم ذاك عن إدراك أن رحابة الرؤية توجب التفصيل، وأن الاتساع في الفهم لا يسمح دائماً بالاختزال، ولا يحتمل العبارات القاطعة أو الأحكام الجازمة الباتّة. لحظة إدراك: كما قيل: (كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة)، وكلما نضج الفهم، احتاط المرء في إصدار حكمه، حتى يرى يقيناً أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن التريّث أصدق من الحسم والجزم.
456
| 16 ديسمبر 2025
مهما بلغ المرء من مقام، ومهما وصل في حياته من مرام، تظل إنجازاته حاملة لمعانٍ لا يقدرها إلا هو، فعين الخطيئة ليست في ضآلة ما وصل إليه في عيون الآخرين، إنما في أن يغفل الإنسان عن أن يوّقر ذاته ويحتفل بما اجتازه من دروب شاقة، ومسالك وعرة، وبما تحصّل له عبر الزمن من رزقٍ ومقام، ولو بدا للعامّة قليلاً يسيراً أو سطحياً تافهاً، فهذا الفخر الداخلي هو اعتراف صادق بقيمة ما اكتسبه، قبل أن تراه عيون الناظرين من الخارج. فمن اجتاز اختبار الأيام، وواجه تحديات كادت تبعثر روحه، وتخطّى آلاماً أوشكت على اعتصار قلبه، وحده من يعرف قيمة كل خطوة وثمن كل صبر. فهو الأعلم بالهموم التي حملها، والأدرى بالدروس التي استخلصها، والأحكم بالقوة التي استنهضها من صمتٍ واحتجاب، ومن هذا الفهم العميق ينشأ تقدير المرء لذاته، والقدرة على الاعتراف الشجاع بخطواته، مهما بدت صغرى في عيون من حوله ! لذا، لا ينتظر الإنسان أن يقيّمه غيره من وراء الحُجب التي تمنع عنه صدق الرؤية، ولا أن يقدّر مساره من لم يمشِ فيه خطوة واحدة، ولا ينبغي أن يكون هو ذاته أشدّ غلاظة على نفسه من قسوة غيره عليه ! فأسوأ الظلمات تلك التي تصيب الروح من حكمها الجائر على ذاتها بالانتقاص، و على مسيرها بالتفاهة والتحقير، قبل أن يُسقط عليها أي حكم من الخارج، فالقيمة الحقّة منبعها البواطن، وأعماقها الكائنة نابعة من سلام النفس، وراحة الخاطر، وتثمين الداخل، ومن الاعتراف البيّن لما تحمله وتجتازه الروح. لحظة إدراك: الحياة رحلة يختبر فيها الإنسان عمق ذاته، ويحتفل بخطواته، مهما صغرت في أعين الناس. فهي مساحة رحبة للسلام مع النفس، وللاعتراف الحق بالجهود الصامتة، وللتثمين الخفي للقدرة على النهوض بعد كل سقطة، والقيام بعد كل كبوة، حتى يصبح كل ألمٍ مرّ به، وكل انتصار صامت حققه، جزءاً من وعيه، وجوهراً من نفائس قيمته الذاتية، وصرخة فخرٍ صامتة تعلن عن وجودها بكل تلافيف تجربتها الإنسانية على هذه البسيطة.
315
| 09 ديسمبر 2025
في التجارب الإنسانية، يظل الشطر المخفي هو الأصدق، فالظاهر لا يبوح سوى بالقليل، ولا يُنبئ إلا عن علامات مارقة قد لا تلامس العمق وقد يجانبها الصواب. ففي البواطن تتحرك طبقات المحاولات المتلاحقة، وتتراكم الأعباء التي لم تُتح لها فرصة المشاركة في حمل ثقلها. وتتكدس الدروس لتصوغ ملامح جديدة للوعي، ومنظوراً حديثاً للإدراك، فما يبدو للعالمين مجرد مرحلة عابرة، قد يكون في حقيقة نفس المرء نقطة انعطاف غيرت المسار بأكمله، فهي جزء من فصائل الصمت التي تحمل في طياتها انتصارات صامتة لا يُدركها سوى الإنسان نفسه. ومن هذا الغور السحيق يتكون معنى الإنجاز الحق، والانتصار الأسمى. فالإنجاز ليس دائمًا حدثاً كبيراً مجلجلاً، ولا إعلاناً صريحاً براقاً، فقد يظهر أحيانًا في قدرة المرء على الحفاظ على اتزانه وسط ما كان كفيلًا بإرباكه، أو في استعادة نفسه بعد فترة طالت فيها المشقة، وقد يأتي الرزق على هيئة لحظة هادئة، أو انسجام داخلي جديد، أو باب صغير فُتح في وقت كانت بقية الأبواب فيه موصدة. ومع مرور الزمن، يتضح أن الطريق الحقيقي هو ذاك الذي تشكل في الداخل، فكل تجربة مهما كانت متواضعة في ظاهرها، تحمل في عمقها تحولاً ما، قد يكون تغييراً في الفهم، أو نضجاً في طريقة النظر، أو انسحاباً هادئاً من فكرة كانت ترهق الروح، وتتعب العقل، ولهذا لا يمكن للآخرين أن يقدّروا حجم ما تم عبوره، ولا أن يمنحوه حقه من التفهم والتقدير، لأنه ببساطة تجربة كاملة لا يسهل قياسها. وأكثر ما يثقل الإنسان هو ميله إلى تقليل ما عاشه، أو استصغار أثر الأشياء التي عبرت به، وكأنما يطالب نفسه بأدلة ملموسة على صبر لم يشهده أحد، أو يلزمها بوزن لا يعبر عنه مقدار الجهد المبذول. ومع هذا الميل، تُهرق الكثير من القيمة في انشغال غير ضروري بالمقارنة، أو في توقع اعتراف من الخارج لا يزيد ولا ينقص من الحقيقة الساطعة شيئاً. وحين يتراجع هذا الزحام الداخلي، يُصبح تقدير المسار أكثر صفاء، حيث يمكن أن يُنظر للإنجاز كامتداد منطقي لرحلة خيضت بصمت، وتفهم الأشياء الصغيرة كإشارات ناضجة على تحول لم يكن سريعاً ولا سهلاً. وهنا يستحق أن نهنأ بالفخر دون اعتباره ضربا من المبالغة، لأن الفخر سيتحول لمعرفة رصينة بأن ما وصل الإنسان إليه لم يكن صدفة، ولم يأتِ بلا ثمن. لحظة إدراك: عندما يصبح كل ما مر به المرء- مهما بدا بسيطاً- فصلاً صادقاً من تاريخ شخصي عميق، فإنه يُدرك حينها أنه لا يحتاج إلى ضوء خارجي ليسطع نوره، لأنه قد غدا مكتملاً بمعناه، متسعاً بما حملته خطواته السابقة من عبور.
279
| 02 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6567
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
984
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
846
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
807
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
621
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
615
| 20 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
489
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
474
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
426
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
417
| 15 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
405
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية